قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها. والكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي ﷺ بهذه الكلمة هو إفراد الله تعالى بالتعلق، والكفر بما يعبد من دونه، والبراءة منه، فإنه لما قال لهم: ﴿قولوا: لا إله إلا الله﴾، قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾).
قوله: (والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها): لو أن إنسانا ملأ الجو ب "لا إله إلا الله"، وهو مقيم على الشرك، لم تغنِ عنه شيئًا. لو أن إنسانًا طقطق بسبحته ب"لا إله إلا الله" وهو يدعو غير الله، ويرجو غير الله، ويذبح لغير الله، لم تغنِ عنه شيئًا، لأن فعله ناقض قوله. وكثير من الناس يقول: لا إله إلا الله دون أن يدرك معناها، ومقتضاها؛ إما إنه يظن أنها كلمة تقال للبركة! وإما أن يظن أنها تعني: لا خالق إلا الله؛ يفسر الألوهية بالربوبية. فالعبرة باعتقاد المعنى، لا بمجرد اللفظ.
قوله: (والكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي ﷺ بهذه الكلمة هو
[ ٢٧ ]
إفراد الله تعالى بالتعلق): قد يقول قائل: كيف يقول المؤلف والكفار الجهال يعلمون؟! هل الجهال يعلمون؟! مراد المؤلف بقوله الجهال: الدهماء والعامة، ومع ذلك يعلمون المعنى ولهذا كان رد فعلهم لما قال لهم قولوا لا إله إلا الله، قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]، لم يحملهم على ذلك جهل بالمعنى، بل كبر في النفوس، كما وصف تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥، ٣٦].
[ ٢٨ ]
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(فإذا عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك، فالعجب ممن يدعي الإسلام، وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار، بل يظن أن ذلك: هو التلفظ بحروفها، من غير اعتقاد القلب لشيء من المعاني! والحاذق منهم يظن أن معناها لا يخلق، ولا يرزق إلا الله، ولا يدبر إلا الله. فلا خير في رجل جهال الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله).
حُقَّ له أن يعجب، ﵀! إذا كان جهال الكفار وعوامهم ودهماؤهم يعرفون معنى لا إله إلا الله، ومقتضياتها ولوازمها، فكيف يخفى على من ينتسب إلى الإسلام، ولا يعرف تفسيرها كما يعرفه جهال قريش والعرب. بل يظن، مع انتسابه إلى الإسلام، بأن المراد التلفظ بحروفها فقط، دون فهم لمعناها. وربما كان مرد ذلك لأمرين:
أحدهما: الجهل باللسان العربي، ومدلولات الألفاظ، فلا يفهم العامي اليوم، ما يفهمه العربي القُحُّ، في الجاهلية.
الثاني: وجود علماء السوء، وسدنة الشرك، الذين يلبِسون على العوام دينهم، ويضلونهم على علم، لأجل لعاعة من الدنيا، وحفاظًا على وجاهتهم وسدانتهم.
ولكن العجب لا ينقضي إذا كان حاذقًا، فإنه يفسرها بتوحيد الربوبية! وكأنه يشير بذلك إلى تفسير المتكلمين لكلمة التوحيد، حيث
[ ٢٩ ]
يجعلون "الإله" على وزن الفاعل، لا المفعول، أي: بمعنى "الآلِه"، وليس "المألوه"، ويفسرونه بالقادر على الاختراع! أي بمعنى الرب الخالق. قال شيخ الإسلام، ابن تيمية، ﵀: (وبهذا وغيره يعرف ما وقع من الغلط في مسمى «التوحيد»، فإن عامة المتكلمين الذين يقرّرون التوحيد في كتب الكلام والنظر - غايتهم أن يجعلوا التوحيد ثلاثة أنواع، فيقولون: هو واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وأشهر الأنواع الثلاثة عندهم هو الثالث: وهو توحيد الأفعال وهو أن خالق العالم واحد، وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة التمانع وغيرها، ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب، وأن هذا هو معنى قولنا: لا إله إلا الله، حتى قد يجعلون معنى الإلهية القدرة على الاختراع) (^١). ثم شرع في بيان غلطهم.
_________________
(١) التدمرية: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع. (ص: ١٧٩ - ١٨٠)
[ ٣٠ ]