قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(ولنختم الكتاب بذكر آية عظيمة، مهمة، تفهم بما تقدم، ولكن نفرد لها الكلام لعظم شأنها، ولكثرة الغلط فيها، فنقول:
لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب، واللسان، والعمل. فإن اختل شيءٌ من هذا لم يكن الرجل مسلمًا، فإن عرف التوحيد ولم يعمل به، فهو كافر معاند، كفرعون، وإبليس، وأمثالهما، وهذا يغلط فيه كثير من الناس يقولون: هذا حق، ونحن نفهم هذا، ونشهد أنه الحق، ولكنا لا نقدر أن نفعله، ولا يجوز عند أهل بلدنا إلا من وافقهم، وغير ذلك من الأعذار، ولم يعرف المسكين أن غالب أئمة الكفر يعرفون الحق، ولم يتركوه إلا لشيء من الأعذار، كما قال تعالى: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، وغير ذلك من الآيات، كقوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ﴾.
فإن عمل بالتوحيد عملًا ظاهرًا، وهو لا يفهم، ولا يعتقد بقلبه، فهو منافق، وهو شر من الكافر الخالص كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١٣٨ ]
وهذه مسألة طويلة، تَبينُ لك إذا تأملتها في ألسنة الناس، ترى من يعرف الحق ويترك العمل، لخوف نقص دنياه، أو جاهه، أو ملكه، وترى من يعمل به ظاهرًا، لا باطنًا، فإذا سألته عما يعتقده بقلبه، إذا هو لا يعرفه).
هذه المسألة الأخيرة، التي عظم المؤلف من شأنها، وحُقَّ له، تتعلق بأصل الإيمان. فإن الإيمان قول وعمل؛ له حقيقة مركبة من القول والعمل، فليس الإيمان قولًا دون عمل، ولا عملًا دون قول. هذا مذهب أهل السنة والجماعة، حتى قال الإمام البخاري: لَقِيتُ أَكْثَرَ مِنَ أَلْفِ رَجُلٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِالْأَمْصَارِ؛ فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ يَخْتَلِفُ فِي أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ (^١).
فحد الإيمان يشمل اعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح. وقول القلب مستلزم لقول اللسان وعمل الجوارح، لا ينفك عنه. والتوحيد هو أس الإيمان وأصله، فلو زعم زاعم أنه موحد بقلبه، لكن لا شأن للقول ولا للعمل بذلك، فدعواه باطله. وهذا مذهب غلاة المرجئة، من الجهمية، والصالحية، ومن وافقهم. بل التوحيد يتعلق باعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح. ولا يمكن قصر معنى التوحيد على ما يقوم بالقلب، إذ لو كان كذلك لكان فرعون وإبليس، ومشركو العرب، وأهل الكتاب، موحدين:
- ففرعون وملؤه: كان مستيقنين بقلوبهم، كما أخبر تعالى:
_________________
(١) فتح الباري لابن حجر (١/ ٤٧).
[ ١٣٩ ]
﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، وجبهه موسى، ﵇، بهذا فقال: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢]، وكان من من الكافرين.
- فإبليس: يقول: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢]، ويثبت لله القدرة: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص: ٧٦]، فكان عنده عقد قلبي بأن الله يخلق، ويقدر، ويأمر، وينهى. لكن ذلك لم يخرجه من أن يكون رأس الطواغيت.
- ومشركو العرب: كانوا يعتقدون في قلوبهم أن الله يخلق، ويرزق، ويدبر، ويطعِم، ولا يُطعَم، ويجير، ولا يجار عليه، ولكن هذا الاعتقاد القلبي، مع النطق اللساني لم ينفعهم، إذ كانوا لا يفعلون مقتضاه من العمل، بل يشركون مع الله غيره.
- واليهود والنصارى: أخبر الله عنهم في موضعين: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]، [الأنعام: ٢٠]، فعلمهم بالحق، مع عدم انقيادهم له بالعمل، لم يخرجهم عن وصف الكفر.
كل هذه الشواهد تدل دلالة قطعية على أن التوحيد لا يكفي أن يكون عقيدة في القلب، حتى يعرب عنه اللسان، وتنقاد له الجوارح، اللهم إلا أن يقوم مانع وعذر دون ذلك.
وقد أشار المؤلف إلى حال بعض أهل زمانه، الذين يقول قائلهم: نحن نعلم أن هذا حق، وأن ما تدعو إليه هو التوحيد الذي جاءت به الرسل، لكننا لا نقدر أن نفعله، لأن هذا لا يجوز عند أهل بلدنا، ولا يقبلون ذلك منا، ويفسدون علينا تجارتنا ودنيانا، ونحو ذلك من المعاذير، فبين المؤلف ﵀ أن هذا ليس عذرًا مانعًا مقبولًا، لأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، ورأى أن حالهم ينطبق عليه قول الله
[ ١٤٠ ]
تعالى: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [التوبة: ٩]. فلابد من العمل بالتوحيد ظاهرًا وباطنا.
ولو قُدِّر أن أحدًا عمل بالتوحيد ظاهرًا دون أن يعتقد ذلك باطنًا، لم ينفعه، بل كان كالمنافقين، الذين يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر. وهذا من أشد أنواع الكفر. فكذلك من أقر بالتوحيد باطنًا ولم ينقد له ظاهرًا، ولم يوحد الله تعالى؛ لا بلسانه، ولا بفعاله، فإنه لم يأت بحقيقة التوحيد. قال تعالى عن إبراهيم ومن آمن معه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]
فهذه مسألة عظيمة كان المؤلف ﵀ يقررها، ويلِحُّ عليها، ويرى أن كثيرًا من الناس يعرف الحق، لكنه يرعى دنياه، أو جاهه، أو ملكه، وليس في ذلك عذرًا له.
[ ١٤١ ]
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
ولكن عليك بفهم آيتين من كتاب الله تعالى:
أولاهما: ما تقدم وهي قوله: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، فإذا تحققت أن بعض الصحابة الذين غزوا الروم مع رسول الله ﷺ، كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه المزح، تبين لك أن الذي يتكلم بالكفر، ويعمل به، خوفًا من نقص مالٍ، أو جاهٍ، أو مداراة لأحد، أعظم ممن يتكلم بكلمة يمزح بها.
والآية الثانية: قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾، فلم يعذر الله من هؤلاء إلا من أكره، مع كون قلبه مطمئنًا بالإيمان، وأما غير هذا، فقد كفر بعد إيمانه، سواء فعله خوفًا، أو طمعًا، أومدارة لأحد، أو مشحةً بوطنه، أو أهله، أو عشيرته، أو ماله، أو فعله على وجه المزح، أو لغير ذلك من الأغراض، إلا المكره.
فالآية تدل على هذا من جهتين:
-الأولى: قوله تعالى: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ)، فلم يستثن إلا من أكره، ومعلوم أن الإنسان لا يكره إلا على العمل، والكلام، والفعل، لا عقيدة القلب، فلا يكره عليها أحد.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١٤٢ ]
- الثانية: قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ)، فصرح أن العذاب لم يكن بسبب الاعتقاد، والجهل، والبغض للدين، أو محبة الكفر، وإنما سببه أن له في ذلك حظًا من حظوظ الدنيا، فآثره على الدين. والله أعلم).
الآية الأولى: أفادت أن قائل كلمة الكفر، ولو على سبيل المزاح، يكون كافرًا، ولو كان من عِداد الصحابة، فكيف بمن يقول، ويعمل، من غيرهم؟!.
الآية الثانية: أفادت أن تارك التوحيد لا يعذر إلا أن يكون مكرهًا، كما جرى لعمار بن ياسر، ﵄، فقد كان الْمُشْرِكُونَ يعذبونه فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى سَبَّ النَّبِىَّ ﷺ وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ، ثُمَّ تَرَكُوهُ. فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَا وَرَاءَكَ؟)، قَالَ: شَرٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ مَا تُرِكْتُ حَتَّى نِلْتُ مِنْكَ، وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ؟! قَالَ: (كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟)، قَالَ: مُطْمَئِنًا بِالإِيمَانِ. قَالَ: (إِنْ عَادُوا فَعُدْ) (^١).
أما غير المكره، الذي لم يبلغ به الأمر مبلغ الضرر، فإنه لا يسعه أن يوافق المشركين على شركهم، ولا أن يضاهيهم على فعلهم، بل عليه أن يلزم التوحيد، وأن ينكر الشرك، ولا يمنعه من ذلك خوف على دنياه، فقد أبطل الله ذلك بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ [النحل: ١٠٧]، فأفاد بأن من تعلل بهذا اللون، وهو حب الدنيا، والتجارة، والخوف
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ١٤٣ ]
على المنصب، ونحو ذلك من الأغراض الدنيوية، لا يبيح له الوقوع في الشرك، أو إقراره، وإنما يعذر في حالة واحدة؛ وهي أن يكون مكرها.
قال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ-رحمه الله تعالى-: (فالإنسان الذي يُلجئُه من يُلجئُه إلى أن يصدر منه الكفر، له حالات:
أحدها: أن يمتنع ويصبر عليها، فهذه أفضل الحالات.
الثانية: أن ينطق بلسانه، مع اعتقاد جنانه الإيمان، فهذا جائز له، تخفيفًا ورحمة.
الثالثة: أن يُكره، فيجيب، ولا يطمئن قلبه بالإيمان؛ فهذا غير معذور، وكافر.
الرابعة: أن يُطلب منه، ولا يُلجأ؛ فيجيب، -ما وصل إلى حد الإكراه- ولكن يوافق بلسانه، وقلبه مطمئن بالإيمان، فهذا كافر.
الخامسة: أن يُذكر له، ولا يصل إلى حد الإكراه، فيوافق بقلبه ولسانه، فهذا كافر) (^١)
وبهذا أتم المؤلف ﵀ هذا الكتاب العظيم، المفيد "كشف الشبهات"، والذي خرج من معاناة واقعية، ومن تجربة شخصية، خاضها المؤلف ﵀ عمره كله، وهو يدعو إلى توحيد الله تعالى، ورد الناس إلى الجادة، وتمسيكهم بالكتاب، ودلالتهم إلى دين البينة، الذي قال الله تعالى عنه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ١ - ٥].
_________________
(١) شرح كشف الشبهات (ص ١٦٦)
[ ١٤٤ ]
فنبغي أن تكون عناية طالب العلم بتحقيق التوحيد، والدعوة إليه، مقدمة على كل شيء، فإن هذا هو أصل الدين، وهو إرث الأنبياء والمرسلين، وما بعده تبع له. فإذا أصلحنا القلوب ووجهناها إلى بارئها، فإنها حينئذ تنقاد، وتقبل الأوامر والنواهي، ويهون عليها فعل الواجبات، وترك المحرمات. أما إذا كان القلب موزعًا مفرقًا، لا يوحد الله تعالى، ثقل عليه ذلك.
فرحم الله شيخ الإسلام، الإمام المجدد، محمد بن عبد الوهاب، على ما أودع في هذا الكتاب النافع، من حجج، وبينات، تكشف الشبهات.
وصلِّ اللهم علي نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١٤٥ ]