قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(وأما الجواب المفصّل: فإن أعداء الله لهم اعتراضات كثيرة على دين الرسل، يصدون بها الناس عنه، منها قولهم: نحن لا نشرك بالله شيئًا، بل نشهد أنه لا يخلق، ولا يرزق، ولا ينفع، ولا يضر، إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا ﷺ -لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فضلًا عن عبد القادر، أو غيره، ولكن أنا مذنب، والصالحون لهم جاه عند الله، وأطلب من الله بهم.
فجاوبه بما تقدم، وهو أن الذين قاتلهم رسول الله مُقرِّون بما ذكرت لي أيها المبطل، ومُقرِّون أن أوثانهم لا تدبر شيئًا، وإنما أرادوا ممن قصدوا الجاه والشفاعة. واقرأ عليه ما ذكر الله في كتابه، ووضحه).
هذه أولى الشبهات التي أراد المؤلف ﵀ كشفها. وهي من أشهر شبهاتهم عند المناظرة. يشهرها أولئك السدنة، الذين يحيطون بالقبور والمقامات والمشاهد المزعومة، حينما يُنكر عليهم صنيعهم، فيقولون: نحن لا نشرك بالله! ويفسرون ذلك بتوحيد الربوبية، ونفيه عمن سواه. ثم يظهرون التمسكن والانكسار، فيقول قائلهم: أنا مذنب! أنا متلطخ
[ ٦٨ ]
بالذنوب والأوزار! من أنا حتى أسأل الله مباشرة؟ أحتاج إلى من يدخلني على الله ﷿. وهؤلاء الصالحون لهم جاه عند الله ﷿ -أعطاهم إياه، ومنَّ عليهم به، فأنا أطلب من الله بهم. كما أن الإنسان، في هذه الدنيا، لو كان مذنبًا مجرمًا، لا يستطيع أن يدخل على السلطان إلا بواسطة. هكذا صوروا القضية! فلربما لو ألقيت هذه الشبهة على بعض البسطاء، لأُرتج عليه، ولم يُحر جوابًا.
قوله: (فجاوبه بما تقدم): يعني بما تقرر سابقًا، وخلاصته أنه لا فرق بين دعواكم هذه، وما ادعاه المشركون زمن النبي ﷺ، فقد كان المشركون زمن النبي ﷺ مقرين بالربوبية، وأن الله هو الخالق، المالك، المدبر، مقرين بأن أوثانهم لا تدبر شيئًا، ومع ذلك أكفرهم، وقاتلهم. والذي أوقعهم في الشرك قولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. فلا فرق بين تسويغ المشركين الأوائل لشركهم، وبين ما تقولون وتفعلون أنتم، لتسويغ شرككم. وقد رد الله عليهم بقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]
[ ٦٩ ]