قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(إذا تحققت أن الذين قاتلهم رسول الله ﷺ أصح عقولًا، وأخف شركًا من هؤلاء، فاعلم أن لهؤلاء شبهة يوردونها على ما ذكرنا، وهي من أعظم شبههم، فاصغ سمعك لجوابها.
وهي أنهم يقولون: إن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون ألا إله إلا الله، ويكذبون رسول الله، وينكرون البعث، ويكذبون القرآن، ويجعلونه سحرًا، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ونصدق بالقرآن، ونؤمن بالبعث، ونصلي، ونصوم، فكيف تجعلوننا مثل أولئك؟
فالجواب: أنه لا خلاف بين العلماء كلهم، أن الرجل إذا صدَّق رسول الله في شيء، وكذبه في شيء، أنه كافر لم يدخل في الإسلام.
وكذلك إذا آمن ببعض القرآن، وجحد بعضه؛ كمن أقر بالتوحيد، وجحد وجوب الصلاة، أو أقر بالتوحيد والصلاة، وجحد وجوب الزكاة، أو أقر بهذا كله، وجحد وجوب الصوم، أو أقر بهذا كله، وجحد وجوب الحج. ولمَّا لم ينقد أناس في زمن
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١٠١ ]
النبي ﷺ للحج، أنزل الله تعالى في حقهم: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾.
ومن أقر بهذا كله، وجحد البعث، كفر بالإجماع، وحل دمه وماله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ﴾ الآية، فإذا كان الله تعالى قد صرح في كتابه أن من آمن ببعضٍ وكفر ببعض، فهو الكافر حقًا، وأنه يستحق ما ذكر. زالت هذه الشبهة، وهذه هي التي ذكرها بعض أهل الإحساء في كتابه الذي أرسل إلينا).
هذه الشبة شبهة يتذرع بها أهل الإشراك، ويروجونها على بعض العقول الساذجة، وهو أن يقول قائلهم: إن الذين أكفرهم القرآن قوم لا يقرون بالشهادتين، ولا بالبعث، ولا بالقرآن، ويزعمون أنه سحر، ونحن نقر بذلك كله، فكيف تجعلوننا مثلهم؟!
فأجاب المؤلف عن هذه الشبهة من وجوه متعددة:
الوجه الأول:
أن العلماء مجمعون على أن من آمن ببعض الكتاب، وكفر ببعض، فإنه لا ينفعه إيمانه ذلك. بل الواجب أن يصدق النبي ﷺ في كل ما جاء به، ويقبل كل ما جاء به، وليس لأحد، كائنًا من كان، أن يصطفي، وينتقي، ويختار من الدين والشرع ما يروق له، ويرفض ما لا يروق له. فلو قال قائل للنبي ﷺ: أنا أومن بكل ما جئت به، إلا كذا وكذا، فإنه
[ ١٠٢ ]
لا يقبل منه إيمانًا. ولما قالت ل ثقيف، حينما دعاهم للإسلام، سألوه، مع ترك الطاغية، أن يعفيهم من الصلاة، وأن لا يكسروا أوثانهم بأيديهم، فقال ﷺ: أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه، وأما الصلاة فإنه لا خير في دين لا صلاة فيه. فقالوا: يا محمد فسنؤتيكها وإن كانت دناءة. (^١)
فتبين أن شبهتهم ساقطة، وأنهم إذا أقروا بكل شيء، وأنكروا التوحيد، لم يغن عنهم عملهم شيئًا. وإذا كان الله قد قال لنبيه ﷺ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]، فكيف بمن دونه؟ فالشرك محبط لجميع الأعمال.
فلا يغني عن الإنسان أن يؤمن ببعض الكتاب، ويكفر ببعض. قال الله ﷿: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ٨٥].
وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١]، وذم الله المشركين بقوله: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١]، أي اقسامًا، وأجزاءًا، مفرقًا، يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض.
وقوله: (وهذه هي التي ذكرها بعض أهل الأحساء في كتابه الذي أرسله إلينا): كان المؤلف ﵀ يناظر، ويراسل، ويرد على مخالفيه،
_________________
(١) سيرة ابن هشام (٥/ ٢٢٥).
[ ١٠٣ ]
ويردون عليه. وهذا واضح لمن قرأ "الدرر السنية" التي ضمت مراسلات المؤلف إلى أهل زمانه، من الكبار، والعلماء، والأمراء، ويدعوهم إلى توحيد الله. وكان بعضهم علماء سوء، يردون عليه بالباطل، فأشار إلى بعض من وقع منه ذلك، من أهل الإحساء.
[ ١٠٤ ]
الوجه الثاني:
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(ويقال: إذا كنت تقر أن من صدق الرسول ﷺ في كل شيء، وجحد وجوب الصلاة، فهو كافر، حلال الدم والمال، بالإجماع، وكذلك إذا أقر بكل شيء إلا البعث، وكذلك لو جحد وجوب صوم رمضان، وكذَّب بذلك لا يُجحد هذا، ولا تختلف المذاهب فيه، وقد نطق به القرآن كما قدمنا، فمعلوم أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي محمد ﷺ، وهو أعظم من الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، فكيف إذا جحد الإنسان شيئًا من هذه الأمور كفر، ولو عمل بكل ما جاء به الرسول، وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر؟!، سبحان الله! ما أعجب هذا الجهل!).
حق للمؤلف له أن يعجب. لأن التوحيد أعظم مأمور به. ما عُبد الله ﷿ بأعظم من التوحيد، ولا عُصي بأعظم من الشرك. فإذا كان يقر أنه لو جحد الصلاة، أو الزكاة، أو الحج، صار كافرًا، حلال الدم والمال، فلأن يقول ذلك في التوحيد من باب أولى.
[ ١٠٥ ]
الوجه الثالث:
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(ويقال أيضًا لهؤلاء: أصحابُ رسول الله ﷺ، قاتلوا بني حنيفة، وقد أسلموا مع النبي ﷺ، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، ويصلون، ويؤذنون، فإن قال: إنهم يشهدون أن مسيلمة نبي، قلنا: هذا هو المطلوب، إذا كان من رفع رجلًا في رتبة النبي ﷺ، كفر، وحل ماله ودمه، ولم تنفعه الشهادتان، ولا الصلاة، فكيف بمن رفع شمسان أو يوسف (^١)، أو صحابيًا، أو نبيًا، في مرتبة جبار السماوات والأرض؟ سبحانه ما أعظم شأنه ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾).
_________________
(١) سئل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -رحمه الله تعالى-، عن هؤلاء المذكورين، فأجاب: فأجاب: يوسف وشمسان وتاج، أسماء أناس كفرة وطواغيت. فأما تاج: فهو من أهل الخرج، تصرف إليه النذور، ويدعى، ويعتقد فيه النفع والضر، وكان يأتي إلى أهل الدرعية من بلده الخرج لتحصيل ما له من النذور، وقد كان يخافه كثير من الناس الذين يعتقدون فيه، وله أعوان وحاشية، لا يتعرض لهم بمكروه، بل يدعى فيهم الدعاوى الكاذبة، وتنسب إليهم الحكايات القبيحة.، ومما ينسب إلى تاج، أنه أعمى ويأتي من بلده الخرج، من غير قائد يقوده. وأما شمسان: فالذي يظهر من رسائل إمام الدعوة ﵀ أنه لا يبعد عن العارض، وله أولاد يعتقد فيهم. وأما يوسف: فقد كان على قبره وثن يعتقد فيه، ويظهر أن قبره في الكويت، أو الأحساء. كما يفهم من رسائل الشيخ ﵀. فتاوى ورسائل الشيخ محمد (١/ ١٣٤).
[ ١٠٦ ]
لله دره! ألهمه الله الحجة. فإن هؤلاء لما استدل عليهم المؤلف ﵀ بقتال الصحابة لبني حنيفة، الذين ناصروا مسيلمة الكذاب، وخرجوا عن دين الإسلام، زعموا أن كفرهم لكونهم اعتقدوا مسيلمة نبيًا، فقال: هذا هو المطلوب، وقلب عليهم الأمر. فإذا كان من رفع مسيلمة عن رتبته إلى مرتبة النبي ﷺ كفر، فكيف بمن رفع فلانًا وفلانًا من البشر الآدميين إلى رتبة الألوهية، أي ذلك أعظم؟ لا شك أن الثاني أعظم. فهم أولى أن يوصفوا بالشرك، ويستحقوا القتال حتى يرجعوا إلى التوحيد.
[ ١٠٧ ]
الوجه الرابع:
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(ويقال أيضًا: الذين حرقهم علي بن أبي طالب ﵁ بالنار، كلهم يدعون الإسلام، وهم من أصحاب علي ﵁، وتعلموا العلم من الصحابة، ولكن اعتقدوا في علي مثل الاعتقاد في يوسف، وشمسان، وأمثالهما، فكيف أجمع الصحابة على قتلهم، وكفرهم؟ أتظنون الصحابة يكفرون المسلمين؟ أم تظنون أن الاعتقاد في تاجٍ وأمثاله لا يضر، والاعتقاد في علي بن أبي طالب يكفِّر؟).
روى البخاري بسنده، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّ عَلِيًّا ﵁، حَرَّقَ قَوْمًا، فَبَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ)، وَلَقَتَلْتُهُمْ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) (^١)
وروى الآجري بسنده، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنَ الشِّيعَةِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْتَ هُوَ؟ قَالَ: مَنْ أَنَا؟ قَالُوا: أَنْتَ هُوَ؟ قَالَ: وَيْلَكُمْ مَنْ أَنَا؟ قَالُوا: أَنْتَ رَبُّنَا. قَالَ: ارْجِعُوا فَتُوبُوا، فَأَبَوْا فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ، ثُمَّ خَدَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ أُخْدُودًا، ثُمَّ قَالَ لِقَنْبَرٍ: ائْتِنِي بِحِزَمِ الْحَطَبِ، فَأَتَاهُ بِهَا، فَأَحْرَقَهُمْ بِالنَّارِ، ثُمَّ قَالَ:
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم: (٣٠١٧)
[ ١٠٨ ]
لَمَّا رَأَيْتُ الْأَمْرَ أَمْرًا مُنْكَرَا … أَوْقَدْتُ نَارًا وَدَعَوْتُ قَنْبَرَا (^١)
وذلك بمحضر من الصحابة، ولم ينكروا عليه. وأما ما نقل من استدراك ابن عباس عليه، بعدم التحريق بالنار، وقول علي، ﵄: (وَيْحُ ابْنِ أُمِّ الْفَضْلِ إِنَّهُ لَغَوَّاصٌ عَلَى الْهَنَاتِ) (^٢)، فليس إنكارًا لقتلهم، وإنما على طريقة قتلهم. وإلا فلا يختلف الصحابة، رضوان الله عليهم أن هؤلاء السبئية كفار، مستحقون للقتل.
_________________
(١) الشريعة: (٥/ ٢٥٢٠). وقال في موضع: (قَتَلَ بِالْكُوفَةِ فِي صَحْرَاءَ أَحَدَ عَشَرَ جَمَاعَةً ادَّعَوْا أَنَّهُ إِلَهُهُمْ، خَدَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ أُخْدُودًا وَحَرَّقَهُمْ بِالنَّارِ) الشريعة: (٥/ ٢٥٥٤)
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٣٥١) برقم (١٦٨٥٩)
[ ١٠٩ ]
الوجه الخامس:
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(ويقال أيضًا: بنو عبيدٍ القدَّاحِ، الذين ملكوا المغرب ومصر، في زمان بني العباس، كلهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويدعون الإسلام، ويصلون الجمعة والجماعة. فلما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياء دون ما نحن فيه، أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم، وأن بلادهم بلاد حرب، وغزاهم المسلمون، حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين).
العبيديون الذين يلقبون أنفسهم زورًا وبهتانًا بالفاطميين، كانوا يتظاهرون بالإسلام، ويشهدون ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويتخذوا مؤذنين وقضاة، ومع ذلك أجمع علماء الملة على كفرهم، وعلى وجوب قتالهم، وأنهم ليسوا مسلمين.
وقد حكموا في القرن الرابع الهجري، وانطلقوا من بلاد المغرب، حتى استولوا على مصر، وبنوا القاهرة، ومدوا سلطانهم إلى بلاد فلسطين، وأطراف من شمال الجزيرة والحجاز، ولبَّسوا على الناس دينهم، وقتلوا علماءهم، وكانت سنوات عصيبة حلت بالمسلمين، حتى أهلكهم الله ﷿.
ولما ذكرهم السيوطي في تاريخ الخلفاء قال: (فصل: في الدولة
[ ١١٠ ]
الخبيثة العبيدية) (^١)، فهي دولة خبيثة وهي التي أسست للشرك في كثير من بلاد المسلمين، وأسست للبدعة، ولا زال المسلمون وللأسف يتجرعون آثار حكم العبيديين لبلادهم فقد غرسوا فيها البدع والشرك في أمور لم يكن يعرفها أهل الإسلام. قال الذهبي، ﵀: (وأزال اللَّه تلك الدّولة المخذولة. وكانوا أربعة عشر متخلّفًا، لا مستخلفًا) (^٢)
_________________
(١) تاريخ الخلفاء (ص: ٣٦٧)
(٢) : تاريخ الإسلام (١٢/ ٣٦٨). تحقيق: بشار عواد معروف.
[ ١١١ ]
الوجه السادس:
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(ويقال أيضًا: إذا كان الأولون لم يكفروا إلا لأنهم جمعوا بين الشرك، وتكذيب الرسول والقرآن، وإنكار البعث، وغير ذلك، فما معنى الباب الذي ذكر العلماء في كل مذهب "باب حكم المرتد"؟! وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه، ثم ذكروا أشياء كثيرة؛ كل نوعٍ منها يكفِّر، ويُحل دم الرجل وماله، حتى أنهم ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها، مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه، أو كلمة يذكرها على وجه المزح واللعب).
علماء الملة، في جميع المذاهب الأربعة، يعقدون هذا الباب، مع أن ذلك القائل، أو الفاعل، قد يأتي بشرائع الإسلام الأخرى؛ فيصلي، ويزكي، ويصوم، ويحج، ومع ذلك يحكمون بكفره، بكلمة قالها، كالحلاج، وابن الفارض، والسهروردي، وغيرهم. فما معنى ذلك؟ فلو لم يكن الواحد يكفر إلا بما ذكرتم، لما كان هناك حاجة لعقد مثل هذا الباب.
[ ١١٢ ]
الوجهان السابع والثامن:
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(ويقال أيضًا: الذين قال الله فيهم: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾، أما سمعت الله كفرهم بكلمة، مع كونهم في زمن رسول الله يجاهدون معه، ويصلون معه، ويزكون، ويحجون، ويوحدون، وكذلك الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ فهؤلاء الذين صرح الله أنهم كفروا بعد إيمانهم، وهم مع رسول الله في غزوة تبوك، قالوا كلمة ذكروا أنهم قالوها على وجه المزح.
فتأمل هذه الشبهة، وهي قولهم: تكفرون المسلمين؛ أناسًا يشهدون أن لا إله إلا الله، ويصلون، ويصومون. ثم تأمل جوابها، فإنه من أنفع ما في هذه الأوراق).
بين المؤلف مثالين من السيرة النبوية، يدلان على أنه ربما خرج المرء من حد الإيمان، رغم أنه يقع منه صلاة، وزكاة، بل وجهاد في سبيل الله.
المثال الأول: فهو من نزل فيه قول الله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٤]. وقد اختلف المفسرون في سبب نزولها على أقوال متعددة:
[ ١١٣ ]
- فقال بعضهم: نزلت في الجُلاس بن سويد بن الصامت. فعن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: نزلت في الجلاس بن سويد بن الصامت، قال: "إن كان ما جاء به محمد حقًّا، لنحن أشرُّ من الحُمُر! "، فقال له ابن امرأته: والله، يا عدو الله، لأخبرن رسول الله ﷺ بما قلت، فإني أن لا أفعل، أخاف أن تصيبني قارعةٌ، وأؤاخذ بخطيئتك! فدعا النبي ﷺ الجلاس، فقال: "يا جُلاس، أقلت كذا وكذا؟ فحلف ما قال، فأنزل الله ﵎: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [التوبة: ٧٤].
- وعن قتادة قال: ذكر لنا أنّ رجلين اقتتلا؛ أحدهما من جهينة، والآخر من غِفار، وكانت جهينة حلفاء، الأنصار، وظهر الغفاريّ على الجهنيّ، فقال عبد الله بن أبيّ للأوس: انصروا أخاكم، فوالله ما مثلنا ومَثَلُ محمد، إلا كما قال القائل: "سمِّن كلبك يأكلك"، وقال: (لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ) [المنافقون: ٨]، فسعى بها رجل من المسلمين إلى نبيّ الله ﷺ، فأرسل إليه فسأله، فجعل يحلف بالله ما قاله، فأنزل الله ﵎: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ) (^١).
فالآية تدل على أن أولئك المنافقين كانوا يشهدون مع النبي ﷺ الجمع والجماعات، ويجاهدون معه في سبيل الله، وربما أنفقوا من أموالهم، ولكن ذلك لم يكن مانعًا من أن تحقيق وصف الكفر عليهم، بسبب كلمة قالوها. فمم تعجبون أيها المشركون، إذا كنتم تأتون شيئًا من
_________________
(١) تفسير الطبري (١٤/ ٣٦٢)، وما بعدها.
[ ١١٤ ]
الشرائع، ثم تخرقونها بالشرك الأكبر؛ من دعاء غير الله، والنذر لغيره، والتقرب إليه، فأنتم وهم سواء، لا فرق. فكما أن للإيمان شروط يجب توافرها، فله نواقض يجب تجنبها.
المثال الثاني: وهو ما جاء في قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦].
نزلت في نفر من المنافقين، قال قائلهم: (ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغبَ بطونًا، ولا أكذبَ ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء! فقال رجل في المجلس: كذبتَ، ولكنك منافق! لأخبرن رسول الله ﷺ، فبلغ ذلك النبي ﷺ، ونزل القرآن. قال عبد الله بن عمر: فأنا رأيته متعلقًا بحَقَب ناقة رسول الله ﷺ، تَنْكُبه الحجارة، وهو يقول: "يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب! "، ورسول الله ﷺ يقول: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾) (^١).
فهؤلاء لم يكن خروجهم مع النبي ﷺ في غزوة تبوك، ولا صلاتهم معه، ولا تظاهرهم بالإسلام، مانعًا من تحقيق وصف الكفر عليهم، بسبب استهزائهم. فمم تعجبون أيها المشركون؟ يا من تطوفون بالأضرحة والقبور، وتبذلون لها خالص العبادة، وهو الدعاء! فلا تنفعكم صلاتكم، ولا صومكم، ولا حجكم، حتى توحدوا الله تعالى. ولهذا عظم المؤلف هذا الجواب، وقال إنه من أنفع ما في هذه الأوراق، لقوة دلالته على المقصود، وصدق، ﵀.
_________________
(١) تفسير الطبري (١٤/ ٣٣٤).
[ ١١٥ ]
الوجهان التاسع والعاشر:
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(ومن الدليل على ذلك أيضًا: ما حكى الله ﷿ عن بني إسرائيل، مع إسلامهم، وعلمهم، وصلاحهم، أنهم قالوا لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا)، وقول ناسٍ من الصحابة: (اجعل لنا يا رسول الله ذات أنواط)، فحلف رسول الله ﷺ أن هذا مثل قول بني إسرائيل: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا﴾.
ولكن للمشركين شبهة يدلون بها عند هذه القصة، وهي أنهم يقولون: إن بني إسرائيل لم يكفروا بذلك، وكذلك الذين سألوا النبي ﷺ: (أن يجعل لهم ذات أنواط).
فالجواب أن تقول: إن بني إسرائيل لم يفعلوا، وكذلك الذين سألوا النبي لم يفعلوا، ولا خلاف في أن الذين نهاهم النبي ﷺ لو لم يطيعوه، واتخذوا ذات أنواط، بعد نهيه لكفروا، وهذا هو المطلوب)
استدل المؤلف بقصتين:
إحداهما: قصة وقعت في بني إسرائيل، قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨، ١٣٩]، وأنكر عليهم أنكارًا غليظًا،
[ ١١٦ ]
فمع أنهم كانوا على علم، وصلاح، لكن ذلك لم يمنع موسى ﵇ من أن يحقق عليهم الخطأ، وينهرهم عنه، ويزجرهم زجرًا بليغًا.
الثانية: قصة وقعت لأصحاب النبي ﷺ: فعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ مَرَّ بِشَجَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ يُعَلِّقُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (سُبْحَانَ اللَّهِ هَذَا كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) (^١)، فشبه حالهم بحالهم.
لكن هؤلاء المغالطين يجيبون عن هذا الإيراد بالقول إن بني إسرائيل لم يكفروا، وأصحاب محمد ﷺ لم يكفروا، فلا يتم لكم الاستدلال بهاتين الواقعتين. فعاجلهم المؤلف بالجواب، وقال: إنهم لم يفعلوا! كان هذا مجرد اقتراح ألقاه الشيطان في قلوبهم، فسألوا نبيهم؛ سأل بنو إسرائيل موسى، ﵇، وسأل أصحاب محمد ﷺ نبينا محمدًا ﷺ، إذ كانوا حدثاء عهد بإسلام. فهم ما فعلوا ذلك، ولا باشروه، ولا أصروا عليه، بل عرضوا هذا الاقتراح على نبيهم، فزجرهم فازدجروا - رضوان الله عليهم - فلم يقع منهم ما يوجب تحقيق الكفر.
وهذا يقال في حق كل من جرى منه مثل ذلك. فلا نحقق الكفر على من قال كلمة الكفر، أو فعل الكفر، إلا بتوافر شروطه، وانتفاء موانعه؛ من العلم المنافي للجهل، والذكر المنافي للنسيان، والقصد المنافي للإكراه. فإذا تحقق ذلك، وأصر على قوله، أو فعله، فحينئذ يحقق عليه وصف الكفر. وإن اعتذر بالجهل، أو الخطأ، أو الإكراه، فهو معذور.
_________________
(١) أخرجه الترمذي رقم (٢١٨٠)، وأحمد رقم (٢١٨٩٧).
[ ١١٧ ]
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(ولكن هذه القصة تفيد أن المسلم، بل العالم، قد يقع في أنواع من الشرك لا يدري عنها، فتفيد التعلم، والتحرز، ومعرفة أن قول الجاهل: "التوحيد فهمناه" أن هذا من أكبر الجهل، ومكائد الشيطان)
ربما وقع الخطأ من العالم، فالعالم بشر كسائر البشر، يعتريه القصور والتقصير، حتى ولو بلغ في العلم مبلغًا عظيمًا، فربما أدركه خطأ، وربما أصابه ذهول، وربما جرى منه شيء الهوى، والظلم، والجهل، أدى به إلى التلبس بنوع شرك، لا يدرى أن ذلك من الشرك.
وثمرة علمنا بهذه القضية: أن يحملنا على دوام التعلم، والتحرز، فإن إبراهيم ﵇، وهو إمام الناس قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، عَنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ قَالَ: (مِنْ يأمن البلاء بعد قول إبراهيم وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ إِنَّ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ؟) (^١)
فالشرك يتسلل إلى النفس بطرق خفية. فحري بالعاقل اللبيب أن يحذر مداخل الشيطان أن تنفذ إلى قلبه، فقول بعض الناس، زمن المؤلف: (التوحيد فهمناه)، وقول بعض الناس اليوم: نحن نشأنا في بلاد التوحيد، ودرسناه، ولا يوجد عندنا أضرحة، ولا مشاهد، ففيم الخوف؟! هذا ضرب من الغرور! يخيل إليه أنه أحاط علمًا بالتوحيد، وقد بقي عليه أشياء لم يدركها، وجدّت أشياء لم يستوعبها. فعلينا أن
_________________
(١) تفسير ابن أبي حاتم: (٧/ ٢٢٤٩)
[ ١١٨ ]
نحذر من هذه الطمأنينة الخداعة؛ كأن يقول قائل: يجب على الإنسان أن يكون على وجل، وحذر من أن يقع في الشرك من حيث لا يعلم. فهذه الجملة المتداولة على ألسنة الناس في زمن المؤلف: (التوحيد فهمناه)، من أكبر أسباب الجهل، ومكائد الشيطان التي يخدر بها عقول الناس، فيتطرق إليها الشرك من حيث يعلم أو لا يعلم.
[ ١١٩ ]
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(وتفيد أيضًا أن المسلم المجتهد الذي إذا تكلم بكلام الكُفر، وهو لا يدري، فنبه على ذلك، وتاب من ساعته، أنه لا يكفر، كما فعل بنو إسرائيل، والذين سألوا النبي ﷺ.
هذا - بحمد الله - من رحمة الله بعباده؛ إذ أن الإنسان ربما تكلم بكلمة الكفر، لا يدري أنها كفر، أو فعل الكفر لا يدرى أنه كفر، فبين له، فقبل الحق، فلا حرج، ولا إثم عليه. أَبْصَرَ النبي ﷺ عَلَى عَضُدِ رَجُلٍ حَلْقَةً مِنْ صُفْرٍ، فَقَالَ: "وَيْحَكَ مَا هَذِهِ؟ " قَالَ: مِنَ الْوَاهِنَةِ؟ قَالَ: "أَمَا إِنَّهَا لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا. انْبِذْهَا عَنْكَ؛ فَإِنَّكَ لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا) (^١)، فسلم من عاقبة الشرك. وقال رجل للنبي ﷺ: مَا شَاءَ اللهُ، وَشِئْتَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: " أَجَعَلْتَنِي وَاللهَ عَدْلًا! بَلْ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ) (^٢)، فنُبه فتنبه، وقبل الحق، فلا ضرر عليه.
_________________
(١) أخرجه أحمد رقم (٢٠٠٠٠)، وابن ماجه رقم (٣٥٣١).
(٢) أخرجه أحمد رقم (١٨٣٩).
[ ١٢٠ ]
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(وتفيد أيضًا أنه لو لم يكفر، فإنه يغلظ عليه الكلام تغليظًا شديدًا، كما فعل رسول الله ﷺ: وإن كان معذورًا فإنه لابد أن يجعل الإنكار مناسبًا للقول والفعل؛ فلا يكون إنكار مسألة فرعية كإنكار مسألة أصلية، بل لابد أن يظهر للمخاطب وللسامعين الاحتفاء بالقضية، وألا تساق المنكرات سوقا واحد:
- فإذا كان المنكر عظيمًا يتعلق بأصل الاعتقاد، ومفاصل الإيمان، فلابد أن تعلو النبرة ويظهر التأثر والإنفعال على من ينكر عليه، كما صنع مالك بن أنس، ﵀، إمام دار الهجرة، لما سأله رجل عن كيفية الاستواء! فأطرق ساعة، وعلته الرحضاء، ثم رفع رأسه، وقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا صاحب بدعه. ثم أمر به فأخرج (^١). ولو كان العالم، أو المربي، إذا ألقيت عليه مثل هذه الكلمات الفظيعة ابتسم، وقابل الأمر برخاوة، ولم يظهر عليه تأثر، لهان الأمر في نفس مخاطِبه. فمن الخير للمخاطَب أن يظهر التأثر.
وليس المقصود بتغليظ الكلام، الفحش فيه؛ بأن يسب ويشتم ونحو ذلك، بل يعظم الأمر، والحال. لكي يكون ذلك أوقع في قلبه من
_________________
(١) العرش للذهبي (١/ ١١٧).
[ ١٢١ ]
الناحية التربوية. ولا يخرج المعلم إلى نوع من البذاءة في المنطق، أو الإساءة الشخصية.
- كذلك في المنكرات العامة، فإذا جاءك الرجل يكلمك عن منكر، قد علمت به، فلا تظهر له سابق علمك، فتقول: عندي خبر! ونحو ذلك، بل أظهر احتفاءك، واهتمامك بالأمر، وليظهر على تعابير وجهك التأثر من ذلك، لأنك لو قابلته بشيء من البرود، وهزِّ الرأس، لربما هان ذلك في نفسه. ولست في هذا كاذبا أنت صادق فيما تقول وما تفعل. وكان شيخنا محمد بن صالح العثيمين- ﵀ يسلك هذا المسلك، ويحكيه عن الإمام مالك، ﵀. ومن كان في منزلته، يأتيه الناس يحدثونه؛ كل واحد يظن أنه أول من ساق الخبر، فربما سمع الخبر مرة، ومرتين، وثلاثًا، فيظهر الاهتمام لكل من حدثه، حتى يظن المتحدث أنه صاحب السبق في هذا، وما ذاك إلا ليعظِّم أثره في نفسه، فإذا حصل ما يشابهه، أو يقاربه، لم يهن في نفسه.
[ ١٢٢ ]