قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(وقد من الله تعالى علينا بكتابه الذي جعله (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً)، فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها، ويبين بطلانها، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾، قال بعض المفسرين: هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة).
زاد المؤلف القارئ طمأنة بأن الله ﷾ -قد من عليه بمصدر العلم الحق، والسلاح المضاء، الذي يواجه به الأعداء، وهو الكتاب العزيز، فما أسعدنا بهذا الكتاب الذي حوى جميع هذه الأوصاف: التبيان، والهدى، والرحمة، والبشرى. لكن هذا التبيان:
- قد يكون تبيانًا تفصيليًا لمسألة معينة.
- وقد يكون تبيانًا عامًا، تندرج تحنه أفراد مسائل.
فلا يلزم أن يكون القرآن العظيم دائرة معارف يتضمن تفاصيل ودقائق المسائل، في الأمور الدنيوية المعاشية، في مختلف الفنون، لكنه يُرسي قواعد كلية ترسم منهجًا للمؤمنين، وفي بعض الحالات يعطي أمورًا تفصيلية لدعاء الحاجة إلى ذلك.
[ ٥٣ ]
- فإذا قال الله ﷾: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ الآية [المائدة: ٣]، فهذا تبيان تفصيلي للمحرمات من المطعومات.
- وإذا قال الله ﷿: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٣]، فهذا تبيان تفصيلي للمحرمات في النكاح؛ من النسب، المصاهرة، والرضاعة.
- وإذا قال الله ﷿: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، فهذا تبيان إجمالي بوجوب التأسي والأتباع.
- وإذا قال الله تعالى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، فهذا تبيان إجمالي في الرجوع إلى أهل العلم.
فلا يخرج شيء عن القرآن، لأن فيه (تبيان)، لكل شيء (وهدى)، الهدى في مقابل الضلال، (ورحمة)، الرحمة في مقابل العذاب، و(بشرى) البشرى في مقابل الأمر المخوف. كل هذه المزايا، بحمد الله، موجودة في كتابنا. فكن أيها المؤمن الموحد على طمأنينة.
قوله: (فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها، ويبين بطلانها): لكن قد يُهدى إليها المرء، وقد لا يهدى إليها، وإنما يستنبطها الراسخون في العلم. فلا يوجد شبهة يطلقها مبتدع مبطل من؛ خرافي، أو قبوري، أو صوفي، أو متكلم، ممن يخالف السنة، إلا وفي القرآن العظيم لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾: يعني المشركون ليعارضوا به دينك ودعوتك. ﴿إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾، وقد بقي هذا الحق الذي آتاه الله نبيه ﷺ مذخورًا، مزبورًا في كتابه، نرجع إليه في كل نازلة.
قوله: (قال بعض المفسرين هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة): ما ترك الله شاذة ولا فاذة، إلا وأودعها في كتابه، يستنبطها الراسخون في العلم.
[ ٥٤ ]
ومن عجائب ما نبه عليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه ما من أحد من المبطلين يستدل بآية على باطله، إلا وكان في تلك الآية ما ينقض باطله، لأن القرآن كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١، ٤٢]، فكل مبطل من هؤلاء الزائغين، الذين يريدون أن يسوقوا الباطل وينشروا البدعة، ويستدلوا على باطلهم بآية من كتاب الله، فإنه يكون في هذه الآية ما ينقض مرادهم ويعكس القضية عليهم. وقد ذكر شيخ الإسلام هذا الملحظ في مقدمة كتابه "درء تعارض العقل والنقل" ولهذا أمثلة يطول ذكرها.
[ ٥٥ ]
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(وأنا أذكر لك أشياء مما ذكر الله تعالى في كتابه، جوابًا لكلام احتج به المشركون في زماننا علينا. فنقول: جواب أهل الباطل من طريقين: مجمل، ومفصل. أما المجمل: فهو الأمر العظيم، والفائدة الكبيرة لمن عقلها، وذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، وقد صح عن رسول الله، أنه قال: «إِذَا رَأَيْتِم الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ المتَشَابَهَ ويتركون المحكم فأولئك الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ في كتابه فَاحْذَرُوهُمْ) (^١).
مثال ذلك: إذا قال لك بعض المشركين: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، أو: إن الشفاعة حق، أو: إن الأنبياء لهم جاه عند الله، أو: ذكر كلامًا للنبي ﷺ يستدل به على باطله، وأنت لا تفهم معنى الكلام الذي ذكره، فجاوبه بقولك: إن الله تعالى ذكر أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم، ويتبعون المتشابه، وما ذكرته لك من أن الله ذكر أن المشركين يقرون بالربوبية، وأن كفرهم بتعلقهم على الملائكة، أو الأنبياء، أو الأولياء، مع قولهم: ﴿هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٤٥٤٧)، ومسلم رقم (٢٦٦٥)، من حديث عائشة بدون قوله: (ويتركون المحكم).
[ ٥٦ ]
اللّهِ﴾، وهذا أمر محكم، لا يقدر أحد أن يغير معناه، وما ذكرته لي أيها المشرك من القرآن، أو كلام رسول الله ﷺ، لا أعرف معناه، ولكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي لا يخالف كلام الله ﷿.
هذا شروع من المؤلف ﵀ بعد هذه المقدمة الحافلة، في الحديث عن الشبهات التي يحتج بها أهل البدع، من مروجي الشرك، ووسائله، وأسبابه. ذلك أن مشركي زمانه، من مروجي الشرك، ودعاء غير الله ﷿ يتذرعون ببعض النصوص، والأدلة، يلبسون بها الحق بالباطل، ويشوشون بها أذهان العوام. فهم لا يقولون للعامة: أشركوا بالله! ادعوا غير الله! لكنهم يأمرونهم بأمور، هي في الحقيقة شرك في العبادة، ويلبسون على أتباعهم، ويحتجون على من نازعهم ببعض الأدلة. والمؤلف ﵀ قد تصدى لهم، ونازلهم في مواطن كثيرة، فجمع كثيرًا من هذه الشبهات في هذا السفر، الذي سماه كشف الشبهات. وقد ذكر فيه بضع عشرة شبهة من شبهاتهم التي يرددونها، وناقشهم على طريقة السؤال والجواب، وألحق بذلك فوائد متنوعة.
قوله: (فنقول إن جواب أهل الباطل من طريقين مجمل، ومفصل. أما المجمل: فهو الأمر العظيم، والفائدة الكبيرة لمن عقلها، وذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ الآية): هذا تقعيد عام. والواقع أن هذه القاعدة تنطبق على كل شبهة من الشبهات. فيمكن للمرء أن يجيب جوابًا مجملًا، ويمكن أن يجيب جوابًا
[ ٥٧ ]
مفصلً. ا أما الجواب المجمل: فهو المنهج الذي دل عليه قول الله تعالى في سورة آل عمران: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ). ف (الكتاب): القرآن. و(منه): للتبعيض، (آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ): أي: واضحات الدلالة، لا تحتمل إلا معنى واحدًا في الأذهان. (هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) أي: أكثره وغالبه. (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ): آيات أخر قليلة، لأن أم الكتاب وعامته من المحكم، فصار ما سواه قليل. (مُتَشَابِهَاتٌ)، أي يشتبه معناها على بعض الناس، فهي حمالة أوجه، يقع في النفس أنها كذا، أو أنها كذا، بسبب احتمال اللفظ لعدة معان في بعض الأذهان. وقد جعل الله ﷿ ذلك ابتلاء واختبارًا، لا أن هذه الآيات مجهولة المعنى بإطلاق، لا يمكن العلم بها، كلا! لكنها قابلة أن تلتبس على أهل الأهواء.
ثم ذكر انقسام الناس حيال هذا المتشابه، فجعلهم قسمين، وبدأ بالمذموم منهما:
١ - الزائغون: (فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ): يعني الذين انطوت قلوبهم على هوى وبدعة، (فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ): لأن النفوس المريضة، والقلوب المعتلة، تكون شغوفة بتتبع المتشابه، وحمله على المحامل الباطلة. (ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ)، لإثارة الفتنة، والفتنة هنا: لبس الحق بالباطل. (وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ)، أي محاولة بلوغ حقيقته، وكنهه، الذي هو عليه في الواقع. (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ)، أي لا سبيل لهم بالعلم بحقيقته وكنهه، فإن ذلك مما اختص الله بعلمه. وهذا التوجيه على القراءة المشهورة، قراءة الوقف.
٢ - الراسخون: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا
[ ٥٨ ]
يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. فقراءة الوقف، وهي القراءة المشهورة، مقتضاها أنه لا يعلم حقيقة ما أخبر الله تعالى به عن نفسه، وعن اليوم الآخر، من الأمور المغيبة، على ما هي عليه في الواقع، إلا الله. فلا سبيل لأحد أن يكيف صفات الله ﷿، ولا أن يكيف الأمور الغيبية مما يتعلق بيوم القيامة؛ من نصب الموازين، ونشر الدواوين، والمرور على الصراط، لا يمكن لأحد أن يحكي كيفيتها، بل هذا مما استأثر الله بعلمه.
قوله: (وعليه يحمل قول ابن عباس ﵄: (نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ» (^١):
١ - فالضرب الأول: تعرفه العرب من لغتها: كما تعرف العرب معنى "الغاسق"، ومعنى "وقب"، ومعنى "عسعس"، ومعنى "الرقيم"، ونحو هذه الألفاظ التي تطلب من المعاجم والقواميس، فيهتدي الإنسان إلى معاني هذه الألفاظ.
٢ - الضرب الثاني: لا يعذر أحد بجهالته: ومراده من ذلك المعلوم من الدين بالضرورة؛ فإذا قال الله تعالى: (أَقِيمُوا الصَّلَاةَ) فلا يسع أحدًا أن يفسر الصلاة على ما تعرفه العرب من لغتها، إذ الصلاة في لغة العرب معناها الدعاء، فليس لأحد أن يقول: إن معنى أقيموا الصلاة، أي: أقيموا الدعاء. معلوم أن الصلاة في لسان الشرع: عبادة ذات أقوال وأفعال، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم. فهذا الضرب لا يعذر أحد بجهالته، لأن الشرع نقله من الوضع اللغوي، إلى الوضع الاصطلاحي.
٣ - الضرب الثالث: ضرب لا يعرفه إلا العلماء: وذلك ما يتعلق
_________________
(١) تفسير الطبري (١/ ٧٠).
[ ٥٩ ]
بالناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والعام والخاص، وأسباب النزول. فهذه تتطلب سعيًا، وبحثًا، وإدراكًا. ولهذا لا يعرفها إلا العلماء، لكن يمكن الوصول إليها.
٤ - الضرب الرابع: لا يعلمه إلا الله: فمن ادعى علمه فقد كذب. وهو حقيقة، وكيفية ما أخبر الله تعالى به عن نفسه، أو عن اليوم الآخر، من الأمور المغيبة.
ومن أمثلة المتشابه:
الآيات الدالة على طلاقة المشيئة: كقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: ٨]، فيظن الجبري أن الإنسان مجبور على فعله، لا فعل له ولا اختيار. ويقابله القدري، بالآيات الدالة على إسناد الأفعال إلى العباد، كقول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ٧] فيعتقد أن الإنسان يخلق فعل نفسه، وأن الله ﷾ ليس له مشيئة، ولا خلق لأفعال العباد. فيقع في نوع آخر من اتباع المتشابه.
أما المؤمن الراسخ، فيبصر هذه الطائفة من النصوص، وهذه الطائفة المقابلة من النصوص، بكلتا عينيه، فيفهم من مجموعها ما دل عليه قول الله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨، ٢٩]، فيتبين له أن الله ﷾ أعطى العباد قدرة، ومشيئة، وفعلًا حقيقيًا، به يأتون ويذرون، وأن ذلك لا يخرج عن تقدير الله العام، الذي قدره منذ الأزل، فلا تتصادم عنده النصوص، بل تلتئم، وتتفق.
- مثال آخر: الآيات الواردة في إثبات الصفات: الدالة على أن الله له سمع، وبصر، ووجه، ويدان. فيقول الممثل: لا نعرف إلا ما هو
[ ٦٠ ]
معهود في الأذهان، فيثبت لله تلك الصفات على وجه ويماثل صفات المخلوقين. ويقابله المعطل بالآيات الدالى على التنزيه كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، وقوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤] فيتوهم أن الله تعالى ليس له صفات، فيقع في التعطيل.
أما المؤمن الموحد، فيبصر هذه الطائفة من الآيات، وهذه الطائفة من الآيات، بكلتا عينيه، ويتبين له من مجموع الآيات أن لله سبحانه أسماء وصفات تليق بجلاله وعظمته، لا تماثل صفات المخلوقين، فيرتفع عنه التشابه.
وهكذا في جميع الأمور التي وقع فيها اشتباه عند أهل الزيغ والأهواء
أما الصنف المقابل لأهل الزيغ، فهم الراسخون في العلم، وهو مراد المؤلف بالجواب المجمل فقد وصف الله طريقتهم بقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾: أي أن الراسخين في العلم إذا أشكلت عليهم بعض هذه الآيات، واشتبهت عليهم لأول وهلة، لم يتهموا النقل، بل اتهموا العقل، وردوا المتشابه إلى المحكم، لأن مصدرها جميعًا من عند الله. فما دامت هذه من عنده، وهذه من عنده، فلا يمكن أن تتعارضا. فإذا رأوا آيات تدل على طلاقة مشيئة الله، وأن الله يقضي ما يشاء، ويحكم ما يريد، ووقع في نفس أحدهم كيف قدر عليهم المعصية والكفر وعذبهم عليه! رجعوا إلى المحكم، كقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]، فاعتصموا بهذه المحكمات، وتمسكوا بها، وتأنوا حتى يتبين لهم محمل ما تشابه عليهم، وأمعنوا
[ ٦١ ]
النظر، وازدادوا بحثًا، وتأملًا، وسألوا أهل الذكر، فما قد يكون مشتبهًا على زيد، لا يلزم أن يكون مشتبهًا على عمرو، وما يكون مشتبهًا على طالب العلم في أول طلبه، لا يلزم أن يبقى مشتبهًا عليه طول عمره، فإن الله يكشف له الحقائق، ويزيل عنه اللبس، فيصبح المتشابه عنده محكمًا.
وليس في القرآن آيات مخصوصة، يشار إليها بالبنان، يقال عنها: الآيات المتشابهات بإطلاق، كلا! بل التشابه نسبي، مطلقا، إلا ما يتعلق بالكيفيات، فلا سبيل لدركه والإحاطة به. فثمَّ آيات تشتبه على أهل التمثيل، وآيات تشتبه على أهل التعطيل، آيات تشتبه على القدرية، وآيات تشتبه على الجبرية، آيات تشتبه على الوعيدية، وآيات تشتبه على المرجئة. أما أهل السنة والجماعة، فإنهم هدوا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، فصار كتاب الله ﷿، في حقهم، بمجموعهم، محكمًا.
وقد استدل المؤلف بقول النبي ﷺ: (إِذَا رَأَيْتِم الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ المتَشَابَهَ ويتركون المحكم فأولئك الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ في كتابه فَاحْذَرُوهُمْ) (^١)، وهو حديث متفق عليه، حذر فيه ﷺ من أهل الأهواء والبدع، الذين يزوقون باطلهم، ويزخرفونه بأنواع الشبه، ليسلكوه بين الناس. فإذا رأى الإنسان الذين يتبعون المتشابه، فيجب أن يحذر منهم؛ من أشخاصهم، ومن أساليبهم، وطرائقهم، وينأى بنفسه عنها، ويسلك طريقة الراسخين في العلم، المعتصمين بالكتاب والسنة.
وقد وصف الله كتابه كله بالإحكام تارة، وبالتشابه تارة، وبالإحكام والتشابه معًا. فينبغي التمييز بين أربعة مصطلحات:
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٦٢ ]
١ - الإحكام العام: قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]، وهو بمعنى الإتقان في أخباره وأحكامه. فالقرآن كله محكم بهذا الاعتبار، فليس في القرآن خلل ولا اضطراب بحال. ولو وقع عند إنسان اشتباه والتباس فمرده إليه هو، لا إلى الكتاب.
٢ - التشابه العام: قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]، وهو بمعنى تماثله وتناسبه، وأن بعضه يشبه بعضًا، ويصدق بعضًا، ويشهد بعضه لبعض.
٣ - التشابه الخاص: قال تعالى: (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ): وهو مشابهة الشيء لغيره من وجه، ومخالفته له من وجه آخر، فيقع من جراء ذلك اشتباه بعض الآيات على بعض الناس لعلة في الفهم والإدراك، أو نقص العلم، أو زيغ وهوى.
٤ - الإحكام الخاص: قال تعالى: (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ): هو الفصل بين الشيئين المشتبهين من وجه، المختلفين من وجه آخر. أي رفع التشابه الخاص، وبيانه، وتوجيهه، بحيث لا يعارض بعضه بعضًا.
ومراد المؤلف-﵀ من إيراد الآية، بيان الطريق الأول، وهو الطريق المجمل، بأن تعلم أن ما يورده عليك هؤلاء المشركون من شبهات، يتذرعون فيها بآيات قرآنية، أو نصوص نبوية، ينبغي ألا يزعزعك، بل تجيبهم بالقول: أنا لا أعرف ما تقولون، لكني أعلم قطعًا بكذا وكذا، من المحكم الذي لا يختلف عليه اثنان.
قوله: (مثال ذلك إذا قال لك بعض المشركين: "أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ"): يقصد مشركي زمانه، ممن يسوق للبدعة والشرك، فيستدلون بكرامة الأولياء عند الله، ويقولون: نحن ندعوهم لمنزلتهم عند الله!
[ ٦٣ ]
قوله: (أو: إن الشفاعة حق): أي: فلم تنكر علينا أن نطلبها من النبي ﷺ وندعوه قائلين يا رسول الله! اشفع لنا عند ربك؟
قوله: (أو: إن الأنبياء لهم جاه عند الله): أي: فنحن ندعو إبراهيم، أو موسى، أو عيسى، لأن لهم جاه عند الله، كما قال إبراهيم، ﵇: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، وعن موسى، ﵇: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]، وعن عيسى، ﵇: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٤٥].
قوله: (أو ذكر كلامًا للنبي يستدل به على شئ من باطله، وأنت لا تفهم معنى الكلام الذي ذكره): وهذا أمر وارد، يقع لكثير من عامة المؤمنين، من غير العلماء.
فهذه أربع شبه يوردها أهل الأهواء والبدع، على آحاد الموحدين، فماذا يصنع الإنسان الذي قد يخفى عليه الجواب المفصل؟ يلجأ إلى الجواب المجمل:
قوله: (فجاوبه بقولك: إن الله تعالى ذكر في كتابه أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبعون المتشابه. وما ذكرته لك من أن الله تعالى ذكر أن المشركين يقرون بالربوبية، وأن كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء والأولياء، مع قولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله، هذا أمر محكم بين لا يقدر أحد أن يغير معناه): أرشده المؤلف إلى أن يستدل عليهم بأمر محكم: وهو أن مشركي العرب كانوا مقرين بتوحيد الربوبية، وكان كفرهم بسبب دعاء الأولياء والملائكة والنبيين والصالحين، فلم يسلموا من مغبة الشرك مع إقرارهم بتوحيد الربوبية، بل أكفرهم الله تعالى، وقاتلهم رسول الله ﷺ ولم يغن عنهم ذلك شيئًا. وهذا أمر لا شك فيه، ولا نزاع.
[ ٦٤ ]
قوله: (وما ذكرت لي أيها المشرك من القرآن، أو كلام رسول الله ﷺ، لا أعرف معناه): يعني: أنا، شخصيًا، لا أعرف معناه وتوجيهه، ولا غضاضة أن يقول المرء لما لا يعلم: لا أعلم.
قوله: (ولكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي ﷺ لا يخالف كلام الله ﷿: فإذا كان ذلك ممتنعًا، تبين أن في استدلالك خللًا. وهذا مسلك عام يمكن أن يسلكه المؤمن في جميع أبواب الدين والاعتقاد، وهو أن يعتصم بنص محكم، واضح، بيَّن، يأوي إليه، ويتشبث به، وكل ما اشتبه عليه نص رده إليه.
فلو احتج عليك معطل للأسماء والصفات، بشبهات عقلية مزعومة؛ كشبهة "التجسيم" أو "التركيب" في نفي الصفات الخبرية، أو "حلول الحوادث" في نفي الصفات الفعلية، فاعتصم بما أخبر الله تعالى به في سورة الصمد، وفي آخر سورة الحشر، وفي آية الكرسي، من إثبات الأسماء والصفات لله. وإذا ادعى مدعٍ أنها على وجه يماثل المخلوقين: فاقرأ عليه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
وإذا قال لك إنسان: إن العبد يخلق فعل نفسه، فاقرأ عليه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، وإذا قال آخر: العبد مجبور على فعله، كالريشة في مهب الريح، فاقرأ عليه: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨]، فأثبت لنا مشيئة، واقرأ عليه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: ٥]، فأثبت لنا فعلا.
ثم علق المؤلف ﵀ على هذا الجواب بقوله: (وهذا جواب جيد سديد، ولكن لا يفهمه إلا من وفقه الله تعالى، ولا تستهونه، فإنه كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾).
[ ٦٥ ]
السداد: إصابة كبد الحقيقة. فمن عمل بالمحكم، وآمن بالمتشابه، فهو مسدد. وينبغي للعبد أن يسأل ربه الهدى والسداد، كما في حديث عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: (قُلِ اللهُمَّ اهْدِنِي وَسَدِّدْنِي، وَاذْكُرْ، بِالْهُدَى هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ، وَالسَّدَادِ، سَدَادَ السَّهْمِ) (^١). أي: إذا سألت الله الهدى، فاستحضر حالك، لو كنت بين مفارق طرق، تريد أن تقطع مفازة، لا تدري أين تذهب! كذلك الحال في هذه الدنيا، حيال الأقوال، والمذاهب، والاتجاهات. وفي الحديث القدسي: (يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ) (^٢)، فيجب الإنسان أن يستهدي بربه ﷾.
وإذا سألت الله السداد فاستحضر حالك، لو كنت تصوب سهمًا تريد أن يقع على هدف معين، فكذلك في الأمور التي تقصدها، اسأل الله ﷿ أن يوقعك الموقع الصواب، وأن يقود خطاك إلى مراده ومرضاته.
قوله: (ولكن لا يفهمه إلا من وفقه الله، ولا تستهونه): أي الاعتصام بالمحكم، وعدم اتباع المتشابه، وهو الجواب المجمل، فإنه من توفيق الله. وذلك يريحك من شر كثير، ومن لغط كثير، وقد لا تملك الجواب المفصل في كل موقف، فاعتصم بالجواب العام المحكم.
وأهل البدع يأتون إلى المناظرات، والسجالات، وقد تسلحوا بعديد من الشبهات، فربما يلقونها عليك دفعة واحدة، فتلحقك دهشة. فلا يهولنك ما ترى، و﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه: ٦٨]، كن في موقع الهجوم، لا في موقف الدفاع.
وبعض من يتصدى للمناظرات من الصالحين، في القنوات
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٧٢٥)
(٢) أخرجه مسلم رقم (٢٥٧٧).
[ ٦٦ ]
الإعلامية، أو في مواقع "الإنترنت"، يجره خصمه إلى مغالطات، ويشغله بأمور جانبية، فينسى موضوعه الأساسي. فلا تجعل الخصم يرسم لك الخطة! بادئه بناطق الكتاب، وصحيح السنة، ليشتغل هو بالجواب، ولا تجعل نفسك لقمة سائغة له، يقلبك يمنة ويسرة، ويوجه مسيرة الحديث، ارسم خارطة الطريق قبل أن تسير، واعرف ماذا تريد أن تدعوه إليه حتى لا يكسب الجولة، ويلبس على السامعين، ويضيع وقتك.
قوله: (فإنه كما قال تعالى: ﴿وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم﴾): استدل به المؤلف ﵀ بالمعنى العام للآية، وقد وقعت بعد قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٤، ٣٥]، يعني لا يصل إلى هذه المرتبة، وهي الدفع بالتي هي أحسن، إلا الصابرون، ممن لهم نصيب وافر. فهي تشمل فيما تشمل الدفع بالتي هي أحسن في مقام المناظرة. ومن ذلك: أن يوفق إلى جواب مجمل، يحسم به الأمر.
[ ٦٧ ]