قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(فإن قال: أتنكر شفاعة رسول الله، وتبرأ منها؟ فقل: لا أنكرها، ولا أتبرأ منها، بل هو ﷺ الشافع، والمشفع، وأرجو شفاعته، ولكن الشفاعة كلها لله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعا﴾، ولا تكون إلا بعد إذن الله، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾، ولا يُشفع في أحد إلا بعد أن يأذن الله فيه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، وهو لا يرضى إلا التوحيد، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾، فإذا كانت الشفاعة كلها لله، ولا تكون إلا بعد إذنه، ولا يشفع النبي ﷺ، ولا غيره في أحدٍ حتى يأذن الله فيه، ولا يأذن إلا لأهل التوحيد، تبين أن الشفاعة كلها لله، وأطلبها منه، فأقول: اللهم لا تحرمني شفاعته، اللهم شفعه في، وأمثال هذا).
هذه من الشبة المشهورة التي يحتج بها هؤلاء المشركون، فيقولون: ألا تثبتون شفاعة النبي ﷺ؟ لماذا تنكرون علينا أن نقول: يا رسول الله اشفع لنا عند ربك؟ لماذا تعيبون علينا أن ندعو النبي ﷺ أن
[ ٧٨ ]
يشفع لنا عند ربه؟ ويجلبون بخيلهم، ورجلهم، ويشغبون بهذا الكلام على دعاة التوحيد، ويصورونهم وكأنما هم مبغضين للنبي ﷺ! وما ذاك إلا ضرب من التهويش والإثارة. ولكن عند النظرة المطمئنة يتبين الحق:
فأهل التوحيد المحض، يثبتون شفاعة النبي ﷺ بالكتاب والسنة، فقد قال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، وهي الشفاعة العظمى. وفي الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ. أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ، أَوْ نَفْسِهِ) (^١)،
فنحن لا ننكرها ولا نبرأ منها بل نرجوها، ونطلبها، فإنه ﷺ في عقيدتنا الشافع المشفع، لكن غاب عنكم أن ﴿الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤]، فنحن نطلبها من مالكها، وهو الله ﷿، ولا نطلبها ممن لا يملكها، كما قال: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ [الزخرف: ٨٦]. فنقول: اللهم شفع فينا نبيك، ولا نقول: يا رسول الله! اشفع لنا عند ربك، وقد مات. لو كان ذلك في حياته لساغ، لأن شفاعته في حياته دعاؤه لنا، وكذلك تطلب منه يوم المحشر، لأنه حي حاضر. أما وقد واراه الثرى، وغاب عن المخاطب، فلا يجوز أن يدعى، ويقال: يا رسول الله! بل تطلب من الله ﷿، كما عبر المؤلف ﵀ بمثل هذه العبارات: اللهم لا تحرمني شفاعته، اللهم شفِّعه فيَّ، وأمثال ذلك.
وسر الأمر أن نفقه معنى قول الله، ﷿: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤]،
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٩٩).
[ ٧٩ ]
فلا تكون كذلك، إلا بشرطين: إذن الله للشافع أن يشفع، ورضاه عن المشفوع له. فلا يمكن لأحد أن يشفع إلا من بعد إذنه، كما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ولا يقبل سبحانه شفاعة في أحد إلا أن يكون المشفوع له مرضيًا عنده، كما قال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. وقد جمع الله تعالى بين الشرطين في آية النجم فقال: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦].
فإذا كانت الشفاعة كلها لله، فإنها تطلب منه سبحانه. ولهذا أبطل ربنا -سبحانه وبحمده- جميع متعلقات المشركين بغيره، فقال سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣]، فهذه أربع مراتب:
١ - ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾، فمن تدعونهم من دون الله لا يملكون استقلالًا.
٢ - ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾، ولا يملكون مشاركة.
٣ - ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾، ولا يملكون معاونةً، كشأن الوزراء، والأعوان، الذين لا يستغني عنهم السلطان.
٤ - ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، ولا يملكون الشفاعة، التي يستطيلون بها على ذي السلطان، لأن الشفاعة لا تنفع إلا لمن أذن له. فما بقي شيء يتعلقون به. فما دام أن الأمر كله بيد الله ﷿ فعلام التعويل على غيره؟ بهذا محق الله ﷿، جميع متعلقات المشركين.
فتبين أن الشفاعة عند الله، ﷿، ليست كالشفاعة عند ملوك الدنيا. الشفاعة عند ملوك الدنيا تقع إما رغبة، أو رهبة؛ يفاجأ السلطان، أو
[ ٨٠ ]
الأمير، بداخل يدخل عليه قائلًا: اقبل شفاعتي في فلان! اعف عنه! أعطه كذا! دون ترتيب وإذن سابق. فقد يستجيب السلطان لهذا الشافع رغبة، أو رهبة؛ إما رغبة في استمالته، ليتخذ يدًا عنده، أو رهبة من شره، لو رد شفاعته، فيخشى أن ينتقض عليه. وربما كان ساخطًا على المشفوع فيه. لكن الله ﷿، لا يستكثر بنا من قلة، ولا يستعز بنا من ذلة، هو الغني الحميد، سبحانه وبحمده.
فإن قال قائل: ما دام الأمر كذلك فما فائدة الشفاعة؟ لم جعل الله تعالى لنبيه، ولغيره من النبيين، والشهداء، والصالحين، الشفاعة، وهي كلها له؟ فالجواب عن هذا أن يقال: إن ذلك لإظهار كرامة الشافع، وبيان منزلته عند الله، ﷿، على رؤوس الخلائق، فتكون له حظوة، ومنزلة، وكرامة، عند الله تعالى.
[ ٨١ ]
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(فإن قال: النبي ﷺ أعطي الشفاعة، وأنا أطلبه مما أعطاه الله، فالجواب: أن الله أعطاه الشفاعة، ونهاك عن هذا، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، وطلبك من الله شفاعة نبيه ﷺ عبادة، والله نهاك أن تشرك في هذه العبادة أحدًا، فإذا كنت تدعو الله أن يشفعه فيك، فأطعه في قوله: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، وأيضًا، فإن الشفاعة أُعطيها غيرُ النبي، فصح أن الملائكة يشفعون، والأفراط يشفعون، والأولياء يشفعون، أتقول: إن الله أعطاهم الشفاعة، فأطلبها منهم؟ فإن قلت هذا، رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكرها الله في كتابه، وإن قلت لا، بطل قولك: أعطاه الله الشفاعة، وأنا أطلبه مما أعطاه الله).
هذا جواب مفحم سديد، ليس عليه مزيد. فقد أبطل شبهته من جهتين:
إحداهما: أن طلب الشفاعة منه ﷺ، دعاء، والدعاء عبادة، ودعاء غير الله شرك.
الثانية: أن الله تعالى أعطى الشفاعة لغير نبيه ﷺ، فهل يستجيز المخالف طلبها منهم؟
وبهذا يتبين أن هذه الشبهات التي يتذرع بها، ويشبه بها دعاة الشرك، أوهى من بيت العنكبوت، ولكنها تبدو للوهلة الأولى منتفشة في
[ ٨٢ ]
زخرف من القول، تشوش الأذهان، وتبلبل العوام. وعند البحث والنظر والتحقيق، تتلاشى وتضمحل، ويتبين مناقضتها للتوحيد الخالص. فالواجب علينا أن نحفظ سرائرنا، وقلوبنا من التعلق بغير الله الواحد القهار، فلا تلتفت لغير الله محبة، وخوفًا، وتوكلًا، ورجاء، لأنه سبحانه، هو المستحق أن يعبد وحده، وأن يتوجه إليه وحده.
[ ٨٣ ]