قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(إذا عرفت ما قلت لك معرفة قلب، وعرفت الشرك بالله الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾، وعرفت دين الله الذي بعث به الرسل من أولهم إلى آخرهم، الذي لا يقبل الله من أحد سواه، وعرفت ما أصبح غالب الناس عليه من الجهل بهذا، أفادك فائدتين:
الأولى: الفرح بفضل الله ورحمته، كما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾، وأفادك أيضًا الخوف العظيم).
ذكر المؤلف-﵀ أربع معارف:
١. أولها: أن يعرف، معرفة قلب، حقيقة التوحيد، وأنه إفراد الله تعالى بالعبادة.
٢. ثانيها: أن يعرف حقيقة الشرك؛ وأنه جعل الأنداد لله، وأن الله لا يغفر لصاحبه أبدًا.
٣. ثالثها: أن يعرف دين الله الذي بعث به الأنبياء جميعًا، الذي لا يقبل دينًا سواه.
[ ٣١ ]
٤. رابعها: أن يعرف ما آل إليه حال الناس في الأزمان المتأخرة، من الجهل بمعنى التوحيد، والخلط بين معنى الإله ومعنى الرب، حتى صار كثير من الناس يظنون أن معنى لا إله إلا الله، أي لا خالق إلا الله. وقد بين المؤلف ﵀ هذه المسائل الأربع فيما تقدم.
فإذا تيقن الإنسان، وتحقق من هذه المعارف، أثمر له ذلك فائدتين:
١) أحداهما: الفرح بفضل الله ورحمته: فإن ثمرة العلم الفرح، والسرور، والبهجة، لأن القلب لا يزال مضطربًا، قلقًا، حتى يصل إلى برد اليقين، وانثلاج الصدور، فحينئذ يسر، ويستبشر. فمن عرف حقيقة التوحيد، وحكمة الخلق، ووظيفته في هذه الدنيا، وعرف قبح الشرك، وشؤمه في الدنيا والآخرة، فإنه ينال سعادة عظيمة، ويرى أن الله ﷾ استنقذه، واصطفاه، وصرف عنه شرًا مستطيرًا:
فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة … وإلا فإني لا إخالك ناجيا
٢) الفائدة الثانية: الخوف من أن تزل به قدم، فيقع في هذه الورطة العظيمة، التي هي الشرك بالله ﷿. ولا مانع من اجتماع هذين الأمرين الذين يبدوان متقابلين؛ فرح، وخوف، فكما يجتمع في قلب المؤمن الخوف والرجاء، كذلك يجتمع في قلبه الفرح والخوف؛ الفرح بفضل الله ورحمته على الهدى، والتوفيق، والعلم، والخوف من أن يزيغ بعد إذ هداه الله ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].
[ ٣٢ ]
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل، فلا يعذر بالجهل، وقد يقولها وهو يظن أنها تقربه إلى الله تعالى، كما كان يظن الكفار، خصوصًا إن ألهمه الله ما قص عن قوم موسى ﵇ مع صلاحهم، وعلمهم، أنهم أتوه قائلين: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، فحينئذٍ يعظم خوفه، وحرصه، على ما يخلصه من هذا وأمثاله).
قد يقول الإنسان كلمة بائرة، توبق دنياه وأخراه، فمن تكلم بكلمة الكفر مريدًا لمعناها، عارفًا بمقتضاها، فلا ريب أن هذا من الكفر؛ إذ الكفر نوعان: كفر اعتقادي، وكفر عملي. فقد يكفر الإنسان بالاعتقاد، وقد يكفر بالقول، وقد يكفر بالفعل. ولكن المؤلف ﵀ في هذا الموضع، قال كلامًا فيه إجمال واشتباه: (وقد يقولها وهو جاهل فلا يعذر بالجهل)! وهذا من المواضع المشكلة التي لا تتناسب في ظاهرها مع كلام المؤلف وتقريره، في كتبه الأخرى. وذلك أن ظاهر هذه الجملة يفيد أن المؤلف لا يعذر بالجهل، وأنه يكفِّر به. والمحفوظ عنه في مواضع أخر، أنه يعذر به. وقد جعل الشارع للتكفير شروطًا:
أحدها: العلم، المنافي للجهل: فلو كان جاهلا، بمعنى أنه لا يدري أن هذه الكلمة، أو أن هذا الفعل، يقتضي الكفر فإنه لا يؤاخذ به، لأن الله ﷾ قد جعل الحجة الرسالية عذرًا لكل أحد. فالله تعالى لا يقبل من أحد حجةً إلا أن يقول: ما جاءني من بشير ولا نذير! فقطع الله
[ ٣٣ ]
تعالى هذه الحجة، بأن أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، كما قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩]، فإذا تحقق البلاغ، وانتفى الجهل، فحينئذ لا عذر للمخاطب. أما إذا لم يبلغه، فإنه معذور. ولهذا قال ربنا ﷿: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، فدلت هذه الآيات البينات، المحكمات، على أن العلم شرط في التكليف، وأن الجهل مانع من موانع التكليف.
الثاني: العمد المنافي للخطأ: فلو وقع منه سبق لسان، فإنه لا تترتب عليه آثاره لحديث: (لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ) (^١). ومثله لو تكلم النائم دون قصد، أو هذى المحموم، وفاه بكلمة كفر، فلا إثم عليه، ولا مؤاخذة.
الثالث: الاختيار، المنافي للإكراه: قال الله ﷿: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]، فدل ذلك على أن المكره لو فاه بكلمة الكفر، فإنه لا يكون كافرًا بذلك.
_________________
(١) أخرجه مسلم رقم (٢٧٤٧).
[ ٣٤ ]
جاء في الحديث: (أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ، وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ، ثُمَّ تَرَكُوهُ، فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا وَرَاءَكَ؟» قَالَ: شَرٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تُرِكْتُ حَتَّى نِلْتُ مِنْكَ، وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ قَالَ: «كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟» قَالَ: مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ قَالَ: «إِنْ عَادُوا فَعُدْ») (^١).
والمقصود أن الإنسان إذا لم تبلغه الحجة الرسالية فإنه معذور. وهذا الذي تدل عليه النصوص الشرعية، وهو الذي مشى عليه المؤلف وصرَّح به في بعض كتبه، ورسائله، وردوده على خصومه الذين يهيجون الناس ضده، ويشوهون دعوته، فقال ما نصه: (وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا، أو لم يكفر، ويقاتل؟ سبحانك هذا بهتان عظيم!) (^٢)
وهذا نص واضح الدلالة على مراد المؤلف؛ فإن المؤلف ﵀ يبرأ من أن يكفر هؤلاء الجهال الذين يطوفون بقبر عبد القادر، وقبر أحمد البدوي، التي عقدت عليها القباب، وشيدت لها المقامات، وأقيمت عندها الطقوس التي أحدثها سدنة الشرك، وعلماء السوء، وخدعوا بها العامة، ليأكلوا أموالهم بالباطل، فيصرِّح، ﵀ بأنه لا يكفر أولئك الجهال، بسبب جهلهم، وعدم من ينبههم، ويعجب ممن يرميه من خصومه بتكفير من لم يشرك بالله، إذا لم يهاجر إليه، أو يقاتل معه.
ويبقي النظر في توجيه هذه الجملة، في هذا السياق:
بعد التأمل، رأيت أن المؤلف ﵀: أراد بالجهل الذي لا يعذر
_________________
(١) أخرجه الحاكم رقم (٣٣٦٢)، والبيهقي رقم (١٧٣٥٠).
(٢) الدرر السنية (١/ ١٠٤).
[ ٣٥ ]
صاحبه، الجهلَ الذي وصف الله به المشركين، في مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]، وذكره المؤلف آنفًا بقوله: (جهال الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله)، فسماهم جهالًا، مع علمهم، وقيام الحجة الرسالية عليهم، وليس مراده بالجهل، هنا، عدم العلم بمراد الرسول، فمن كان عالمًا بحقيقة التوحيد، ومع ذلك قال كلمة منافية للتوحيد، فإنه يحقق عليه وصف الكفر.
والخلاصة أن الجهل نوعان:
- جهل بمعنى عدم الإدراك، وعدم العلم، فهذا مانع من موانع التكليف، يعذر صاحبه.
- جهل بمعنى السفه، واطّراح العلم، إما بالإعراض عنه، أو برده وجحده، فهذا لا عذر به، كما في قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]، وقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]، وقوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. ومنه قول عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا … فنجهل فوق جهل الجاهلينا
وإذا اختلف كلام إمام ما، في موضع، مع كلامه في موضع آخر، ورأينا في أحد الموضعين اشتباهًا والتباسًا، ورأينا في الموضع الآخر وضوحًا وبيانًا، فالمنهج العلمي أن نحمل المتشابه من قوله على المحكم منه؛ فإن الله ﷿، قد قال عن كتابه المنزل: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]، فقد جعل الله بعض آيات الكتاب، وهن القليل، متشابهات، حمالة أوجه، ابتلاء وفتنة لعباده، ليعلم من يأوي إلى الحق، ممن تزيغ به الأهواء، ولهذا قال بعدها: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ
[ ٣٦ ]
تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، ثم أثنى على طريقة الراسخين في العلم، فقال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، فكان من شأن الراسخين في العلم رد المتشابه إلى المحكم؛ فيعتصمون بالمحكم، ويحملون عليه المتشابه، فإذا كان هذا مسلكا رشيدًا، راسخًا، في أعظم كتاب؛ وهو كتاب رب العالمين، القرآن المجيد، فلأن نصنع ذلك فيما دونه من باب أولى.
فقول المؤلف هنا: (فلا يعذر بالجهل) لم يُرد بها المسألة التي اشتغل بها المتأخرون في العقود الأخيرة؛ "مسألة العذر بالجهل" هل يعذر بالجهل أم لا يعذر بالجهل؟ فليس من مذهب المؤلف ﵀ عدم العذر بالجهل، وإنما أراد بالجهل هنا مخالفة ما علم من حقيقة التوحيد، كما خالفها جهال المشركين زمن النبي ﷺ.
ولا شك أن مسألة التكفير من المسائل الخطيرة، فهي مزلة أقدام، ومضلة أفهام، وتشتد الحاجة إلى تحريرها في هذه الأزمان التي ابتليت فيه الأمة الإسلامية ببعض المسارعين في التكفير للأعيان. والأمر لا يقتصر على كلام يقال باللسان، ويطير بالعنان، بل له تبعات خطيرة، وآثار وخيمة. لقد أدى هذا المسلك الغالي، إلى تفكك الأمة واحترابها، ونشأ عنه فساد عريض، ووجد في أهل الإسلام من يتنابزون بالألقاب، ويكفر بعضهم بعضًا، ويستحل بعضهم دماء بعض. وكان من آثار ذلك ومظاهره، استحلال التفجير؛ فيقصد قومًا غارِّين من جملة المسلمين، فيقتلهم أجمعين، بدعوى أن من يرى كفره، وقد لا يكون كذلك، أو يكون كذلك، لكنه من جملة المعصومين من المعاهدين والمستأمنين، يتترس بهم! ويهلك الحرث والنسل.
[ ٣٧ ]
فيجب على طالب العلم أن يتقي الله تعالى في نفسه، وفي علمه، وفي مجتمعه، وأمته، وأن يحسب خطاه، فإنه لا يزال في سعة من دينه، ما لم يصب دمًا حرامًا، وأن يحذر أن تزل به قدم، أو يذهب به فكر زائغ، ضال، وعاطفة هوجاء، فيخرج عن السبيل، وعما عليه أهل السنة والجماعة.
وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية يحذر أشد التحذير من هذا الأمر، ويذكر عن نفسه ﵀ أنه من أشد الناس تحرزًا منه، فيقول: (إنِّي دَائِمًا، وَمَنْ جَالَسَنِي يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنِّي: أَنِّي مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ نَهْيًا عَنْ أَنْ يُنْسَبَ مُعَيَّنٌ إلَى تَكْفِيرٍ وَتَفْسِيقٍ وَمَعْصِيَةٍ، إلَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الرسالية، الَّتِي مَنْ خَالَفَهَا كَانَ كَافِرًا تَارَةً، وَفَاسِقًا أُخْرَى، وَعَاصِيًا أُخْرَى. وَإِنِّي أُقَرِّرُ: أَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ خَطَأَهَا؛ وَذَلِكَ يَعُمُّ الْخَطَأَ فِي الْمَسَائِلِ الْخَبَرِيَّةِ الْقَوْلِيَّةِ، وَالْمَسَائِلِ الْعَمَلِيَّةِ. وَمَا زَالَ السَّلَفُ يَتَنَازَعُونَ فِي كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَلَمْ يَشْهَدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى أَحَدٍ لَا بِكُفْرِ، وَلَا بِفِسْقِ، وَلَا مَعْصِيَةٍ)، إلى أن قال ﵀: (وَكُنْت أُبَيِّنُ لَهُمْ أَنَّمَا نُقِلَ لَهُمْ عَنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، مِنْ إطْلَاقِ الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِ مَنْ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا، فَهُوَ أَيْضًا حَقٌّ، لَكِنْ يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْإِطْلَاقِ وَالتَّعْيِينِ). يعني أنه ﵀ كان يوجه كلام السلف في تكفير الجهمية، وغيرهم، أن ذلك خرج مخرج العموم، وأن ثم فرق بين التكفير المطلق، والتكفير المعين. ثم قال: (وَالتَّكْفِيرُ هُوَ مِنْ الْوَعِيدِ. فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ تَكْذِيبًا لِمَا قَالَهُ الرَّسُولُ، لَكِنْ قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ حَدِيثَ عَهْدٍ بِإِسْلَامِ، أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةِ بَعِيدَةٍ. وَمِثْلُ هَذَا لَا يَكْفُرُ بِجَحْدِ مَا يَجْحَدُهُ، حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ. وَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ لَا يَسْمَعُ تِلْكَ النُّصُوصَ، أَوْ سَمِعَهَا وَلَمْ تَثْبُتْ عِنْدَهُ، أَوْ عَارَضَهَا
[ ٣٨ ]
عِنْدَهُ مُعَارِضٌ آخَرُ، أَوْجَبَ تَأْوِيلَهَا، وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا) (^١).
فهذا الباب باب خطير، يجب التوقي منه، والحذر من التسرع فيه. وليس مقتضى ذلك ألا يحقق الكفر على مستحقه، فلا شك أن الله تعالى خلق الخلق؛ فمنهم كافر ومنهم مؤمن. كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢].
لكن تحقيق الكفر على معين يستلزم توفر شروط، وانتفاء موانع، كما أسلفنا. فإذا تحقق ذلك، فإنه يجب أن يوصف بما يستحق. وإذا لم يتحقق فإنه يجب التوقي والحذر، فلأَن تخطئ في إدخال أو في إبقاء وصف الإسلام على من لا يستحقه، خير من أن تخطئ في إخراج مسلم عن وصف الإيمان، لأن الخطأ في هذا أعظم.
وهؤلاء الذين يأتون هذه المكفرات، إن كان الأصل فيهم الإسلام، كما هو حال كثير من عوام المسلمين، إما لأنهم نشأوا في بادية بعيدة، ولم يوجد من يعلمهم، أو أضلهم علماء السوء، وأغروهم ببعض الأعمال الشركية، فإنهم لا يكفرون بأعيانهم، لأن الأصل فيهم الإسلام. والحكم الدنيوي، إذا مات أحدهم: أن يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين، وأمره إلى الله. ولا يمكن أن نخرج من الإسلام من دخل فيه، إلا ببينة وبرهان، كالشمس في رابعة النهار، بأن يبلغه العلم البين الواضح، وتقوم عليه الحجة الرسالية، فيأبى ويستكبر.
أما من كان من غير أهل الإسلام:
- فإنه في الأحكام الدنيوية: يحكم عليه بالكفر، ويعامل معاملة الكفار، بحسب حاله؛ من ذمي، أو معاهد، أو مستأمن، أو حربي.
_________________
(١) مجموع الفتاوى لابن تيمية (٣/ ٢٣٠)، وما بعدها.
[ ٣٩ ]
- أما الحكم الأخروي: فنقول كل كافر في النار، كل يهودي في النار، كل نصراني في النار. لكن ليس من لازم ذلك أن نحكم على معين بالنار، فلا نقول: فلان بن فلان في النار، فإن هذا أمر لا يعلمه إلا الله ﷿، بل نكتفي بالحكم العام. فلعل هذا الإنسان يكتم إيمانه! كما يحكى عن بعض القسيسين، في بعض البلاد، أنه يفتح عليهم الباب فجأة، فيوجد قد صف قدميه يصلي! لكنه يخاف من قومه أن يقتلوه، فيستخفي بإيمانه، كمؤمن آل فرعون: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر: ٢٨].
وقد أخبر النبي ﷺ عن رجل أتى بكلمة كفر محققة، ومع ذلك ما لبث أن غفر الله له: فعنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: " (أَنَّ رَجُلًا فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، رَاشَهُ اللهُ مَالًا وَوَلَدًا، فَقَالَ لِوَلَدِهِ: لَتَفْعَلُنَّ مَا آمُرُكُمْ بِهِ أَوْ لَأُوَلِّيَنَّ مِيرَاثِي غَيْرَكُمْ، إِذَا أَنَا مُتُّ، فَأَحْرِقُونِي - وَأَكْثَرُ عِلْمِي أَنَّهُ قَالَ - ثُمَّ اسْحَقُونِي، وَاذْرُونِي فِي الرِّيحِ، فَإِنِّي لَمْ أَبْتَهِرْ عِنْدَ اللهِ خَيْرًا، وَإِنَّ اللهَ يَقْدِرُ عَلَيَّ أَنْ يُعَذِّبَنِي، قَالَ: فَأَخَذَ مِنْهُمْ مِيثَاقًا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ، وَرَبِّي، فَقَالَ اللهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟ فَقَالَ: مَخَافَتُكَ، قَالَ فَمَا تَلَافَاهُ غَيْرُهَا) (^١)
قد قال كلمة كفر، وشك في قدرة الله: "وَإِنَّ اللهَ يَقْدِرُ عَلَيَّ أَنْ يُعَذِّبَنِي"، فهذه الجملة في حد ذاتها كفرية، لأنها تتضمن الشك في قدرة الله، والشك في البعث، وذلك كفر باتفاق. وأخذ عليهم العهود والمواثيق على ذلك. فلما أن مات صنع بنوه ما أوصاهم به، فأحرقوه، وسحقوه. فلما كان في يوم شديد الريح، ذرُّوا رماده؛ نصفه في البر، ونصفه في البحر، كما جاء في بعض الروايات. أمر الله البحر، وأمر البر
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٧٥٧)
[ ٤٠ ]
فألقيا مادته، فاستقام بين يديه خلقًا سويًا، فقال: أي عبدي! ما حملك على ما صنعت؟ قال: خشيتك. فما تلافاه أن غفر له.
فهذا يدل على أن الحكم على معين يجب التوقي فيه، حتى وإن بدا منه ما يوجب وصفه بالكفر؛ من شك، أو كفر، أو فعل ناقض. فالذي يتعلق بنا هو الأحكام الدنيوية الظاهرية، المتعلقة بالحياة؛ كالنكاح، والولايات، وبعد الممات؛ من غسل، ودفن، وتكفين، وميراث. وأما الحكم الأخروي فإلى الله، والله تعالى أعلم بما كانوا عاملين.
قوله: (وقد يقولها وهو يظنها تقربه إلى الله كما كان يظن المشركون): كما كان يظن المشركون، ويقول قائلهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، ومع ذلك، فقد حقق عليهم الكفر. فكذلك من شابه المشركين من المعاصرين؛ شابهوهم في علمهم بلا إله إلا الله، وأنها تعني توحيد الله بالعبادة، وناقضوا ذلك بأن صرفوا بعض أنواع العبادة لغير الله. فإن وقع ذلك ممن يدعي الإسلام، فلا فرق بينه وبين المشرك الأصلي.
قوله: (خصوصا إن ألهمك الله تعالى ما قص عن قوم موسى ﵇ مع صلاحهم وعلمهم أنهم أتوه قائلين اجعل لنا إلها كما لهم آلهة): يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨، ١٣٩].
قوله: (فحنئذ يعظم خوفه وحرصه على ما يخلصه من هذا وأمثاله): أراد المؤلف ﵀ التنبيه على خطر الشرك، وسرعة تسلله إلى
[ ٤١ ]
النفس؛ إذ الشيطان يسوغه، ويسلكه في النفس، لأنه أعظم مطالبه. فأعظم ما يتمنى الشيطان:
- أن يوقع العبد في الشرك، لأنه يدرك أنه إن أشرك أكبه الله معه في النار.
- فإن لم يتمكن من الشرك الأكبر، أوقعه في الشرك الأصغر.
- فإن لم ينل ذلك منه، أوقعه في البدعة.
- فإن لم ينل ذلك منه، أوقعه في الكبائر.
- فإن لم ينل ذلك منه، أوقعه في الصغائر.
- فإن لم ينل ذلك منه اكتفى منه بترك المستحبات، والوقوع في المكروهات.
فالشيطان عدو مبين، يتفنن في إغواء بني آدم، ويحاول أن ينال منهم ما استطاع. ولا يعيذ العبد من الشيطان إلا الله ﷿. ولو أن إنسانًا اعتمد على علمه، وعقله، وحذقه، ولم يستعن بالله، فما أسهل أن يلتقمه الشيطان. ولهذا يجب أن يقوي العبد اعتصامه بالله، وأن يكثر من الاستعاذة به من الشيطان الرجيم؛ من همزه، ونفخه، ونفثه، حتى يحفظه الله منه.
[ ٤٢ ]