قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(فإن قال: الكفار يريدون منهم: وأنا أشهد أن الله هو النافع الضار، المدبر، لا أريد إلا منه، والصالحون ليس لهم من الأمر شيء، ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاعتهم.
فالجواب: أن هذا قول الكفار سواء بسواءٍ، فاقرأ عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّهِ﴾.
واعلم أن هذه الشبه الثلاث هي أكبر ما عندهم، فإذا عرفت أن الله وضحها في كتابه، وفهمتها فهمًا جيدًا فما بعدها أيسر منها).
قوله: (الكفار): أي الذين بعث فيهم النبي ﷺ.
قوله: (يريدون منهم): يعني يريدون من أولئك الصالحين، مباشرة.
قوله: (وأنا أشهد أن الله هو النافع الضار): رجع إلى التذرع بتوحيد الربوبية.
[ ٧٣ ]
قوله: (والصالحون ليس لهم من الأمر شيء ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاعتهم): لاحظ هذا إقرار منه بحصول القصد، وطلب الشفاعة منهم.
فبين المؤلف-﵀: أنه لا فرق بين مقالته ومقالة المشركين الأولين، الذين كانوا يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وقد حكم الله عليهم بالشرك، وأنكر عليهم قولهم: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]. فهذا عين ما وقع منك؛ توجهتَ إلى قبة زيد بن الخطاب ﵁، أو مشهد الحسين، أو قبر عبد القادر الجيلاني، أو مقام السيد البدوي، أو الدسوقي، أو غيرهم من أهل الصلاح، وصرتَ تدعوهم من دون الله ﷿، وتطلبَ منهم المدد، والفرج، وكشف الكربات، وقضاء الحاجات، وعلقتَ قلبك بهم. هذا عين الشرك الذي بعث الله تعالى أنبياءه ورسله بدفعه.
تجد من نشأ على هذا، وأشرب قلبُه حبَّه، إذا وقع في كربة، نادى في غيبة من مدعوِّه، قائلًا: مدد يا سيد! يطلب المدد من ولي مغيب في قبره منذ قرون، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فضلا عن أن يملك لغيره. يدعوه على بعد المسافات، دعاء عبادة، من دون الله.
لو طلب من إنسانٍ حاضرٍ، قادرٍ، المدد والمساعدة، ما أنكرنا عليه ذلك، لكنه يطلب غائبًا، غير قادر، لا يملك له نفعًا ولا ضرًا.
وتذهب بعض النساء اللواتي تأخر حملهن، ويطفن ببعض هذه القبور ويسألن الولد!. كان يوجد في بلاد نجد، في زمن المؤلف ﵀ فحل نخل تطوف به المرأة، وتطلب منه الزوج، قائلة: يا فحل الفحول، ابغني زوجًا قبل الحول!
وكانوا يصنعون أمورًا شركية، عند قبة زيد بن الخطاب، التي كانت
[ ٧٤ ]
بموضع في اليمامة؛ كانوا يذبحون عندها، ويقدمون النذور، حتى قام المؤلف ﵀ بهدمها، وقضى على كثير من مظاهر الشرك. (^١)
فينبغي لكل طالب علم موحد، أن يعرف هذه الشبهات، ويعرف كشفها. ومدار الجواب عنها أنه لا فرق أبدًا بين دعوى المشركين المعاصرين، ودعوى المشركين السابقين، فإن المشركين الأوائل مقرون، مثلكم، بتوحيد الربوبية، وأنه، سبحانه، الخالق، المالك، المدبر، النافع، الضار، وأن من سوى الله لا يملك من الأمر شيئًا، ولكنهم يعتقدون في أوليائهم، ومن يشركون بهم، أن لهم منزلة تسوِّغ دعوتهم من دون الله. فلا فرق بين هؤلاء وهؤلاء. والواجب توحيد رب العالمين كما قال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨].
_________________
(١) انظر في ذلك: مقدمة تاريخ ابن غنام: (روضة الأفكار والأفهام، لمرتاد حال الإمام، وتعداد غزوات ذوي الإسلام)
[ ٧٥ ]