﷽
وبه ثقتي: (كتاب كشف الشبهات).
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(اعلم، رحمك الله، أن التوحيد: هو إفراد الله ﷾ بالعبادة، وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده. فأولهم: نوح ﵇، أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين؛ ودًا، وسواعًا، ويغوث، ويعوق، ونسرًا، وآخر الرسل: محمد ﷺ وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين).
(بسم الله الرحمن الرحيم): قد تقدم معنى البسملة، وما تضمنته، ومعنى الرحمن والرحيم، في شرح ثلاثة الأصول فلا حاجة لإعادته (^١).
قوله: (اعلم رحمك الله): تقدم أيضًا، أن من طريقة المؤلف ﵀
_________________
(١) ينظر: الأصول الثلاثة لفضيلة الشيخ: أحمد بن عبد الرحمن القاضي (ص ١٧)، وما بعدها.
[ ٧ ]
أن يعبر بهذا الأسلوب: "اعلم" بصيغة فعل الأمر، لما يحصل بذلك من التنبه، وأنه يردف ذلك بالدعاء للمخاطب بالرحمة، وفي هذا استمالة لقلبه، وتحبب إليه. وهكذا ينبغي أن يكون الداعية إلى الله ﷿، سواءٌ خطب، أو كتب، أو ناظر، رفيقًا، لطيفًا، ناصحًا. لأن المقصود نفع المخاطب، ولا يحصل ذلك غالبًا، إلا بالرفق.
وتقدم تعريف العلم، وأنه: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا. أما عدم الإدراك بالكلية، فهو الجهل البسيط، وأما إدراك الشيء على خلاف ما هو عليه، فهو جهل مركب، وأما الظن: فهو إدراك الشيء مع احتمال ضد مرجوح، والوهم: إدراك الشيء مع احتمال ضد راجح، والشك: إدراك الشيء مع احتمال ضد مساو. تلك أقسام المدارك.
قوله: (التوحيد): التوحيد لغة: مصدر وحّد يوحد توحيدا، أي: جعْل الشيء واحدًا. والمراد به في هذا المقام اعتقاد الله واحدا، لا جعل الله واحدًا لأن الجعل ليس إلينا، لأنه سبحانه واحدٌ، شئنا أم أبينا.
قوله: (هو إفراد الله ﷾ بالعبادة): أراد المؤلف نوعًا من أنواع التوحيد، وهو توحيد العبادة. ولكن التوحيد أعم من ذلك، فهو ثلاثة أنواع:
١) توحيد الربوبية.
٢) توحيد الألوهية.
٣) توحيد الأسماء والصفات.
فالتعريف العام للتوحيد: هو اعتقاد الله واحدًا في ربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته، وإفراده تعالى بذلك.
فأما توحيد الربوبية؛ فهو الاعتقاد الجازم بأن الله:
- هو الخالق، لا خالق سواه.
[ ٨ ]
- وأنه المالك، لا مالك سواه.
- وأنه المدبر، لا مدبر سواه.
فمدار الربوبية على ثلاثة أوصاف: الخلق، والملك، والتدبير.
وتوحيد الألوهية: هو توحيد العبادة، وهو: الاعتقاد الجازم بأن الله وحده هو المستحق للعبادة، دون ما سواه، فلا يشرك بعبادته أحدًا ..
وهذا هو الذي أراده المؤلف ﵀ في [كتاب التوحيد]، وفي هذا الكتاب، لأنه حلبة الصراع، ومعترك النزاع، بين الأنبياء وأقوامهم؛ إذ كانت الأمم لا تنازع في توحيد الربوبية، بل تقر به، من حيث العموم؛ بأن الله هو الخالق، المالك، المدبر وإنما تنازع في توحيد العبادة. فبعث الله تعالى الرسل جميعًا، ليقولوا جملة واحدة: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩].
والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، قالها نوح، وهود، وصالح، وشعيب، ﵈ كما رتبهم الله تعالى في سورة الأعراف، وغيرها، وهذا أساس دعوة المرسلين.
وتوحيد الأسماء والصفات: الاعتقاد الجازم بأن الله ﷾ لا سمي له، ولا ند له، ولا نظير له، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فلا يماثله أحد في أي اسم سمى به نفسه، أو وصفٍ وصفَ به نفسه، بل له المثل الأعلى، في السموات والأرض.
وهذا النوع الثالث وقع الخلاف فيه بين أهل القبلة: فصار منهم من يعطل، ومن يمثل، وهدى الله أهل السنة لما اختلف فيه من الحق بإذنه فأثبتوا إثباتًا بلا تمثيل، ونزهوا الله تعالى تنزيهًا بلا تعطيل. وصار طريقهم وسطًا بين طرفين وعدلًا بين عوجين.
[ ٩ ]
فأراد المؤلف أن يخص النوع الثاني، وهو توحيد العبادة، إذ كان فاشيًا في زمنه مظاهر الشرك المتنوعة؛ في الأقوال، وفي الأفعال؛ من دعاء غير الله، والذبح لغير الله، وطلب الشفاعة من غير الله، إلى غير ذلك، ووجد من أهل الأهواء، والبدع، والخرافة، من يحتج لها، ويطلق الشبهات المضلة لتسويغها. فأراد المؤلف بهذه الرسالة كشف تلك الشبهات وتزييفها.
قوله: (وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده): بين ﵀ أن التوحيد ليس دين محمد ﷺ وحسب، بل هو دين جميع النبيين من أولهم إلى آخرهم.
قوله: (فأولهم نوح ﵇: الدليل على أوليته رسولًا في حديث الشفاعة: (فَيَأْتُونَ نُوحًا، فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ) (^١)، والدليل على أوليته نبيًا، قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]، فهو أول الأنبياء والمرسلين، ﵊، وبهذا يتبين خطأ بعض المؤرخين الذين يجعلون إدريس، أو شيت، قبل نوح ﵈، لأنه معارض لظاهر الكتاب والسنة.
قوله: (أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين؛ ودًا، وسواعًا، ويغوث، ويعوق، ونسرًا): سبب شرك قوم نوح هو الغلو في الصالحين. وأراد بهم المذكورين في سورة نوح: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣]، فهؤلاء الخمسة، قد بين ابن عباس ﵄ أنهم رجال صالحون، قال: (فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ، أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا،
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٣٣٤٠)، ومسلم رقم (١٩٤).
[ ١٠ ]
وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ، وَتَنَسَّخَ العِلْمُ، عُبِدَتْ) (^١).
لما فني ذلك الجيل الأول، واندرس العلم، أتى الشيطان إلى من بعدهم، وقال: هؤلاء شفعاؤكم عند الله، هؤلاء يقربونكم إلى الله زلفى! فعبدوهم. هكذا نشأ الشرك في بني آدم.
وكان عمرو بن لحي الخزاعي، الذي قال عنه النبي ﷺ: (رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ) (^٢)، أول من أدخل الشرك، وعبادة الأصنام، إلى العرب. وقد كان العرب على الحنيفية، ملة إبراهيم. روى الكلبي في كتاب الأصنام: أن عمر بن لحي كان له رِئي من الجن، فقال له: ايت ضف جدة، تجد أصنامًا معدَّة، فأوردها تهامة ولا تهب، وادع العرب إلى عبادتها تجب. فدله على موضع عند سِيف البحر فكشف عن هذه الأصنام، واستخرجها، ثم بثها في قبائل العرب، فكان عند كل قبيلة من قبائل العرب صنم من هذه الأصنام ثم إنه ذهب إلى بلقاء الشام، واستحضر هبل، وجعله في مكة (^٣).
وليس المراد بكون أولئك الصالحين من قوم نوح، أنهم من معاصريه، وإنما المراد أنهم من أسلافهم، فلما هلكوا، جرى ما جرى من الشيطان، وتزيينه عبادتهم.
قوله: (وآخر الرسل محمد ﷺ: لابد من هذه العقيدة؛ عقيدة "ختم النبوة" فلا نبي بعد رسول الله ﷺ فآخر الرسل محمد ﷺ K كما دل على ذلك صريح القرآن، قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٤٩٢٠).
(٢) أخرجه البخاري رقم (٤٦٢٣)، ومسلم رقم (٢٨٥٦).
(٣) كتاب الأصنام للكلبي (ص ٥٤).
[ ١١ ]
[الأحزاب: ٤٠]، وهو ﷺ قد صرح بذلك فقال (وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي) (^١).
فكل من ادعى النبوة بعده فهو كاذب أفاك، وقد أخبر ﷺ أنه سيكون بعده ثلاثون كذابون، كلهم يزعم أنه نبي. وقد وقع، فكان من أوائلهم: مسيلمة الكذاب، ومن أواخرهم: ميرزا غلام أحمد القادياني.
فالنبيون من نوح إلى محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين دعوتهم واحدة؛ كلهم يدعون إلى إفراد الله بالعبادة.
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٣٤٥٥)، ومسلم رقم (١٨٤٢).
[ ١٢ ]
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين، أرسله إلى أناس يتعبدون، ويحجون، ويتصدقون، ويذكرون الله، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقين وسائط بينهم وبين الله ﷿؛ يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده؛ مثل: الملائكة، وعيسى، ومريم، وأناس غيرهم من الصالحين).
حينما دخل النبي ﷺ مكة عام الفتح، كان حول البيت ثلاثمائة وستين صنمًا، فجعل النبي ﷺ يطعنها برمحه، وهو يقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]. ودخل جوف الكعبة، ووجد صورًا معلقة لإبراهيم، والمسيح، ﵉، فأمر بمحوها بالماء، وأزال جميع مظاهر الشرك ﷺ.
فالأنبياء أتوا بإفراد الله بالعبادة قولًا، بقولهم: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، وفعلًا، بقضائهم على مظاهر الشرك.
وقد يظن بعض الناس، أن النبي ﷺ أرسل إلى قوم ملحدين، إباحيين، لا يأتون شيئًا من الشعائر ألبته، بمنزلة الغفل من الناس الذين لا دين لهم! كلا! قد بعث النبي ﷺ في العرب، وكان العرب يتعبدون، ويحجون، ويعظمون البيت وحرماته، ويتصدقون، ويذكرون الله في شعرهم، ونثرهم كثيرًا، ذلك أنهم قد بقي لهم بقية من دين إبراهيم، ﵇.
فكانت جميع قبائل العرب تفد إلى مكة، في الموسم، ويخرجون من منى، ويجوزون المزدلفة، ويقفون بعرفة، إلا قريشًا، لم تكن تخرج
[ ١٣ ]
إلى عرفة، يقول قائلهم: نحن الحمس، نحن أهل الحرم، لا نخرج منه. ولهذا جاء في حديث جابر بن عبد الله، ﵁، في سياق حجة الوداع، قال: (وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ، فَضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، لَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ، إِلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، أَوِ الْمُزْدَلِفَةِ، كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ، قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ) (^١)، فخالف رسوم قريش، وإنما سميت المزدلفة جمعًا، لأنها تجمع قريشًا مع بقية العرب، فإذا أفاض الناس من عرفة، ونزلوا المزدلفة، اجتمعوا مع قريش، ثم إنهم بعد ذلك، يأتون منى، ويذكرون مفاخر آبائهم، طوال أيام التشريق.
وكانوا يتصدقون، فكانت قريش تسقي الحجاج، وتطعمهم، بل كانوا ينزلونهم بيوتهم، ويعدون ذلك من القربات.
وكان منهم من يفك العاني، وينصر المظلوم، ونحو ذلك من الأمور الحسنة، والمكرمات.
منهم: عبد الله بن زيد بن جدعان، حتى إن عائشة ﵂، سألت النبي ﷺ، عن ابن جدعان، فقالت: (يَا رَسُولَ اللهِ، ابْنُ جُدْعَانَ، كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: " لَا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) (^٢)، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
قوله: (ولكنهم يجعلون بعض المخلوقين وسائط بينهم وبين الله ﷿: يعني أنهم أفسدوا عباداتهم تلك بالشرك، فكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، ملكته وما
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه رقم (٣٠٧٤).
(٢) أخرجه مسلم رقم (٢١٤).
[ ١٤ ]
ملك. فلأجل ذلك، لم يغن عنهم ما وقع من حج، وصدقة، وذكر، بسبب شائبة الشرك، شيئًا. والمقصود أن النبي ﷺ بعث في بيئة ذات تدين، لا في بيئة ملحدة تنكر الله، ولكنهم كانوا مشركين.
قوله: (يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده، مثل: الملائكة، وعيسى، ومريم، وأناس غيرهم من الصالحين): بهذا خدعهم الشيطان، وسوَّل لهم، وأملى لهم. دخل عليهم من باب الغلو في الصالحين، فاتخذوهم شفعاء، يتقربون إليهم بالدعاء، وسائر صنوف العبادة، كما وقع لمشركي العرب، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]
[ ١٥ ]
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(فبعث الله تعالى إليهم محمدًا ﷺ، يجدد لهم دينهم، دين أبيهم إبراهيم، ويخبرهم أن هذا التقرب، والاعتقاد، محض حق الله -تعالى- لا يصلح منه شيء لغيره؛ لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، فضلًا عن غيرهما): سبب بعثة محمد ﷺ: تجديد ملة إبراهيم ﵇، قال الله ﷿: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، ولهذا كان إذا دعا بعض العرب يغريه بذلك؛ لما جاءه التنوخي رسولًا من لدن هرقل، عرض عليه الإسلام، مع أنه رسول، وهذا يدل على أن الرسل يعرض عليهم الإسلام، لا يقال هو رسول لا نبادؤه بالدعوة، بل من حقه أن يدعى إلى الإسلام، فقال له النبي ﷺ: (يَا أَخَا تَنُوخٍ، هَلْ لَكَ فِي الْإِسْلَامِ؟ " قُلْتُ: لَا، إِنِّي أَقْبَلْتُ مِنْ قِبَلِ قَوْمٍ وَأَنَا فِيهِمْ عَلَى دِينٍ، وَلَسْتُ مُسْتَبْدِلًا بِدِينِهِمْ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْهِمْ) (^١)، ثم أنه أسلم بعد ذلك.
فجدد دين إبراهيم ﵇، وهو الحنيفية، وبينّ لقومه أن هذا التقرب الذي يبذلونه لهؤلاء الوسطاء، من الملائكة، والمسيح، وأمه، والصالحين، حق خالص لله، وأن ذلك التقرب لا يجوز صرفه لكائن من كان، ولو كان ملكًا مقربًا، أو نبيًا مرسلًا، ا بل هو محض حق الله، وأنه لا يجوز دعاء غير الله.
_________________
(١) أخرجه أحمد رقم (١٦٦٩٤).
[ ١٦ ]