قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(وإن قال: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، فقل: هذا هو الحق، ولكن لا يُعبدُون، ونحن لا ننكر إلا عبادتهم مع الله، وإشراكهم معه، وإلا؛ فالواجب عليك حبهم، واتباعهم، والإقرار بكرامتهم، ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلالات، ودين الله وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين، وحق بين باطلين).
هذا مسلك من مسالك الشغب التي يهوش بها هؤلاء القبوريون على الموحدين، ويضلون أتباعهم من السذّج المغفلين، فيتهمون أهل التوحيد بأنهم لا يحبون الصالحين، ولا يحبون النبي ﷺ! والغِر الساذج، إذا قيل له هذا الكلام، شعر بالتغيظ والغضب. فيهيجونهم بمثل هذه المزاعم والتهم على دعاة التوحيد. فيجب على أهل السنة والتوحيد أن يدفعوا هذه الشائنة عنهم، ويقطعوا الطريق على هؤلاء المضلين، وأن يظهروا محبتهم للنبي ﷺ وأنهم أولى الناس به، ويظهروا محبتهم للصالحين، وإثبات كراماتهم، وبيان أن محبتهم الحقيقية تكون بالتأسي بهم، واتباعهم. وبهذا يقلب الأمر عليهم.
[ ٩٧ ]
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(فإذا عرفت أن هذا الذي يسميه المشركون في زماننا "الاعتقاد"، هو الشرك الذي أنزل فيه القرآن، وقاتل رسول الله ﷺ الناس عليه، فاعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل وقتنا بأمرين:
أحدهما: أن الأولين لا يشركون، ولا يدعون الملائكة، أو الأولياء أو الأوثان، مع الله، إلا في الرخاء، وأما في الشدة فيخلصون الدين لله، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ﴾، إلى قوله: ﴿مَا تُشْرِكُونَ﴾، وقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ الآية.
فمن فهم هذه المسألة التي وضحها الله في كتابه، وهي أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله يدعون الله، ويدعون غيره في الرخاء، وأما في الشدة، فلا يدعون إلا الله وحده، وينسون ساداتهم، تبين له الفرق بين شرك أهل زماننا، وشرك الأولين، ولكن أين من يفهم قلبُه هذه المسألة فهمًا راسخًا؟ والله المستعان).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٩٨ ]
ذكر المؤلف، ﵀، هذين الوجهين، في القاعدة الرابعة من "القواعد الأربع"، في بيان أن شرك المتأخرين أغلظ من شرك المتقدمين. وهذا الوجه مشاهد لدى الرافضة والقبوريين، فتسمعهم يهتفون في المآزق، ويصيحون: يا علي! يا حسين! يا زهراء! يا سيد!
[ ٩٩ ]
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(والأمر الثاني: أن الأولين يدعون مع الله أناسًا مقربين عند الله؛ إما أنبياء، وإما أولياء، وإما ملائكة، أو يدعون أحجارًا، وأشجارًا مطيعة لله تعالى، ليست بعاصية. وأهل زماننا يدعون مع الله أناسًا من أفسق الناس، والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور؛ من الزنا، والسرقة، وترك الصلاة، وغير ذلك. والذي يعتقد في الصالح، والذي لا يعصي؛ مثل الخشب، والحجر، أهون ممن يعتقد فيمن يشاهد فسقه، وفساده، ويشهد به).
هذا هو الوجه الثاني في المقارنة بين شرك المعاصرين، وشرك الأولين. فالأولون يصرفون ذلك الاعتقاد لقوم صالحين، لا يحفظ عنهم شيء من الفجور والشرك، أو لمخلوقات خاضعة لله، مسبحة بحمده؛ كالأشجار والأحجار. أما المشركون في زمن المؤلف ﵀ -فإنهم يصرفون هذا الاعتقاد الذي يسمونه "كبير الاعتقاد"، لقوم يمارسون صنوف الفسق والفجور! ومع ذلك على أعينهم غشاوة، وفي آذانهم وقر، وعلى قلوبهم أكنة. ولا شك أن من اعتقد بحجر أو شجر مطيع لله ﷿، أو رجل صالح موافق لأمر الله، مجتنب لنهيه، أهون ممن اعتقد فيمن يبارز الله تعالى بالعصيان، ويقع في الموبقات.
[ ٩٩ ]
ومن قرأ في "طبقات الشعراني"، وجد العجب العجاب! يترجم لأشخاص يصفهم بالولاية، ويحكي عنهم من مقارفة الموبقات، ما تقشعر له الأبدان، من اللواط، وإتيان البهائم، وشرب الخمور، ويزعم أن هذه أحوال خاصة، وأن لهم مع الله حال ليس كحال العامة، وأنه يجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم، وأنهم تخطوا درجة التكليف، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]، فهم قد بلغوا درجة اليقين، فحلت له المحرمات، وسقطت عنه الواجبات! هكذا تلاعب الشيطان في عقول هؤلاء المهووسين.
وتروج هذه الخرافات على أصحاب العقول البليدة، بسبب سدنة المشاهد والقبور، الذين يروجون للشرك ويأكلون أموال الناس بالباطل.
حدثني بعض الإخوة السودانيين، أن شركة صينية كانت تعمل في بلاد السودان، فمات أحد أفرادها، وكان بوذيًا، أو كنفوشيسيًا، فحزن عليه أصحابه، فدفنوه، وأقاموا على قبره قبة، وزوقوها بالزخارف، كعادة الصينيين في مقابرهم. ثم لم تلبث هذه الشركة بضع سنين، حتى نفذت المشروع، ورحلت إلى بلادها. يقول محدثي: فما هي إلا سنة أو سنتان، حتى صار العامة يقصدون هذا القبر، ويطوفون به، ويتبركون بتربته، ويدعونه من دون الله، ويسمونه مقام الشيخ الصيني! تحول هذا البوذي إلى ولي! وحُدِّثت أيضًا، عن قبر كان يزار في بلاد الجزائر، فنبش لسبب من الأسباب، فلم يجدوا فيه إلا عظام كلب! وهكذا يتلاعب الشيطان بهذه العقول، ويوردها المهالك، ويوقعها في الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله ﷿.
[ ١٠٠ ]