(فصل): وبالحري أن نذكر في هذا المقام نبذة من سيرة أئمة المذاهب، ليعلم المقتدون بهم أن شرفهم وعلو درجتهم ومكانتهم عند الله تعالى لم يكن بمجرد العلم الظاهر، والتوسع في تفاريع المسائل الفقهية. بل لكونهم من علماء الآخرة جامعين لعلاماتها، متأسين فيها بالصحابة ﵃ والتابعين والسلف الصالحين. ونبين أن كل واحد منهم كان عابدًا وزاهدًا، وعالمًا بعلوم الآخرة، وفقيهًا في مصالح الخلق، ومعاملات الدنيا ومريدًا بفقهه وجه الله تعالى. فهذه خمس خصال اتبعهم فقهاء الفرق من جملتها على خصلة واحدة، وهي التشمير والمبالغة في تفاريع الفقه. لأن الخصال الأربع لا تصلح إلا للآخرة وهذه الخصلة الواحدة تصلح للدنيا وللآخرة أيضًا، إن أريد بها الآخرة فلصالحها للدنيا شمروا لها، وادعوا بها مشابهة أولئك الأئمة، وزعموا أن من طعن فينا فقد طعن فيهم، وطعن في العلماء وفي العلم وهيهات. فلا تقاس الملائكة بالحدادين، بل هم في القيامة أول خصومهم وخصوم أتباعهم الذين انتسبوا إليهم، وانتحلوا مذاهبهم إن أنصفوا أنفسهم. انتهى.
فأين الغزالي رحمه الله تعالى ينظر إلى ما نحن فيه اليوم من الحاج مختار وأمثاله من السفلة الجهلة؟ لا بارك الله فيهم ووقى المسلمين شرورهم. ثم اعلم
[ ٢١٣ ]
أن المعترض – فيما نقله عن شيخ الإسلام من كتابه "رفع الملام" – وإن كان قليلًا – فقد حرف فيه وبدل، وزاد فيه ونقص في أكثر من ثلاث وعشرين موضعًا، تركت مناقشته عليها لأن هذا المعترض سلسلة أكاذيب وأغلاط لا آخر لها. ولم أكن ملتزمًا لمناقشته في جميع أغلاطه، بل فيما لا يجوز السكوت عليه منها كدعائه إلى الشرك في عبادة الله تعالى واتباع رسوله ﷺ وكالابتداع في الدين بما لم يأذن به الله تعالى ولا رسول الله أو ما يفتريه من الكذب على أئمة المسلمين. فهذه المسائل قد عاهدت الله على جهاد أعدائه فيها، كالحاج مختار وشيخه شيخ الضلال دحلان. والله حسبنا ونعم الوكيل.
وبعد أن انتهى المعترض من نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى صار يفرع على كلامه، ويقتبس ألفاظًا وجملًا من كلام الشيخ يبني عليها ما يمليه عليه عقله الفاسد، وفهمه العاطل من الهذر الذي لا يعقل، بل زاد عليه بأن كتب الحديث – وخص منها الصحاح الستة – فيها من الاختلاف ما ينوف عن الثلث منها، وأنه رأى في شرح الزرقاني على موطأ مالك: مئات المسائل المختلف فيها بين الصحابة، وكثير منها ما كان في حياة الرسول ﷺ وأنه لما صار الفتح تفرق الصحابة في أقطار الأرض، وصار كل منهم يفتي بما عنده من العلم، وأن الأئمة الأربعة كل واحد منهم قد تلقى علومه على أهل البلد التي حل فيها، مثل الحرمين والعراق وغيرهما. وأنه بسبب الرخص والعزائم والناسخ والمنسوخ وقعت الاختلافات في الدين بين الصحابة فمن بعدهم.
فيخيل لسامع كلام هذا الجاهل الأحمق: أن الدين كان على عهد الصحابة ﵃ – وكذا على عهد التابعين لهم – في حالة من الغموض وعدم البيان وكثرة الاختلافات، لعدم ضبطه ومعرفة ناسخه ومنسوخه، ورخصه وعزائمه، يتعذر معها معرفة الأحكام من كتاب الله تعالى وسنة ورسوله ﷺ، بل يشعر كلامه هذا: أنه لا وجود للكتاب والسنة وأن أحكام الدين هي ما يتلقى من بعض الصحابة الذين تفرقوا في أقطار الأرض بعد الفتح، على ما فيه من اختلاف بينهم، حتى جاء الأئمة الأربعة، فأصلحوا من أمر هذا الدين ما كان مضطربًا،
[ ٢١٤ ]
وبينوا ما كان خافيًا مما عجز الصحابة والتابعون من بعدهم عن معرفته وبيانه. وكأنه هذا القائل لم يسمع الآيات والأحاديث الواردة في إكمال الله تعالى لهذا الدين، وحفظه له من كيد أعدائه الظالمين، وإبلاغه لهذه الأمة بأتم بلاغ مبين، حيث يقول تعالى: ﴿وَاخْشَوْنِي الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة، الآية: ٣] وقال ﷺ: "تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" وذلك وقبل أن يخلق الأئمة الأربعة وقرنهم الذي كانوا فيه. ومع ذلك فإن الأئمة الأربعة ﵏ لم يدعوا لأنفسهم ما ادعاه لهم هذا الملحد الذي يزعم أنه يدافع عن مقام الأئمة الأربعة، مع أن هذا كذب منه، بل زور وبهتان بل ضلال وإضلال، فإنه من ألد أعدائهم، فإنه مشرك وهم موحدون وجاحد لصفات الله تعالى وهم لها مثبتون، ومبتدع في الدين وهم متبعون، ومقلد أعمى عن الهدى وهم بنور الله مهتدون. فهو إنما يدافع عن نفسه وشيعته أهل البدع والضلال، الذين أحلوا أنفسهم محل الأئمة الأربعة، وزعموا أن من طعن فيهم فقد طعن في الأئمة الأربعة كما ذكر ذلك الغزالي. وهكذا يتقمص هؤلاء الضلال شخصيات الصالحين وهم من ألد أعداء الدين.
[ ٢١٥ ]