قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(وللمشركين شبهة أخرى، يقولون: إن النبي ﷺ أنكر على أسامة ﵁ قتل من قال: لا إله إلا الله، وقال له: ﴿أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟﴾ وكذلك قوله ﷺ: ﴿أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله﴾، وكذلك أحاديث أخرى في الكف عمن قالها، ومراد هؤلاء الجهلة أن من قالها لا يكفر، ولا يقتل، ولو فعل ما فعل.
فيقال لهؤلاء الجهلة المشركين: معلوم أن رسول الله قاتل اليهود، وسباهم، وهو يقولون: لا إله إلا الله، وأن أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوا بني حنيفة، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويصلون، ويدَّعون الإسلام، وكذلك الذين حرقهم على بن أبي طالب ﵁ بالنار).
حديث أسامة بن زيد، ﵄، المشار إليه، قوله: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ، قَالَ: فَصَبَّحْنَا القَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ، قَالَ: وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ رَجُلًا مِنْهُمْ، قَالَ: فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ،
[ ١٢٣ ]
قَالَ: فَكَفَّ عَنْهُ الأَنْصَارِيُّ، فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: فَقَالَ لِي: (يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟) قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا، قَالَ: (أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟)، قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ) (^١)، فيحتجون به، ويقولون: ألا ترون أننا نقول لا إله إلا الله؟ ويحتجون أيضًا، بقول النبي ﷺ: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) (^٢)، فكيف تجعلوننا كفارًا، ونحن نقول لا إله إلا الله؟
وكشف هذه الشبهة التي يلبسون بها على العامة أن (لا إله إلا الله)، التي تعصم الدم والمال، ما اقتضت توحيد الله حقًا وصدقًا، وأنه لو قالها بلسانه، ولم يأت بمقتضاها فإنها لا تفيده. فلو أن مشركًا أعجميًا، لا يحسن العربية، كتب له بحروف لغته: لا إله إلا الله، وقالها وهو لا يعرف معناها، لم تغن عنه شيئًا، ولم تنجه من النار.
هذه الكلمة العظيمة ذات معنى، ولها أثر، فإذا قال لا إله إلا الله، حقًا وصدقًا، حصلت له العصمة، فإن أتى بما يناقضها، تبين بطلان دعواه. فنحن نقبل ممن قال لا إله إلا الله، ولم يكن النبي ﷺ يشترط على أحد أتاه مسلمًا إلا أن يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. فإن عمل ما يناقض هاتين الشهادتين، علم أنه نقض شهادته فلم تنفعه لا إله إلا الله.
واحتج المؤلف بعدة أمثلة:
المثال الأول: مقاتلة النبي ﷺ لليهود، مع أن اليهود كانوا يقولون:
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٦٨٧٢)، ومسلم رقم (٩٦).
(٢) أخرجه البخاري رقم (٢٥)، ومسلم رقم (٢٠).
[ ١٢٤ ]
لا إله إلا الله. وأول وصية فيما يسمى عندهم بالوصايا العشر: (لا يكن لك آلهة أخرى تجاهي. لا تصنع لك منحوتًا ولا صورة شيءٍ مما في السماء من فوق، ولا مما في الأرض من أسفل، ولا مما في المياه من تحت الأرض؛ لا تسجد لها، ولا تعبدها) (سفر الخروج: ٢٠/ ٣ - ٥) (^١). فالتوحيد في أصل اعتقادهم، ومع ذلك لم تحقن دماءهم، لأنهم فعلوا خلاف مقتضاها.
المثال الثاني: بنو حنيفة، أصحاب مسيلمة الكذاب، كانوا يقولون: لا إله إلا الله، ومع ذلك قاتلهم الصحابة قتال المرتدين.
المثال الثالث: السبئية الذين حرقهم علي ﵁، كانوا يقولون: لا إله إلا الله، وقد أجمع العلماء على أنهم زنادقة كفار. فيقال لهؤلاء العوام الجهلة: ليس مجرد النطق بلا إله إلا الله، مع فعل ما يناقضها، رافع لوصمة الكفر عنكم.
_________________
(١) العهد القديم: ص: ١٨٧
[ ١٢٥ ]
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(وهؤلاء الجهلة مقرون: أن من أنكر البعث كفر، وقتل، ولو قال: لا إله إلا الله، وأن من أنكر شيئًا من أركان الإسلام كفر، وقتل، ولو قالها، فكيف لا تنفعه إذا جحد شيئًا من الفروع؟ وتنفعه إذا جحد التوحيد الذي هو أساس دين الرسل، ورأسه، ولكن أعداء الله ما فهموا معنى الأحاديث).
هذا إلزام لهم بما يناقض قولهم، فهم مقرون بأن من أنكر البعث، أو أنكر أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة، لم يغن عنه قول لا إله إلا الله، وكفر، وقتل. فدعواهم أن من قال لا إله إلا الله، فلا يمكن أن يكون مشركًا بحال، ولا تجري عليه أحكام الكفار بحال. دعوى مردودة، فإن لا إله إلا الله التي تعصم صاحبها من وصمة الشرك، هي لا إله إلا الله، التي بمعنى لا معبود بحق إلا الله، بحيث لا يصرف قائلها نوعًا من أنواع العبادة لغير الله. فإن أتى بها فنعم ونعمة عين، وحبًا وكرامة. هذا فيصل التفرقة بين الإيمان والكفر، أما إذا كانت مجرد كلمة تقال باللسان، وتخالف في العيان، فلا تغني عن صاحبها شيئًا.
[ ١٢٦ ]
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(فأما حديث أسامة ﵁، فإنه قتل رجلًا ادعى الإسلام، بسبب أنه ظن أنه ما ادعاه إلا خوفًا على دمه وماله، والرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك. وأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾، أي تثبتوا، فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه، والتثبت، فإن تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قُتل، لقوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ ولو كان لا يقتل إذا قالها، لم يكن للتثبت معنى)
بهذا تبين الجواب عن قصة أسامة، وأن الأصل فيمن قال لا إله إلا الله الكف عنه. فليس لنا إلا الظاهر، ثم بعد ذلك ننظر في حاله؛ فإن أتى بما يناقضها تبين أنه إنما قالها نفاقًا وتعوذا، فنجري عليه أحكام الكفار، وأما إذا لم يفعل ما يناقض ذلك، فالأصل أنه من جملة المسلمين، معصومي الدم والمال. فلا حجة لهم في حديث أسامة. فلهذا الله تعالى أمر عباده المؤمنين أن يتبينوا ولا يسارعوا في قتل أحد، فنحن دعاة، لا عتاة، ولا جُباة، هدفنا أن يدخل الناس في دين الله، لا أن نسفك دماءهم، ونغنم أموالهم.
[ ١٢٧ ]
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(وكذلك الحديث الآخر وأمثاله. معناه ما ذكرت إن من أظهر الإسلام والتوحيد، وجب الكف عنه، إلا أن يتبين منه ما يناقض ذلك. والدليل على هذا أن رسول الله ﷺ الذي قال: (أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟) (^١)، وقال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) (^٢)، هو الذي قال في الخوارج: (أينما لقيتموهم فاقتلوهم لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ) (^٣)، مع كونهم من أكثر الناس عبادةً، وتهليلًا، حتى إن الصحابة يحقرون أنفسهم عندهم، وهم تعلموا العلم من الصحابة، فلم تنفعهم "لا إله إلا الله" ولا كثرة العبادة، ولا ادعاء الإسلام، لما ظهر منهم مخالفة الشريعة
وكذلك ما ذكرنا من قتال اليهود، وقتال الصحابة، ﵃، بني حنيفة، وكذلك أراد النبي ﷺ أن يغزو بني المصطلق، لما أخبره رجل منهم أنهم منعوا الزكاة، حتى أنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾، وكان الرجل كاذبًا عليهم. فكل هذا يدل على أن مراد النبي ﷺ في الأحاديث التي احتجوا بها ما ذكرناه)
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه البخاري رقم (٧٤٣٢).
[ ١٢٨ ]
المثال الرابع: قتال الخوارج: في الحديث المتفق عليه: (يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ، وَيَقْرَءُونَ القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) (^١)، مع أن القوم يقولون: لا إله إلا الله، ويجتهدون بأنواع العبادات، ووصفهم ابن عباس، ﵄، وصفًا عجيبًا، حين وفد عليهم لمناظرتهم، بأن جباههم، وأيديهم، وركبهم، قد ثفنت من طول القيام، كثفن البعير، وقد اصفرت وجوههم من كثرة الصيام، ومع ذلك، لم يغن ذلك عنهم شيئًا، إذ أنهم خرجوا عن مقتضى لا إله إلا الله.
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٥٠٥٨)، ومسلم رقم (١٠٦٤).
[ ١٢٩ ]