قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
فإن قال: إنهم لم يكفروا بدعاء الملائكة، والأنبياء، وإنما كفروا لما قالوا: الملائكة بنات الله. ونحن لم نقل: إن عبد القادر، ولا غيره، ابن الله. فالجواب: إن نسبة الولد إلى الله تعالى كفر مستقل؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، والأحد: الذي لا نظير له، والصمد: المقصود في الحوائج. فمن جحد هذا فقد كفر، ولو لم يجحد آخر السورة. ثم قال تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾، فمن جحد هذا فقد كفر، ولو لم يجحد أول السورة. وقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾، ففرَّق بين النوعين، وجعل كلًا منهما كفرًا مستقلًا. وقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ﴾، ففرَّق بين الكفرين).
يزعم هؤلاء المشركون أن دعاء عبد القادر، وغيره، ليس شركًا، وإنما الشرك الذي حصل عند الأولين كان بزعمهم أن الملائكة بنات الله، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥]، وإنما الكفر
[ ٩٣ ]
لو قلنا: إن عبد القادر ابن الله، كما قالت النصارى: المسيح ابن الله. فأبطل المؤلف شبهتهم هذه ببيان أن الكفر أنواع، وله موارد شتى، فمن سلم من نوع، ووقع في آخر، لم يسلم من وصمة الكفر. والشرك نوع من أنواع الكفر، قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١]، فالكفر أعم من الشرك، والشرك أحد أنواعه، كما أن كفر أهل الكتاب نوع آخر.
قال ابن القيم، ﵀: (وَأَمَّا الْكُفْرُ الْأَكْبَرُ، فَخَمْسَةُ أَنْوَاعٍ: كُفْرُ تَكْذِيبٍ، وَكُفْرُ اسْتِكْبَارٍ وَإِبَاءٍ مَعَ التَّصْدِيقِ، وَكُفْرُ إِعْرَاضٍ، وَكُفْرُ شَكٍّ، وَكُفْرُ نِفَاقٍ.
- فَأَمَّا كُفْرُ التَّكْذِيبِ: فَهُوَ اعْتِقَادُ كَذِبِ الرُّسُلِ، وَهَذَا الْقِسْمُ قَلِيلٌ فِي الْكُفَّارِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَيَّدَ رُسُلَهُ، وَأَعْطَاهُمْ مِنَ الْبَرَاهِينِ وَالْآيَاتِ عَلَى صِدْقِهِمْ مَا أَقَامَ بِهِ الْحُجَّةَ، وَأَزَالَ بِهِ الْمَعْذِرَةَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، وَقَالَ لِرَسُولِهِ ﷺ ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]. وَإِنَّ سُمِّيَ هَذَا كُفْرَ تَكْذِيبٍ أَيْضًا فَصَحِيحٌ، إِذْ هُوَ تَكْذِيبٌ بِاللِّسَانِ.
- وَأَمَّا كُفْرُ الْإِبَاءِ وَالِاسْتِكْبَارِ: فَنَحْوُ كُفْرِ إِبْلِيسَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَجْحَدْ أَمْرَ اللَّهِ وَلَا قَابَلَهُ بِالْإِنْكَارِ، وَإِنَّمَا تَلَقَّاهُ بِالْإِبَاءِ وَالِاسْتِكْبَارِ، وَمِنْ هَذَا كُفْرُ مَنْ عَرَفَ صِدْقَ الرَّسُولِ، وَأَنَّهُ جَاءَ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَلَمْ يَنْقَدْ لَهُ إِبَاءً وَاسْتِكْبَارًا، وَهُوَ الْغَالِبُ عَلَى كُفْرِ أَعْدَاءِ الرُّسُلِ، كَمَا حَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧]، وَقَوْلِ الْأُمَمِ لِرُسُلِهِمْ: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [إبراهيم: ١٠] وَقَوْلِهِ:
[ ٩٤ ]
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشمس: ١١]. وَهُوَ كُفْرُ الْيَهُودِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وَقَالَ: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]، وَهُوَ كُفْرُ أَبِي طَالِبٍ أَيْضًا، فَإِنَّهُ صَدَّقَهُ، وَلَمْ يَشُكَّ فِي صِدْقِهِ، وَلَكِنْ أَخَذَتْهُ الْحَمِيَّةُ، وَتَعْظِيمُ آبَائِهِ أَنْ يَرْغَبَ عَنْ مِلَّتِهِمْ، وَيَشْهَدَ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ.
- وَأَمَّا كُفْرُ الْإِعْرَاضِ: فَأَنْ يُعْرِضَ بِسَمْعِهِ وَقَلْبِهِ عَنِ الرَّسُولِ، لَا يُصَدِّقُهُ وَلَا يُكَذِّبُهُ، وَلَا يُوَالِيهِ وَلَا يُعَادِيهِ، وَلَا يُصْغِي إِلَى مَا جَاءَ بِهِ الْبَتَّةَ، كَمَا قَالَ أَحَدُ بَنِي عَبْدِ يَالِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: وَاللَّهِ أَقُولُ لَكَ كَلِمَةً: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا، فَأَنْتَ أَجَلُّ فِي عَيْنِي مِنْ أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ، وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا، فَأَنْتَ أَحْقَرُ مِنْ أَنْ أُكَلِّمَكَ.
- وَأَمَّا كُفْرُ الشَّكِّ: فَإِنَّهُ لَا يَجْزِمُ بِصِدْقِهِ وَلَا يُكَذِّبُهُ، بَلْ يَشُكُّ فِي أَمْرِهِ، وَهَذَا لَا يَسْتَمِرُّ شَكُّهُ إِلَّا إِذَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْإِعْرَاضَ عَنِ النَّظَرِ فِي آيَاتِ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ جُمْلَةً، فَلَا يَسْمَعُهَا، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، وَأَمَّا مَعَ الْتِفَاتِهِ إِلَيْهَا، وَنَظَرِهِ فِيهَا فَإِنَّهُ لَا يَبْقَى مَعَهُ شَكٌّ، لِأَنَّهَا مُسْتَلْزِمَةٌ لِلصِّدْقِ، وَلَا سِيَّمَا بِمَجْمُوعِهَا، فَإِنَّ دَلَالَتَهَا عَلَى الصِّدْقِ كَدَلَالَةِ الشَّمْسِ عَلَى النَّهَارِ.
- وَأَمَّا كُفْرُ النِّفَاقِ فَهُوَ أَنْ يُظْهِرَ بِلِسَانِهِ الْإِيمَانَ، وَيَنْطَوِيَ بِقَلْبِهِ عَلَى التَّكْذِيبِ، فَهَذَا هُوَ النِّفَاقُ الْأَكْبَرُ) (^١)
_________________
(١) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (١/ ٣٤٦)
[ ٩٥ ]
قوله: (والدليل على هذا أيضًا: أن الذين كفروا بدعاء اللات، مع كونه رجلًا صالحًا؛ لم يجعلوه ابن الله، والذين كفروا بعبادة الجن، لم يجعلوهم كذلك، وكذلك العلماء أيضًا، في جميع المذاهب الأربعة؛ يذكرون في "باب حكم المرتد" أن المسلم إذا زعم أن لله ولدًا؛ فهو مرتد، وإن أشرك بالله فهو مرتد، فيفرِّقون بين النوعين، وهذا في غاية الوضوح).
هذه أدلة متضافرة، متوافرة، على عدم انحصار الكفر في صورة واحدة، كما زعم المشبه. فعبَّاد اللات، والجن، وغيرهم، لم يدَّعوا فيهم البنوَّة، وعلماء الملة يذكرون في حد الردة صورًا متعددة، على سبيل التمثيل، لا الحصر، سوى دعوى البنوة.
[ ٩٦ ]