قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(ولهم شبهة أخرى: وهي قصة إبراهيم، ﵇، لما ألقي في النار، اعترض له جبرائيل في الهواء، فقال له: ألك حاجة؟ فقال إبراهيم ﵇: أما إليك فلا (^١)، قالوا: فلو كانت الاستغاثة شركًا لم يعرضها على إبراهيم.
فالجواب: أن هذا من جنس الشبهة الأولى، فإن جبرائيل ﵇ عرض عليه أن ينفعه بأمر يقدر عليه، فإنه كما قال الله تعالى فيه: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾، فلو أذن الله له أن يأخذ نار إبراهيم، وما حولها من الأرض، والجبال، ويلقيها في المشرق أو المغرب، لفعل، ولو أمره الله أن يضع إبراهيم في مكانٍ بعيد لفعل، ولو أمره أن يرفعه إلى السماء لفعل. وهذا كرجل غني، له مال كثير، يرى رجلًا محتاجًا، فيعرض عليه أن يقرضه، أو يهبه شيئًا يقضي به حاجته، فيأبى ذلك الرجل المحتاج أن يأخذ، ويصبر، حتى يأتيه الله برزق لا منة فيه لأحد. فأين هذا من استغاثة العبادة والشرك، لو كانوا يفقهون؟).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) تفسير الطبري (١٧/ ٤٥).
[ ١٣٦ ]
هذه القصة التي يشبهون بها، في ثبوتها نظر، والمحفوظ عنه ما رواه البخاري عن ابن عباس، ﵄، قال: (كَانَ آخِرَ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ) (^١). وعلى فرض ثبوتها فهي لا تسعفهم في دعواهم. فأين هذا من هذا؟! بل هي عليهم، لا لهم؛ وذلك أن جبرائيل، ﵇، عرض عليه الغوث في أمر يستطيعه، وليس فيه أن إبراهيم استغاث به، بل قال له جبريل: (أَلَكَ حَاجَةٌ؟ فقَالَ إبراهيم: أَمَّا إِلَيْكَ فَلَا) (^٢)، وليتهم نظروا إلى هذا الجانب الذي يدل على كمال التوحيد، لكنهم عموا عنه، ونظروا إلى كون جبرائيل عرض عليه الأمر، وقالوا: ما عرض ذلك عليه إلا لجوازه. ونحن نقول: إذا كان قادرًا فله العرض، وللمعروض عليه القبول أو، الرد. لكن إبراهيم ﵇ اختار الأكمل والأتم، وهو الاكتفاء بالله ﷿، والاستغناء به عما سواه. فلا حجة لهم. والمثال الذي ضربه المؤلف للغني الذي يعرض على الفقير هبة أو قرضًا، مثال منطبق صحيح. وليس في ذلك شائبة من شوائب الشرك.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٤٥٧٤)
(٢) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (١/ ٢٠)، وأصله في الصحيحين.
[ ١٣٧ ]