قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(وإلا، فهؤلاء المشركون يشهدون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له، وأنه لا يرزق إلا هو، ولا يحيي ولا يميت إلا هو، ولا يدبر الأمر إلا هو، وأن جميع السماوات السبع ومن فيهن، والأرضين السبع ومن فيها، كلهم عبيده، وتحت تصرفه، وقهره).
العرب الذين بعث فيهم نبينا ﷺ كانوا مقرين بتوحيد الربوبية؛ مقرين بأن الله هو الخالق المالك ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩]، مقرين بأن الله، ﴿يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨]، مقرين بأن الله ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ [يونس: ٣]، مقرين بأن الله، ﴿يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢]، فلا ينازعون في توحيد الربوبية.
ذلك أن توحيد الربوبية مغروس في الفطر، لا يكاد ينكره إلا أفاك أثيم، وأشهر من عرف في البشرية بإنكار توحيد الربوبية: فرعون، الذي حمله الإباء والاستكبار أن يقول: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣]، لكنه كان في الحقيقة مكابرًا معاندً؛. فإن ما في قلبه خلاف ذلك، ودليل
[ ١٧ ]
ذلك أن موسى ﵇ قال بعبارة واثقة، وكأنما فلق صدره: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢]، أي: فلا تغالط! وكذلك حكى الله عنه وعن ملئه، فقال ﷾: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، فهم في الحقيقة معترفون في قرارة أنفسهم بالحق. فتوحيد الربوبية أمر فطري. على أنه قد يلحقه نوع تشوش وغلط، فلا نقول إن المشركين كانوا على صفاء ونقاء في توحيدهم الربوبية، بل كان فيهم شوائب وشرك، كاعتقادهم بأن من المخلوقات من له تأثير وتدبير.
[ ١٨ ]
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(فإذا أردت الدليل على أن هؤلاء المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يشهدون بهذا، فاقرأ عليه: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُم مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ﴾ [يونس: ٣١] وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩] وغير ذلك من الآيات).
لا مزيد ولا بيان، أوضح وأصرح من هذا البيان الذي ذكره الله تعالى في آيات سورة يونس، وفي سورة المؤمنون، من إقرار المشركين بالربوبية ومقتضيات ومقتضياتها. لكن العجب لا ينقضي كيف لا يسلمهم ذلك إلى الإقرار بتوحيد العبادة! لهذا كرر النكير عليهم بقوله: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ٦٥]، ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣]، ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩].
إن الترتيب المنطقي يقتضي إنك إذا أقررت بأن الله هو الخالق، المدبر، المالك، الذي يجير ولا يجار عليه، ويُطعم ولا يطعم، إلى غير ذلك من صفات الربوبية، أن تعبده وحده، ولا تعبد سواه. لكن الشيطان تلاعب بعقول بني آدم، فرغم إقرارهم بهذا، إلا أنهم صرفوا العبادة
[ ١٩ ]
لغير الله! فالعلاقة بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، تتلخص في قضيتين:
١ - توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية.
٢ - توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية.
وبيان ذلك: أن توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية؛ لأن من أقر بربوبية الله ﷿ فلازم ذلك أن يعبده وحده دون ما سواه، ومن كان يعبد الله وحده دون ما سواه، فذلك يدل على اعتقاده بأن الله تعالى هو الرب الخالق، المالك، المدبر. فبينهما علاقة وثيقة. لكن الشيطان فصم هذه العلاقة وبترها، حتى وجد هؤلاء المشركون الذين يقرون بتوحيد الربوبية، ولا يأتون بتوحيد الألوهية.
إن أول أمر في كتاب الله قوله تعالى في سورة البقرة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، هذا أمر بتوحيد الألوهية، ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾، هذا استدلال بتوحيد الربوبية، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١، ٢٢]، هذا نهي عن الشرك المنافي لتوحيد الألوهية. فصدر النداء بالأمر بتوحيد الألوهية، وأسسه على الإقرار بتوحيد الربوبية، وختمه بنبذ الشرك. هذه طريقة القرآن في الإلزام.
[ ٢٠ ]