قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(ولهم شبهة أخرى: وهي ما ذكر النبي ﷺ أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، فكلهم يعتذرون، حتى ينتهوا إلى رسول الله ﷺ، قالوا: فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركًا.
فالجواب أن تقول: سبحان من طبع على قلوب أعدائه! فإن الاستغاثة بالمخلوق على ما يقدر عليه، لا ننكرها، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾، وكما يستغيث إنسان بأصحابه، في الحرب وغيره، في أشياء يقدر عليها المخلوق، ونحن أنكرنا استغاثة العبادة، التي يفعلونها عند قبور الأولياء، أو في غيبتهم، في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى).
هذه الاستغاثة التي شبهوا بها تجري يوم القيامة، وطلب الشفاعة ذلك اليوم، موجه لمن يقدر على ذلك، ويصح منه. بخلاف ما يفعلونه من الاستغاثة بالأموات، والغائبين؛ فهم يتوجهون إلى غير قادر، أو إلى غائب، فيستغيثون به، وربما كان المستغيث في صحراء من الأرض، أو
[ ١٣٠ ]
في عرض البحر، تفصله عن المستغاث به آلاف الأميال، وربما كان إلى جوار قبره، فاستغاث به أن يعافيه من المرض، أو يغنيه من الفقر، أو يهب له الذرية، أو غير ذلك من المطالب، فهذه استغاثة بغير قادر؛ بشخص مدفون قد فنيت عظامه، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فضلًا عمن دعاه. فهذه استغاثة شركية تورد صاحبها النار.
أما الاستغاثة بمن يقدر على الإغاثة، من حي قادر، فلا حرج فيها، كما قص الله علينا من نبأ موسى مع القبطي: قال الله ﷿: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥]، فأقر الله تعالى ذلك ولم ينكره. فالإسرائيلي قال لموسى: أغثني من هذا المعتدي. ومثل ما يقع لبني آدم دومًا، كما لو أن إنسانًا وقع في لجة البحر، وهو لا يحسن السباحة فجعل يخبط في الماء وينادي: الغوث! الغوث! النجدة! النجدة!. فهذه ليست استغاثة شركية. فقياس هؤلاء المبطلين قياس فاسد؛ ففرق بين استغاثتهم الشركية بغائب، أو حاضر غير قادر، وبين الاستغاثة الجائزة بمن يقدر على فعل الشيء.
[ ١٣١ ]
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(إذا ثبت ذلك، فالاستغاثة بالأنبياء يوم القيامة؛ يريدون منهم أن يدعوا الله أن يحاسب الناس، حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف، وهذا جائز في الدنيا والآخرة، أن تأتي عند رجل صالح، يجالسك، ويسمع كلامك، تقول له: ادع لي! كما كان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه في حياته، وأما بعد موته، فحاشا، وكلا، أنهم سألوا ذلك عند قبره، بل أنكر السلف على من قصد دعاء الله عند قبره، فكيف بدعائه نفسه؟!)
طلب الدعاء من حي، قادر، حاضر، لا بأس به، فقد كان الصحابة يطلبون من النبي ﷺ أن يدعو لهم، كقول عكاشة بن محصن، ﵁: (ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ) (^١) وكانوا يستسقون به، أي يطلبون منه أن يدعو ربه أن يسقيهم، كقول الرجل: (هَلَكَتِ الأَمْوَالُ وَانْقَطَعْتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا) (^٢). فلا بأس أن يقصد الإنسان حيًا، يتوخى فيه الصلاح، ويقول: ادع الله لي.
إلا أن مسألة طلب الدعاء من الحي، من حيث الأفضلية والكمال محل نظر، فيرى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن كمال التوحيد ألا تسأل أحدًا شيئًا، فعن عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ،
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٦٥٤١)، وأخرجه مسلم برقم (٢١٦)
(٢) أخرجه البخاري برقم (١٠١٤)، وأخرجه مسلم برقم (٨٩٧)
[ ١٣٢ ]
تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً، فَقَالَ: (أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟)، وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ، فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: (أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟)، فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: (أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟) قَالَ: فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: (عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَتُطِيعُوا - وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً - وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا) فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ، يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ، فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ (^١). أرادوا أن يحققوا كمال الاستغناء بالله ﷿ فلا يسألوا الناس شيئُا، ومن ذلك ألا يسأل غيره الدعاء، بل يدعو الله ﷾ رأسًا، إلا أن ينوي بطلب الدعاء نفع الداعي، لترتفع المنَّة، وتحصل المكافأة، وذلك أن يستحضر معنى قول النبي ﷺ (مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، إِلَّا قَالَ الْمَلَكُ: وَلَكَ بِمِثْلٍ) (^٢)، فإذا استصحبت هذا المعنى ساغ لك أن تطلب من غيرك الدعاء، بأن تقول في نفسك: هذا أخي، رجل صالح، فأطلب منه أن يدعو لي، علَّ الله أن ينفعني وإياه، لأنني إذا طلبت منه الدعاء لي، فإن الملك سيدعو له، ويقول: آمين، ولك بمثل، فيحصل في هذا نوع مكافأة. فبهذا الاستصحاب يزول المحذور المنافي لكمال التوحيد. على أن الإنسان لو طلب من أحد أن يدعو له، دون ما ذكر، فلا بأس، ولا يعد ذلك ممنوعًا. لكن شيخ الإسلام رأى أن هذا الطلب ينافي كمال التوحيد، وناقش بعض الإيرادات عليه مثل: الحديث المروي أن النبي ﷺ لما أراد عمر ﵁ العمرة قال له النبي ﷺ: (لَا تَنْسَنَا يَا
_________________
(١) أخرجه مسلم رقم (١٠٤٣).
(٢) أخرجه مسلم رقم (٢٧٣٢).
[ ١٣٣ ]
أُخَيَّ مِنْ دُعَائِكَ) (^١)، فطلب منه الدعاء فأجاب عنه بجوابين (^٢):
- جواب يتعلق بالحديث من حيث الثبوت، ففي سنده مقال.
- الجواب الثاني: أن فضل النبي ﷺ على الأمة يغمر كل شيء، فلا يمكن لأحد من الأمة أن يكافئ النبي ﷺ على ما ساق له من الخير. فالذي علَّم عمر ﵁ وغير عمر، الدعاء، هو رسول الله ﷺ فلا يسعف هذا المثال في هذا المقام.
وناقش قول النبي ﷺ لعمر ﵁: (يأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ، مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ، هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ) (^٣)، فأجاب أن هذه قضية عين، وحادثة خاصة.
ولا شك أن استغناء العبد بربه، من أكمل درجات التوحيد؛ فلا يحتاج إلى أحد، ولا يسأل أحدًا، وقد يقع فتنة لبعض الناس، إذا صار يُلاحق، ويؤتى إليه، ويقال: يا فلان! ادع لنا، ربما وقع في قلبه نوع عُجب، وزهو، وأراه الشيطان لنفسه مقامًا، ففاته الإخبات لله، ﷿، ويروى أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، رَأَى نَاسًا يتَّبِعُونَهُ فَنَهَاهُمْ، وَقَالَ: (إِنَّ هَذَا مَذَلَّةٌ لِلتَّابِعِ، فِتْنَةٌ لِلْمَتْبُوعِ) (^٤). فعلى الإنسان أن يحذر من هذه المداخل، لأن النفس الإنسانية ضعيفة، يمكن أن يقع منها الزلل والاستزلال لأدنى الأسباب. والمعصوم من عصمه الله.
وأنبه في هذا المقام على مسألة مهمة، وهو أن بعض طلبة العلم،
_________________
(١) أخرجه أبو داود رقم (١٤٩٨).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (١/ ٧٨)، وما بعدها.
(٣) أخرجه مسلم رقم (٢٥٤٢).
(٤) المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي (ص: ٣٢٠)
[ ١٣٤ ]
قال عن الرجل، يأتي إلى قبر رجل صالح، فيقول: يا فلان! سل الله ﷿ أن يغفر لي، اشفع لي عند ربك! أو نحو هذا، أن هذا من البدع لا من الشرك.
والحقيقة أن هذا الصنيع كصنيع المشركين، لأنه دعاء لميت، مقبور، غائب، لا يسمع كلامه، ولا يرى مكانه، ولا يعلم حاله، ولا يملك لنفسه، فضلًا عن غيره، نفعًا ولا ضرًا، فلا يخرجه من صورة الشرك، أن يقول: ما سألته هو، وإنما سألته أن يدعو الله لي، أو يشفع لي! فلا يكفي وصفه بالبدعة، بل هو في الواقع شرك. فيجب الحذر من هذا، وعدم تأنيس هذه الأفعال المحدثة، التي يتوصل بها إلى الشرك الصراح، بل يجب سد الباب. وعندي أنها من بابة واحدة، لا تختلف. بل يُدعى الله وحده ﷿، وكان من حرص النبي ﷺ، وحمايته جناب التوحيد، النهي عن دعاء الله عند قبر رجل صالح، كما بوَّب المؤلف في "كتاب التوحيد". فكل ما يفضي إلى الشرك، من قريب أو بعيد، فيجب أن يُسد.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -رحمه الله تعالى-: (وأما التوسل بالأموات إلى الله ﷾، وجعلهم واسطة بينهم وبين الله، فهذا من أكبر المحرمات، بل هو عين ما يفعله المشركون؛ فإن المشركين ما كانوا يعتقدون أن اللات والعزى ونحوها تخلق، وترزق، وإنما كانوا يتوسلون بها إلى الله، كما قال تعالى حاكيًا عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وقالوا: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾) (^١).
_________________
(١) فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (١/ ١٢٤).
[ ١٣٥ ]