قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(فإن قال: الشرك عبادة الأصنام، ونحن لا نعبد الأصنام. فقل له: ما معنى عبادة الأصنام؟ أتظن أنهم يعتقدون أن تلك الأحجار، والأخشاب، تخلق، وترزق، وتدبر أمر من دعاها؟ فهذا يكذبه القرآن.
فإن قال: إنهم يقصدون خشبة، أو حجرًا، أو بَنِيَّةً على قبر، أو غيره، يدعون ذلك، ويذبحون له، ويقولون: إنه يقربنا إلى الله زلفى، ويدفع عنا الله ببركته، ويعطينا ببركته.
فقل: صدقت، وهذا هو فعلكم عند الأحجار، والبِنَا الذي على القبور وغيرها، فهذا أقرَّ أن فعلهم هذا هو عبادة الأصنام، وهو المطلوب).
هذا تحرير، وتمحيص لمعنى عبادة الأصنام، التي يبرئ المشبِّه نفسه منها، بدعوى أنه لم يتخذ صنمًا، أو نصبًا، أو ثنًا، يركع له ويسجد من دون الله. فبين المؤلف، أن مشركي العرب الذين قاتلهم النبي ﷺ ما كانوا يعتقدون أن هذه الأحجار، والأشجار، والمباني وغيرها، أنها تخلق وترزق وتدبر. فهذا المعنى يكذبه القرآن، فالقرآن
[ ٨٥ ]
يثبت أن المشركين ينسبون الخلق، والرزق، والتدبير، إلى الله ﷿.
وإن أقرَّ أن عبادة الأصنام: أن يقصدها يدعوها، ويذبح لها، ويدعي إنها تقربه إلى الله زلفى، وأن الله يدفع عنه ببركتها، أو يعطيه ببركتها، فقد أصاب كبد الحقيقة، ووصف الشرك حقًا، وأقر على نفسه أنه يفعل الشرك الذي فعله الأولون.
[ ٨٦ ]
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(وأيضًا قولك: "الشرك عبادة الأصنام"، هل مرادك أن الشرك مخصوص بهذا، وأن الاعتماد على الصالحين، ودعاءهم، لا يدخل في ذلك؟ فهذا يرده ما ذكر الله تعالى في كتابه من كفر من تعلَّق على الملائكة، أو عيسى، أو الصالحين. فلا بد أن يقر لك أن من أشرك في عبادة الله أحدًا من الصالحين، فهو الشرك المذكور في القرآن. وهذا هو المطلوب).
بل إن الشرك في دعاء غير الله، من هؤلاء الصالحين، أبين؛ فإن الذي يتوجه إليهم، ويتضرع لهم، ويرجوهم، ويتوكل عليهم، ويقول: أنا في حسبك، قد وقع في الشرك الأعظم بصفة أبين ممن أطاف بصنم، أو سجد له، دون أن يدعوه؛ فإن الأول قد أتى بحقيقة العبادة، والثاني أتى بصورتها، لأن الدعاء هو العبادة. فأجلى ما تتمظهر به العبادة هو الدعاء ولهذا قال ربنا ﷿: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: ٦٠]، فسمى الله الدعاء عبادة. فالشرك لا ينحصر بصورة واحدة، بل له عدة صور. ومنها ما رواه عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ "، قَالَ: قُلْتَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ قَالَ: " أَجَلْ، وَلَكِنْ يُحِلُّونَ لَهُمْ مَا حَرَّمَ اللهُ
[ ٨٧ ]
فَيَسْتَحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ عَلَيْهِمْ مَا أَحَلَّ اللهُ فَيُحَرِّمُونَهُ، فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ لَهُمْ) (^١).
فينبغي أن تتسع المدارك لحقيقة الشرك، وأن يعلم الإنسان أن صور العبادة لا تنحصر في الركوع أو السجود للأصنام، بل كل عبادة صرفت لغير الله، فهي شرك أكبر.
- سواء كانت عبادة قلبية: كالمحبة، والخوف، والرجاء، والتوكل، والاستعانة، والاستغاثة وغير ذلك، مما لا ينبغي إلا لله، وفيما لا يقدر عليه إلا الله.
- أو كانت عبادة لسانية: كالدعاء، والاستعاذة، والاستغاثة.
- أو كانت عبادة بدنية: كالركوع، والسجود، والطواف.
- أو كانت عبادة مالية: كالذبح، والنذر. فإن صرف ذلك لغير الله شرك أكبر.
لو أن إنسانا حلق رأسه تعظيمًا لفلان من الناس، فقد وقع في الشرك الأكبر! لأن حلق الرأس عبادة ونسك، كما لو دعا ذلك الشخص من دون الله، ﷿.
_________________
(١) أخرجه الترمذي رقم (٣٠٩٥).
[ ٨٨ ]
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(وسر المسألة أنه إذا قال: أنا لا أشرك بالله، فقل له: وما الشرك بالله؟ فسره لي. فإن قال: هو عبادة الأصنام، فقل له: وما عبادة الأصنام؟ فسرها لي. وإن قال أنا لا أعبد إلا الله، فقل: ما معنى عبادة الله؟ فسرها لي. فإن فسرها بما بينته فهو المطلوب، وإن لم يعرفه، فكيف يدَّعي شيئًا وهو لا يعرفه؟! وإن فسره بغير معناه بينت له الآيات الواضحات في معنى الشرك بالله، وعبادة الأوثان، أنه الذي يفعلون في هذا الزمان بعينه، وأن عبادة الله وحده، لا شريك له، هي التي ينكرون علينا، ويصيحون منه، كما صاح إخوانهم، حيث قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾).
كرر المؤلف ﵀-في هذه القطعة ما تقدم من الكشف عن حال كثير من هؤلاء المعاندين، والمغالطين؛ وأنه لا يخلو من ثلاث أحوال:
- إما أن يكون عارفًا بمعناها، فذاك هو المطلوب، وقد قامت عليه الحجة.
- وإما أن لا يعرف حقيقة الشرك، ولا حقيقة العبادة، فكيف ينافح عما يجهل؟!
- وإما أن يفسرها بغير معناها، فالواجب تعريفه، وإقامة الحجة عليه.
[ ٨٩ ]
ولابد لدعاة التوحيد أن يستصحبوا النصح والشفقة للمدعوين، لأن منهم من يكون جاهلًا غُرر به، وسُقي هذه الأباطيل منذ نعومة أظفاره، ففتح عينيه، وأذنيه، على هذه المشاهد والممارسات، ولو أتيح له أن يسمع الحق واضحًا جليًا لكان أسرع الناس إليه. فينبغي التحلي بروح الرحمة والشفقة على هؤلاء، حتى لاستنقاذهم، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، ليحي من حي عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة. ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة: فعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ البَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ، وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَى جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ، فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى القَوْمِ، فَجَاءَ بِهِ، فَنَظَرَ، حَتَّى سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ، وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ لَا أُغْنِي شَيْئًا، لَوْ كَانَ لِي مَنَعَةٌ، قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ، وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاجِدٌ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتَّى جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ، فَطَرَحَتْ عَنْ ظَهْرِهِ) (^١).
وعن عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ فَقَالَ: "لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ ﷿ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رُدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ،
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٢٤٠)، ومسلم رقم (١٧٩٤).
[ ٩٠ ]
قَالَ: فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ، وَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ، فَمَا شِئْتَ؟ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) (^١).
ولهذا فإني أدعو إخواني - وفقهم الله - إذا قُدِّر لهم أن يواجهوا أمثال هؤلاء مواجهة مباشرة، أو عن طريق الوسائل الإعلامية، أن يستصحبوا روح الشفقة والرحمة في أول الأمر، فلعل الله ﷿ أن يستنقذ بهم من شاء من النار. فأما إذا تمحض الإنسان لبدعته، وشركه، فلا، ولا كرامة! وليس أهلا للرحمة، ولا للشفقة. لأن الإنسان مطالب أن يبرأ من كل من عادى الله ورسوله. وأعظم الظلم الشرك بالله ﷿. قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤].
فينبغي للمؤمن أن يستفرغ جهده، ووسعه، في هداية العباد، فإن أبى من أبى، وأصر من أصر، فحينئذ يمحض العداوة له، لأنه صار عدوًا لله رب العالمين،
وهكذا كان أصحاب نبينا ﷺ يدعون الناس، ويجتهدون في هدايتهم، ودلالاتهم، فإن هم أبوا، لم يجدوا لهم مودة، مهما كان الحال. قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٣٢٣١)، ومسلم رقم (١٧٩٥).
[ ٩١ ]
أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]، مثال ذلك: أم المؤمنين، أم حبيبة، رملة بنت أبي سفيان، ﵂، لما قدم عليها أبو سفيان، وكان إذ ذاك مشركًا، لتوثيق عقد صلح الحديبية، بعد أن أخفرته قريش وبكر، بقتل خزاعة، قال ابن كثير، ﵀: خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَة، فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ أُمِّ حَبِيبَةَ، فَلَمَّا ذَهَبَ لِيَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَوَتْهُ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ مَا أَدْرِي أَرَغِبْتِ بِي عَنْ هَذَا الْفِرَاشِ، أَوْ رَغِبْتِ بِهِ عَنِّي؟ فَقَالَتْ: هُوَ فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنْتَ مُشْرِكٌ نَجِسٌ، فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ تَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ! وَاللَّهِ لَقَدْ أَصَابَكِ بَعْدِي شَرّ!) (^١). ولا والله، ما أصابها بعده إلا الخير، والإيمان، والتقى، والتوحيد. ثم إن الله ﷾ منَّ عليه فأسلم.
_________________
(١) السيرة النبوية لابن كثير (٣/ ٥٣٠)
[ ٩٢ ]