قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(إذا تحققت أنهم مقرون بهذا، وأنه لم يُدخلهم في التوحيد الذي دعت إليه الرسل ودعاهم إليه رسول الله ﷺ، وعرفت أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة، الذي يسميه المشركون في زماننا (الاعتقاد)، وكانوا يدعون الله ﷾ ليلًا ونهارًا، ثم منهم من يدعو الملائكة، لأجل صلاحهم، وقربهم من الله ﷿، ليشفعوا لهم، أو يدعوا رجلًا صالحًا مثل اللات، أو نبيًا مثل عيسى، وعرفت أن رسول الله ﷺ، قاتلهم على هذا الشرك، ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤]، وتحققت أن رسول الله ﷺ قاتلهم ليكون الدعاء كله لله، والذبح كله لله، والنذر كله لله، والاستغاثة كلها بالله، وجميع أنواع العبادات كلها لله، وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة، أو الأنبياء، أو الأولياء، يريدون شفاعتهم، والتقرب إلى الله بذلك، هو الذي أحل دماءهم، وأموالهم، عرفت حينئذٍ التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢١ ]
هذه قطعة تضمنت خمسة أفعال شرط متعاطفة: (فإذا تحققت)، (وعرفت)، (وعرفت)، (وتحققت)، (وعرفت). ثم جاء الجواب: (عرفت حينئذ التوحيد)، وكأن جواب الشرط وجزاءه، لا يتحقق إلا بمجموعها. وقد يتشتت الذهن أثناء قراءة هذه المتعاطفات، فلا يدرك المراد. فلننظر كيف رتب المؤلف-﵀ النتيجة على هذه المقدمات يقول-﵀:
١ - إذا تحققت: يعني حصل عندك تحقيق، ويقين، أن المشركين مقرون بالربوبية. ولم يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ: لو كان توحيد الربوبية هو التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ لكان هذا تحصيل حاصل ولما كان هناك داع لبعثة محمد ﷺ.
٢ - وعرفت: أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة، يقول قائلهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٥ - ٧]. عن ابن عباس، ﵄، قال: (لما مرض أبو طالب، دخل عليه رهط من قريش، فيهم أبو جهل بن هشام، فقالوا: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا، ويفعل ويفعل، ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته. فبعث إليه، فجاء النبي ﷺ فدخل البيت، وبينه وبين أبي طالب قدر مجلس رجل، قال: فخشي أبو جهل إن جلس إلى جنب أبي طالب، أن يكون أرق له عليه، فوثب فجلس في ذلك المجلس، ولم يجد رسول الله ﷺ مجلسًا قرب عمه، فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب: أي ابن أخي، ما بال قومك يشكونك؟ يزعمون أنك تشتم آلهتهم، وتقول وتقول! قال: فأكثروا عليه القول، وتكلم رسول الله ﷺ فقال: "يا عَمّ إنّي أُرِيدهُمْ عَلى كَلِمَةٍ
[ ٢٢ ]
وَاحِدةٍ يَقُولُونَهَا، تَدِينُ لَهُمْ بِها العَرَبُ، وتُؤَدِّي إلَيْهِم بِها العَجَمُ الجِزْيَةَ"، ففزعوا لكلمته، ولقوله، فقال القوم: كلمة واحدة؟ نعم وأبيك، عَشْرًا. فقالوا: وما هي؟ فقال أبو طالب: وأيّ كلمة هي يا ابن أخي؟ قال: "لا إلَهَ إلا الله". قال: فقاموا فزِعين، ينفضون ثيابهم، وهم يقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾، قال: ونزلت من هذا الموضع إلى قوله: ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾) (^١).
هكذا كانت طريقة تفكيرهم! يريدون الإبقاء على تعدد الآلهة، لا يريدون أن يوحدوا الله الواحد القهار. فهذا معنى قول المؤلف: (وعرفت أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة الذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد). ولعل هذا الاصطلاح (الاعتقاد)، كان ذا دلالة عرفية في زمن المؤلف، يعبر به مشركو زمانه عن تعلقهم ببعض المدعوين من المقبورين، أو الأولياء، فيقول أحدهم إنه يعتقد بالسيد فلان، يعتقد بالشيخ فلان؛ أنه وسيلة إلى الله في جلب النفع ودفع الضر، وقضاء الحاجات، وربما اعتقدوا أنه يملك ذلك أيضًا، فيدعونه.
وقوله: (وكانوا يدعون الله ﷾ ليلًا ونهارًا، ثم منهم من يدعو الملائكة، لأجل صلاحهم، وقربهم من الله ﷿، ليشفعوا له، أو يدعوا رجلًا صالحًا مثل اللات، أو نبيًا مثل عيسى): يعني أنهم كانوا يجمعون بين دعاء الله، ودعاء غير الله، وهو عين الشرك.
واللاَّت بالتشديد: اسم لرجل كان يلت السويق للحجاج، فلما مات عظموه. وبالتخفيف: صخرة بيضاء منقوشة، كانت بالطائف. وقيل إنه كان يلت السويق على تلك الصخرة. والظاهر أن مراد المؤلف في هذا السياق الشخص، لا الصخرة.
_________________
(١) تفسير الطبري رقم (٢١/ ١٥٠).
[ ٢٣ ]
٣ - وعرفت أن رسول الله ﷺ قاتلهم على هذا الشرك: يعني بلغ الأمر بالنبي ﷺ أن يقاتل قومًا مقرين بأن الله هو الخالق، الرازق، المالك، المدبر، بعد أن دعاهم إلى إخلاص العبادة لله، فأبوا، فأمر بقتالهم.
٤ - وتحققت أن رسول الله ﷺ قاتلهم ليكون الدعاء كله لله: أراد منهم النبي ﷺ توحيد العبادة، بأن يكون الدعاء كله لله، إذ الدعاء هو العبادة، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، وفي الحديث: (الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ (^١).
قوله: (والذبح كله لله، والنذر كله لله، والاستغاثة كلها لله، وجميع أنواع العبادات كلها لله): كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢].
٥ - وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة، أو الأنبياء، أو الأولياء، يريدون شفاعتهم، والتقرب إلى الله بذلك، هو الذي أحل دماءهم وأموالهم): فتوحيد الربوبية لم يحقن دماءهم، والشرك في العبادة أحل دماءهم وأموالهم.
فبعد هذه المقدمات الشرطية الخمس، تأتي النتيجة القطعية: (عرفت حينئذ التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون): وهو توحيد العبادة. فهذا جواب الشرط وجزاؤه.
_________________
(١) أخرجه أبو داود رقم (١٤٧٩)، والترمذي رقم (٢٩٦٩).
[ ٢٤ ]