قوله: (فإن قال: إن هؤلاء الآيات نزلت فيمن يعبد الأصنام، كيف تجعلون الصالحين مثل الأصنام؟ أم كيف تجعلون الأنبياء أصنامًا؟).
هذا إيراد على الجواب السابق. سيقول لك: شتان! البون شاسع، هذه الآيات نزلت فيمن يعبد الأصنام، فكيف تنظِّرون بين حال الصالحين، وحال الأصنام؟! نحن ندعو قومًا صالحين، من أولياء الله، كعبد القادر الجيلاني، ﵀، وكان من سادات المسلمين، على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وكان من الصلاح والتقى بمكان، شهدت له الأمة بذلك. فكيف تجعلونه وأمثاله، بمنزلة الأصنام؟! بل وكيف تجعلون الأنبياء بمثابة الأصنام؟!
[ ٧٠ ]
قوله: (فجاوبه بما تقدم، فإنه إذا أقر أن الكفار يشهدون بالربوبية كلها لله، وأنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الشفاعة، ولكن أراد أن يفرق بين فعلهم وفعله بما ذكر، فاذكر له أن الكفار منهم من يدعو الأصنام، ومنهم من يدعو الأولياء، الذين قال الله فيهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧٠ ]
ويدعون عيسى ابن مريم وأمه، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾، واذكر قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ﴾ فقل له: أعرفتَ أن الله كفَّر من قصد الأصنام، وكفَّر أيضًا من قصد الصالحين، وقاتلهم، رسول الله ﷺ.
نسف المؤلف شبهتهم من أصولها، لأنهم أرادوا أن يثبتوا فرقًا بين من يدعو الأصنام، ومن يدعو الصالحين. فبيَّن المؤلف-﵀ أن النكير على هذا، وعلى هذا سواء؛ لأن المقصود في الحالين هو دعاء غير الله ﷿ بصرف النظر عن المدعو، وأن المشركين الذين أنكر عليهم النبي ﷺ وقاتلهم كانوا يدعون أناسًا صالحين من الخلق؛ فمنهم من كان يدعو الأولياء والصالحين كما قال الله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧] يعني أن أولئك المدعوين، الذين يتخذونهم شفعاء، هم، أنفسهم، يتنافسون في التقرب إلى الله، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه. فإذا كان هذا حالهم، فكيف تخالفونهم وتفعلوا غير فعلهم؟ كان الأجدر بكم أن تكونوا مثلهم؛ ترجون رحمته، وتخافون عذابه.
والمقصود أن الكفار الأولين، كانوا يدعون قومًا صالحين. ويدعون المسيح ابن مريم وأمه، فأعظم الله عليهم النكير وقال: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ
[ ٧١ ]
كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٥، ٧٦]، ويدعون الملائكة الكرام لهذا يقول الله للملائكة يوم القيامة، ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ [سبأ: ٤٠، ٤١]، فدل ذلك على أن المشركين السابقين، كانوا يدعون قومًا صالحين، كالملائكة، وعيسى، وأمه، فسقطت حجة المشركين المعاصرين.
فلما كشف المؤلف شبهتهم قال: (فقل له: أعرفتَ أن الله كفَّر من قصد الأصنام، وكفَّر أيضًا من قصد الصالحين، وقاتلهم، رسول الله ﷺ، فإن كان المخالف منصفًا فسيقول: عرفتُ. وهذا هو مقتضى العقل والإنصاف، إلا أن تأخذه العزة بالإثم، واتباع الهوى.
[ ٧٢ ]