قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(وهذا التوحيد هو معنى قولك: (لا إله إلا الله)، فإن الإله عندهم هو الذي يقصد لأجل هذه الأمور، سواء كان ملكًا، أو نبيًا، أو وليًا، أو شجرة، أو قبرًا، أو جنيًا، لم يريدوا أن الإله هو الخالق، الرازق، المدبر، فإنهم يعلمون أن ذلك لله وحده، كما قدمت لك، وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ (السيد). فأتاهم النبي ﷺ يدعوهم إلى كلمة التوحيد، وهي (لا إله إلا الله).
بيَّن المؤلف ﵀ حقيقة مهمة وهي: أن مشركي العرب الذين بعث فيهم النبي ﷺ كانوا يدركون مدلولات الألفاظ: ويعرفون مراد النبي ﷺ بشكل جلي، ولم يلتبس عليهم الأمر. كانوا يعرفون معنى (الإله)، وأنه المعبود الذي يقصد لأجل كشف الضر، ويتقرب إليه بالدعاء، والنذر، والاستغاثة، والاستعانة، وغير ذلك من العبادات، ولا يفسرون الإله بأنه الرب، بل يميزون بين لفظ "الإله" وبين لفظ "الرب". فالرب عندهم: هو الخالق، المالك، المدبر. وأما الإله: فهو من تألهه القلوب محبة، وتعظيمًا، وتتعلق به، مشتق من: أَلُه يألُه أُلوهة، من الوله، وهو التعلق والانجذاب.
[ ٢٥ ]
قوله: (وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ السيد): هذا، أيضًا، اصطلاح عرفي كان موجودًا زمن المؤلف، ولا يزال في بعض الأوساط، وخاصة عند الروافض، والصوفية، فيعتقدون في (السيد)، أنه وسيلة، وزلفى إلى الله ﷿ فيتقربون إليه، ويدعونه، ويتمسحون به، ويتبركون بآثاره، ويعتقدون فيه. فهم في الواقع يخلعون صفة الإله لهؤلاء المعظمين ممن يدعونهم من دون الله ﷿.
قوله: (فأتاهم النبي ﷺ يدعوهم إلى كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله): هذه الكلمة الشريفة، الثقيلة، العظيمة، مكونة من شقين: نفي، وإثبات؛ ف "لا إله" نفي، و"إلا الله" إثبات، ولا يتم التوحيد إلا بنفي وإثبات؛ نفي كل ألوهية لغير الله، وإثباتها لله وحده. فلو اقتصرت على النفي وحده، لكان في ذلك تعطيلٌ لألوهية الله ﷿. ولو اقتصرت على الإثبات وحده، وقلت: الله إله! فهذا لا يمنع المشاركة؛ فقد يقول قائل: نعم هو إله، وفلان إله، وفلان إله. فإذا قلت: لا إله إلا الله، فقد أفردته ﷾ بالألوهية. كما إذا قلت: زيد قائم، فقد أثبت القيام لزيد، لكن لا يمنع أن يكون عمرو قائم. وإذا قلت: لا قائم إلا زيد، فقد أفردت زيدًا بالقيام. ولهذا يقرن الله ﷾ دومًا بين النفي والإثبات، ولما قال الله تعالى في موضع: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣]، أردفه فورًا بقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة: ١٦٣].
[ ٢٦ ]