١ - تمهيد.
٢ - منهج البيهقي.
٣ - طريق النظر إلى المخلوقات.
٤ - طريق المعجزة.
٥ - طريق الحدوث.
تمهيد:
يعتبر الإيمان بوجود الله تعالى أصل الأصول في الدين، وهذا الإيمان أمر فطري في البشر جميعًا، إذ كل إنسان يقر بوجود الله تعالى - منذ عهد آدم ﵇، والعقل البشري يدرك هذه الحقيقة الجلية، بما أودع الله فيه من ضرورة يحس بها، دون أن يكون بحاجة إلى منهج مرسوم يسلكه للتعرف على خالقه، بارئه ومكونه، موجده من العدم، وميسر رزقه وتقلبه في هذه الحياة، إذ كانت الإشارات التي تشير إلى الله أكثر من أن تحصى، إنها تنبعث من كل موجود، من النبتة الصغيرة الملتصقة بالأرض، إلى النخلة الباسقة الذاهبة في السماء ومن النمل يدب على الأرض إلى النسور المحلقة في الفضاء.
بل من كل كائن في الأرض، إلى كل كوكب ونجم في السماء، كل هذه المخلوقات تشير إلى هذه الحقيقة، إشارة ضرورة لازمة، وحتمية مطلقة، فهي من الأمور القطعية، التي تضافرت الأدلة الحسية على إثباتها، يشهد لذلك قول ذلك الأعرابي: "البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، أفلا تدل على الصانع الخبير؟ "١
_________________
(١) ١ من خطبة لقس بن ساعده. انظر: جوهر الأدب لأحمد الهاشمي٢/١٩، والبيان والتبيين للجاحظ١/١٦٣.
[ ١١٤ ]
فهذا الأعرابي قد أدرك بفطرته السليمة التي فطره الله عليها أن هذه المخلوقات بما فيها من عجائب، ونظام محكم، من تعاقب الليل والنهار، ومن سماء مزينة بالنجوم والكواكب مسيرة بدقة متناهية لا يمكن أن توجد إلاّ بسبب أوجدها، وصيرها إلى ما هي فيه من إحكام وإتقان.
والتاريخ المصري القديم يحكي لنا قصة ذلك الرجل المغامر (سنوحى) الذي فر من مصر، وأخذ يتنقل في بلاد الشرق الأدنى وحظي فيها بضروب النعيم والشرف، ولكنه لم يطق فراق وطنه، فقد برح به، الحنين إلى بلاده، فاتخذ سبيله للعودة إليها، وفي الطريق لقي أهوالًا مروعة، فكان يناجي من يأخذ بيده، أنه لا يعرف من يناجيه ولكنه يثق في ضميره بأن هناك قوة مطلقة لا حدود لها، ولكن أين هي؟، وما كنهها؟ إنه لا يدري، ومع هذا فهو يهتف بها في أعماقه قائلًا: "ألا أيها الإله، أيا كنت، يا من قدرت على الفرار، أعدني إلى وطني"١.
إنها صرخة الاستغاثة والنجدة، تنطلق من ضمير الإنسان إلى تلك القوة المطلقة، التي يؤمن بوجودها دون أن يراها.
والقرآن الكريم يحكي لنا وجود هذه الفطرة في قلوب المشركين فهم يلوذون بها في حال الشدة كما قال تعالى عنهم: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ قصة الحضارة، ول، ديورانت ٢/١١١. ٢ سورة يونس آية: ٣٣.
[ ١١٥ ]
وهكذا، فإن هذه القضية وإن كانت جافة على الصعيد الفلسفي فهي بدهية على الصعيد الحسي، لا تحتاج إلى برهان، لأنها من ضرورات الفطرة، لذا فإن القرآن الكريم يطرحها كقضية مسلمة لا تحتاج إلى استدلال، ولا تحتمل الجدال والمماراة، انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ١. وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢. وهاك مثلًا آخر على ارتكاز هذه القضية في الفطرة، وضرورة الإحساس بها، فنحن نعلم جميعًا المطلب الأسمى الذي أفنى الفلاسفة حياتهم في سبيل الوصول إليه وتبين حقيقته فكل منهم سلك الطريق التي رآها مناسبة لإيصاله إلى بغيته، فوضع الأدلة، ووصل بها إلى ما أراد، فضلًا عن كونهم وصلوا إلى الإله الحق، أم أنهم وصلوا إلى مجرد وجود إله، أيًا كان في تصورهم، إذ المهم أنهم وصلوا إلى حقيقة أحسوا بالضرورة إليها وعدم الاستغناء عنها فأدركوا أن لهذا الكون موجدًا ثم إن هذه الغريزة الفطرية لم تكن قاصرة على البشر وحدهم بل كل مخلوق على هذه الأرض يحس بها ويهرع إليها، ولعل من أبرز الأدلة على ذلك قصة الهدهد مع سليمان ﵇، التي ذكرها القرآن الكريم في قوله سبحانه حكاية عن الهدهد: ﴿فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ﴾ - إلى قوله – ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت آية: ٥١. ٢ سورة الزخرف آية: ٨٧. ٣ سورة النمل آية: ٢٢-٢٦.
[ ١١٦ ]
فهذا كلام الهدهد كما اتفق على ذلك المفسرون، وهو طير من الطيور، فهو - كما يقول عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ – "غديم العقل، يصيح كغيره من الطيور، قد خاطب سليمان بأعظم التوحيد، وأعلمه بغير ذلك"١.
بعد هذا كله يتبين لنا أن وجود الله تعالى أمر فطري لا يحتاج إلى دليل، والدليل إنما يكون عند تغير الفطرة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "الإقرار بالخالق وكماله يكون فطريًا في حق من سلمت فطرته، وإن كان مع ذلك قد تقوم عليه الأدلة الكثيرة، وقد يحتاج إلى الأدلة عليه كثير من الناس عند تغير الفطرة وأحوال تعرض لها"٢.
والشيطان دائم الحرص على تغيير هذه الفطرة، وإفسادها باجتبال من يقدر عليه من بني الإنسان، فنحن نلاحظ أن المجتمع الإنساني لا يخلو من وجود فئة ملحدة، تنكر وجود الله تعالى، لذلك وجد الاستدلال على هذه القضية الفطرية، لتقوم الحجة على تلك الطائفة الشاذة عن الطبيعة الإنسانية، والمتمردة على الفطرة الثابتة في نفوس البشر جميعًا، حتى فيهم أنفسهم، إذ إن ما يظهر من بعض الملحدين من الكفر بالله، والاستهزاء
_________________
(١) ١ مجموعة الرسائل الكبرى٢/٣٤٤. ٢ مجموع الفتاوى٦/٧٣، وما قررناه هنا من أن الإقرار بالخالق أمر فطري، وأن الانحراف أمر طارئ على الإنسانية حين فساد الفطرة، هو ما قرره الغزالي في كتابه (إحياء علوم الدين) (١/ ٩٣، ٩٤)، وابن القيم في (إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان) (٢/١٥٢)، وعزاه شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة إلى الجمهور ٢/٢٠٢.
[ ١١٧ ]
برسله الداعين إليه، وإلى إفراده بالعبادة فإن ذلك لا يعني أنه مبني على يقين كامل بعدم وجود إله واحد، خالق لهذا الكون، ومصرف لأموره، وإنما هو مكابرة، وتحويل للفطرة التي فطر الله الناس عليها، من أجل الحصول على غرض شخصي، من ادعاء للألوهية، كما فعل فرعودن، أو من أجل التجرد عن القيم الإنسانية التي دعا إليها الرسل والتفرغ للمادة وجعلها هي الإله كما فعل الملحدون في العصر الحديث.
والملحدون لا يقدرون على تقديم أدلة على إلحادهم، وكل ما يفعلونه شبه واهية، يوجهونها إلى الدين، وهي شبه واضحة البطلان.
وقصارى القول: إن الأدلة التي يرشد إليها القرآن الكريم إنما تكون للمؤمن ليزداد معرفة بالله، وعظمته، وكمال قدرته، وفي حق من فسدت فطرته واعظة ومرشدة للعودة إلى الفطرة التي ند عنها، وتنكر لها.
وقبل أن أبدأ في بيان الأدلة التي سلكها البيهقي لإثبات وجود الله، إليك إيجازًا لمسلك كل من الفلاسفة والمتكلمين في الاستدلال على هذه القضية، حتى يتبين لنا اتجاه شيخنا البيهقي:
١ - المتكلمون:
سلك المفكرون في إثبات وجود الله تعالى طرقًا متعددة، فالمتكلمون كان عمدتهم في ذلك حدوث العالم، وقد بين ذلك صاحب المواقف بقوله: "قد علمت أن العالم إما جوهر أو عرض، وقد يستدل على إثبات الصانع بكل واحد منهما إما بإمكانه أو بحدوثه، فهذه وجوه أربعة"١.
_________________
(١) ١ المواقف للإيجي (قسم الإلهيّات) تحقيق الدكتور أحمد المهدي ص: هـ، وقد ذكر ابن رشد هذا المسلك على أنه للأشاعرة إلا أنه أشار إلى موافقة المعتزلة لهم فيه بقوله: "وأما المعتزلة فإنه لم يصل إلينا في هذه الجزيرة من كتبهم شيء نقف منه على طرقهم التي سلكوها في هذا المعنى، ويشبه أن تكون طرقهم من جنس طرق الأشاعرة". انظر مناهج الأدلة ص: ١٥١، والأمر كما قال. انظر شرح الأصول الخمسة ص: ٩٢.
[ ١١٨ ]
ولسنا بحاجة إلى بيان هذه الطرق جميعها، فإن فيها كلامًا كثيرًا لا موضع له هنا، وحسبنا أن نشير إلى أن المتكلمين جميعًا بنوا رأيهم في إثبات وجود الله تعالى على حدوث العالم، ذهابًا منهم إلى أن الحدوث هو العلة المحوجة إلى المؤثر، وأنه إذا ثبت أن العالم حادث، كان لا بد له من محدث يخرجه من حيز العدم إلى حيز الوجود وسيأتي لهذا الدليل مزيد بيان - إن شاء الله - حيث إنه من الأدلة التي سلكها البيهقي، لاقتناعه بصحتها.
٢ - الفلاسفة:
وقد سلكوا في إثبات وجود الله تعالى طريق الوجوب والإمكان وقسموا الموجودات إلى واجب، وممكن، بدلًا من قديم وحادث، وذلك نظرًا لأنهم لا يقولون بحدوث العالم، فاستدلوا بالإمكان بدل الحدوث، وقد لخص صاحب المواقف هذا الاستدلال فقال: "المسلك الثاني: للحكماء وهو أن - في الواقع - موجودًا، فإن كان واجبًا فذاك، وإن كان ممكنًا احتاج إلى مؤثر، ولا بد من الانتهاء إلى الواجب وإلا لزم الدور أو التسلسل"١. وهذا محال.
وليس هذا محل تفصيل لهذا الدليل فأكتفي بما أوردته من تلخيص الإيجي له، ومن أراد المزيد فعليه بإشارات ابن سينا الذي استوفى تفصيله هناك٢.
_________________
(١) ١ المواقف ص:٨. ٢ انظر: الإشارات والتنبيهات لابن سينا٣/٤٤٧-٤٤٥.
[ ١١٩ ]
منهج البيهقي:
أمّا عن الشيخ البيهقي، فإنه قد تبين لنا من خلال تتبعنا لما ذكره من استدلال على هذه القضية أنه يركز على الأدلة الشرعية الواردة في هذا الموضوع، ويذكر طريقة المتكلمين أيضًا على أنها طريقة صحيحة، ورد بها القرآن الكريم، جريًا على ما ذكروه من تأييد لها، إلا أنه - كما سيتبين إن شاء الله - اهتم اهتمامًا بالغًا بطريقة النظر التي أوردها القرآن الكريم، وبطريق المعجزة التي هي الأخرى من الطرق الشرعية التي يمكن الاستدلال بها. أما عن طريق الفلاسفة فإن البيهقي لم يتعرض لها بتأييد ولا نقد.
وإذًا فالطرق التي سلكها تنحصر في ثلاث:
- طريق النظر في المخلوقات.
- طريق المعجزة.
- طريق الحدوث.
ولنبدأ أوّلًا بأهم الطرق التي سلكها البيهقي - ﵀ - وهي:
طريق النظر في المخلوقات:
فهذا الكون الفسيح، بما فيه من عجائب مخلوقات الله تعالى بل نفس الإنسان، وهي أقرب ما يمكن التفكر فيه، والتدبر في ذلك التناسق العجيب بين كافة الأعضاء، التي خلقها الله، وركبها في الجسم البشري، ووكل إلى كل منها وظيفة مهمة يؤديها على أكمل وجه وأدق نظام.
[ ١٢٠ ]
كلّ هذه الأمور وغيرها مما يشتمل عليه هذا الكون الفسيح من عجائب مخلوقات الله، كل ذلك يدل بوضوح على أن لهذا الكون خالقًا أوجده، وقدر جميع ما يجري فيه.
فالإنسان أينما جال بنظره، وتمعن بفكره، رأى دليلًا على وجود الله.
وهذا النظر عند البيهقي - إما أن يتجه إلى الكون بما فيه من مخلوقات، وإما أن يتجه إلى الإنسان نفسه.
١ - فأما النظر في الملكوت:
فإن من نظر إلى السماوات، بما فيها من أجرام، وإلى الأرض بما فيها من كائنات مختلفة الأنواع والألوان، استطاع أن يصل من نظره ذاك إلى إثبات وجود الله خلق تلك الكائنات، وسيرها بنظام، وحكمة تدل على عظم خالقها، وقدرته البالغة.
يقول البيهقي بعد سوقه لقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١.
يقول: "فذكر الله ﷿ خلق السماوات، بما فيها الشمس، والقمر، والنجوم المسخرات، وذكر خلق الأرض بما فيها من البحار، والأنهار والجبال، والمعادن، وذكر اختلاف الليل والنهار، وأخذ أحدهما من الآخر
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية: ١٦٤.
[ ١٢١ ]
وذكر الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، وذكر ما أنزل من السماء من المطر الذي فيه حياة البلاد، وبه وبما وضع الله في الليل والنهار من الحر والبرد يتم رزق العباد، والبهائم والدواب، وذكر ما بث في الأرض من كل دابة مختلفة الصور والأجساد، مختلفة الألسنة والألوان، وذكر تصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض، وما فيهما من منافع الحيوانات وما في جميع ذلك من الآيات البينات لقوم يعقلون"١.
فهذه أمور واضحة محسوسة، إذا تمعن فيها الإنسان وحكم عقله خلص من ذلك إلى أن هذه كائنات لم يكن وجودها ذاتيًا، ولم يكن لها أن تسير أنفسها بتلك الدقة المتناهية، وذلك التناسق العجيب بل وجودها وفق هذا النظام المحكم دليل واضح على أن لها موجدًا خلقها، وقدر فيها وظائفها الموكول إليها تأديتها، وسيرها نحو أداء الغرض الذي خلقت من أجله بغاية الدقة والإحكام.
ثم أردف البيهقي - ﵀ - بسوق آية أخرى تتضمن الأمر الإلهي بالنظر السابق حيث قال: "ثم أمر في آية أخرى بالنظر فيهما فقال لنبيه ﷺ: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ٢. يعني - والله أعلم - من الآيات الواضحات والدلالات النيرات، وهذا لأنك إذا تأملت هيئة هذا العالم ببصرك، واعتبرتها بفكرك، وجدته كالبيت المبني المعد فيه جميع ما يحتاج إليه ساكنه من آلة وعتاد، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض
_________________
(١) ١ الاعتقاد ص:٦، ٧. ٢ سورة يونس آية: ١٠١.
[ ١٢٢ ]
مبسوطة كالبساط، والنجوم منضودة كالمصابيح، والجواهر مخزونة كالذخائر، وضروب النبات مهيأة للمطاعم والملابس والمآرب، وصنوف الحيوان مسخرة للمراكب، مستعملة في المرافق، والإنسان كالمملك البيت المخول ما فيه، وفي هذا دلالة واضحة، على أن العالم مخلوق بتدبير وتقدير ونظام، وأن له صانعًا حكيمًا، تام القدرة، بالغ الحكمة ١.
فهذا التكامل التام الذي نجده مودعًا في هذا الكون، أرضه وسماءه، يدلّ على وجود الخالق الذي أوجده وقدر ذلك الإحكام الكامل والتناسق التام، إذ لا قيمة لأرض بدون سماء هي مصدر نورها، ومنبع حياتها إذ منها ينزل المطر الذي جعله الله مصدر الحياة، ثم هذه الحياة لا قيمة لها بدون هذه الأرض التي أودع الله فيها صنوف الخيرات من أجل إسعاد هذا الإنسان الذي استخلفه الله، واستعمره فيها.
فالبيهقي - رحمه الله تعالى - يرى ضرورة الاستدلال لإثبات الصانع، بالأدلة الشرعية التي ورد بها القرآن الكريم، وهي نفس الآيات التي يستلزم العلم بها العلم بالله تعالى، استلزام العلم بالشعاع العلم بوجود مصدره. وهي - ولا ريب - طريقة سليمة، خالية من التعقيد، وجلية عن الغموض الذي اكتنف طرق المتكلمين، ولا غرو فهي طريقة القرآن الكريم التي أراد الله ﷾ من خلالها أن تكون في متناول جميع الطبقات، وفي مستوى جميع العقول.
وهذه الطرق قد اشتملت على نوعين، ذكرها ابن رشد، وبين أنهما الطرق الشرعية السليمة التي سلكها القران الكريم، وأرشد إليها٢.
_________________
(١) ١ الاعتقاد ص: ٧. ٢ انظر: مناهج الأدلة ص: ١٥١-١٥٥.
[ ١٢٣ ]
وهما ما يسمى بدليل العناية، ودليل الاختراع. وكلا الآيتين السابقتين متضمنة لهذين النوعين من الأدلة.
٢ - وأما النظر في الأنفس:
فإن فيها من آثار الصنعة الإلهية ما يشير إلى إثبات الصانع، لأن الإنسان إذا نظر في نفسه وجدها تشتمل على ما لا يستطيع هو إيجاده فللإنسان يدان يبطش بهما، ورجلان يمشي عليهما، وعينان يبصر بهما ويلاحظ من نفسه أمورًا عجيبة، لا يمكن أن تكون وليدة صدفة، فلا بد لها من مكون، حكيم في صنعه وتقديره، فالإنسان بعد خروجه من بطن أمه يمر بأطوار شتى، فمن الطفولة يرتقي إلى طور أشد فأشد، ثم يرد في نهاية ذلك إلى أرذل العمر، وقبل ذلك في بطن أمه، يمر بأطوار أيضًا لا قدرة لمخلوق على القيام بإمرار نفسه فيها، فمن نطفة، إلى علقة، إلى مضغة، ثم إلى عظام، ثم يكسو العظام لحمًا، ثم يكون خلقًا آخر..
فتبارك الله أحسن الخالقين. ولبيان هذه الطريق يقول البيهقي: "وحثهم على النظر في أنفسهم والتفكر فيها، فقال: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ١. يعني لما فيها من الإشارة إلى آثار الصنعة الموجودة في الإنسان، من يدين يبطش بهما، ورجلين يمشي عليهما وعين يبصر بها، وأذن يسمع بها، ولسان يتكلم به، وأضراس تحدث له عند غناه عن الرضاع، وحاجته إلى الغذاء، يطحن بها الطعام، ومعدة أعدت لطبخ
_________________
(١) ١ سورة الذاريات آية: ٢١.
[ ١٢٤ ]
الغذاء، وكبد يسلك إليها صفوه، وعروق ومعابر تنفذ فيها إلى الأطراف، وأمعاء يرسب إليها ثقل الطعام، ويبرز عن أسفل البدن فيستدل بها على أن لها صانعًا حكيمًا، عالمًا قديرًا"١.
وهناك ظاهرة أخرى يلاحظها البيهقي في جسد الإنسان وهي وجود المتضادات والمتنافرات مجتمعة فيه من حرارة، وبرودة ورطوبة ويبوسة ورأى ذلك دليلًا حيًا على أن هناك من قدر اجتماعها في بدن الإنسان، مع أنها من المتضادات التي لا يمكن لمخلوق أن يجمع بينها، وفي بيان ذلك يقول البيهقي: "ثم إنا رأينا أشياء متضادة من شأنها التنافر والتباين والتفاسد، مجموعة في بدن الإنسان، وأبدان سائر الحيوان، وهي الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، فقلنا إن جامعًا جمعها وقهرها على الاجتماع، وأقامها بلطفه، ولولا ذلك لتنافرت، ولتفاسدت، ولو جاز أن تجتمع المتضادات المتنافرات، وتتقاوم من غير جامع يجمعها، لجاز أن يجتمع الماء والنار، ويتقاوما من ذاتهما من غير جامع يجمعهما، ومقيم يقيمهما، وهذا محال لا يتوهم، فثبت أن اجتماعها إنما كان بجامع قهرها على الاجتماع والالتئام، وهو الله الواحد القهار"٢.
وهذا النوع من الاستدلال أشار إليه القرآن الكريم بقوله سبحانه: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الاعتقاد ص:٨. ٢ الاعتقاد ص:٨. ٣ سورة يس آية: ٨٠.
[ ١٢٥ ]
ثم يلتفت البيهقي بعد ذلك إلى خلق الإنسان، ومروره بأطوار مختلفة، يستحيل عليه أن يمر بها بتقدير من نفسه وتدبير من ذاته حيث قال: "وقد بين الله تعالى في كتابه العزيز، تحول أنفسنا من حالة إلى حالة، وتغيرها، ليستدل بذلك على خالقها، ومحولها، فقال: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ ١. وقال ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ ٢.
فالإنسان إذا فكر في نفسه، رآها مدبرة وعلى أحوال شتى مصرفة كان نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم لحمًا وعظمًا، فيعلم أنه لم ينقل نفسه من حال النقص إلى حال الكمال، لأنه لا يقدر أن يحدث لنفسه في الحال الأفضل، التي هي حال كمال عقله، وبلوغ أشده، عضوًا من الأعضاء ولا يمكنه أن يزيد في جوارحه جارحة، فيدله ذلك على أنه في حال نقصه وأوان ضعفه عن فعل ذلك أعجز، وقد يرى نفسه شابًا، ثم كهلًا، ثم شيخًا، وهو لم ينقل نفسه من حال الشباب والقوة، إلى الشيخوخة والهرم ولا اختاره لنفسه، ولا في وسعه أن يزايل حال المشيب، ويراجع قوة الشباب، فيعلم بذلك أن ليس هو الذي فعل هذه الأفعال بنفسه وأن له صانعًا صنعه، وناقلًا نقله من حال إلى حال، ولولا ذلك لم تتبدل أحواله بلا ناقل، ولا مدبر"٣.
_________________
(١) ١ سورة نوح آية: ١٣-١٤. ٢ سورة المؤمنون آية: ١٢-١٥. ٣ الاعتقاد ص:٩.
[ ١٢٦ ]
فهذا استدلال بخلق الإنسان على هذه الصورة على وجود خالقه ومدبره، وهو الله سبحانه، وهو دليل واضح لا غموض فيه، وسهل خال عن التعقيد، وعن هذا الدليل القيم يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "الاستدلال على الخالق بخلق الإنسان في غاية الحسن والاستقامة، وهي طريقة عقلية صحيحة، وهي شرعية دل القرآن عليها وهدى الناس إليها، وبينها وأرشد إليها، وهي عقلية، فإن نفس كون الإنسان حادثًا، بعد أن لم يكن، ومولودًا ومخلوقًا من نطفة، ثم من علقة، هذا لم يعلم بمجرد خبر الرسول، بل هذا يعلمه الناس كلهم بعقولهم، سواء أخبر به الرسول، أو لم يخبر، لكن الرسول أمر أن يستدل به، ودل به، وبينه، واحتج به، فهو دليل شرعي، لأن الشارع استدل به، وأمر أن يستدل به، وهو عقلي لأنه بالعقل تعلم صحته"١.
وإذًا، فهاتان الطريقتان اللتان سلكهما البيهقي للاستدلال على وجود الله، - أعني النظر في الملكوت والأنفس، - هما عقليتان، وشرعيتان في نفس الوقت، والاستدلال بمثل هذا النوع من الأدلة هو منهج السلف إذ من منهجهم قبول كل دليل اتفقت العقول على صحته، وكان شرعيًا بمعنى أن الشارع قد أتى به، وأمر الناس أن يستدلوا به.
وبذلك تتضح موافقة البيهقي للسلف في هذا الاستدلال.
_________________
(١) ١ كتاب النبوّات ص:٤٨.
[ ١٢٧ ]
طريق المعجزة:
وهي الطريق الثانية من الطرق التي سلكها البيهقي لإثبات وجود الله تعالى، فبعد أن ذكر طريق النظر السالفة، وساق أدلته عليها، عمد إلى هذه الطريق، وعزاها إلى بعض مشايخه، فساقها مؤيدًا وموضحًا.
فالمجتمع الذي يبعث فيه نبي من الأنبياء، يجري الله تعالى على يديه معجزات تؤيد صدقه فيما ادعاه من النبوة، وإذا ثبتت النبوة أو الرسالة بتلك المعجزة، ثبت أن هناك مرسلًا لذلك الرسول أيده بها، لتكون دليلًا على صدقه، فيصدقونه في جميع ما أخبر به. وأهم ذلك كله وجود خالق واحد، خلقهم من العدم، واستخلفهم في هذه الأرض، من أجل عبادته فيها وحده لا شريك له، وهو الله ﷾، هذا إذا كانت تلك المعجزة عن شهود من ذلك المدعو وحضور لوقائعها، أما من غاب
[ ١٢٨ ]
عنها، فإن دلائلها تثبت عنده بطريق الاستفاضة لتلك المعجزة ورسالة صاحبها. فإذا ثبتت النبوة فإنها تكون أصلًا في وجوب قبول جميع ما دعا إليه النبي.
وفي بيان هذه الطريق يقول الشيخ البيهقي - ﵀ -: "وقد سلك بعض مشايخنا١ - رحمنا الله وإياهم - في إثبات الصانع وحدوث العالم طريق الاستدلال بمقدمات النبوة، ومعجزات الرسالة، لأن دلائلها مأخوذة من طريق الحس لمن شاهدها، ومن طريق الاستفاضة لمن غاب عنها، فلما ثبتت النبوة صارت أصلًا في وجوب قبول ما دعا إليه النبي ﷺ، وعلى هذا الوجه كان إيمان أكثر المستجيبين للرسل صلوات الله عليهم أجمعين"٢.
ثم ذكر قصة جعفر بن أبي طالب وأصحابه ﵃ مع النجاشي، ليدلل بها على صحة هذه الطريق، حيث ساقها بسنده عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: "إن النبي ﷺ، لما فتن أصحابه بمكة أشار عليهم أن يلحقوا بأرض الحبشة، فذكر٣ الحديث بطوله إلى أن قال: فكلمه جعفر ﵁ - يعني النجاشي - فقال: كنا على دينهم - يعني على دين أهل مكة - حتى بعث الله ﷿ فينا رسولًا نعرف نسبه وصدقه وعفافه، فدعا إلى أن نعبد الله وحده، لا نشرك به شيئًا، ونخلع ما يعبد قومنا وغيرهم من دونه، وأمرنا بالمعروف، ونهانا عن المنكر، وأمرنا بالصلاة والصيام، والصدقة وصلة الرحم، وكل ما يعرف من الأخلاق الحسنة، فتلا علينا تنزيلًا جاءه من الله ﷿ لا يشهد شيء غيره، فصدقناه، وآمنا به، وعرفنا أن ما جاء به هو الحق من عند الله ﷿، ففارقنا عند ذلك قومنا، وآذونا.
فقال النجاشي: هل معكم مما نزل عليه شيء تقرؤونه عليّ؟
فقال جعفر: نعم، فقرأ ﴿كهيعص﴾ فلما قرأها بكى النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى اخضلت مصاحفهم، وقال النجاشي:
_________________
(١) ١ يقصد أبا سليمان الخطابي، وسيأتي ذكره فيما بعد إن شاء الله. ٢ الاعتقاد ص: ١٠. ٣ الضمير هنا راجع إلى أبي بكر بن عبد الرحمن راوي الحديث عن أم سلمة.
[ ١٢٩ ]
"إن هذا الكلام والكلام الذي جاء به عيسى ﵇ ليخرجان من مشكاة واحدة"١.
ثم ذكر - ﵀ - بعد سوقه لهذا الحديث وجه الاستدلال به حيث قال: "فهؤلاء مع النجاشي وأصحابه استدلوا بإعجاز القرآن على صدق النبي ﷺ فيما ادعاه من الرسالة فاكتفوا به وآمنوا به، وبما جاء به من عند الله، فكان فيما جاء به إثبات الصانع وحدوث العالم"٢.
ولم يكن البيهقي- بكلامه هذا- ليظن بأن النجاشي وأصحابه لا يعرفون وجود الله تعالى، فلما أخبرهم الرسول ﷺ - الذي عرف صدقه عن طريق معجزته وهي القرآن علموا ذلك - لكنه يقصد بهذا أن ثبوت صدق الرسول بالمعجزة التي استدل بها هؤلاء يقتضي تصديقه في جميع ما يخبر به، وقد أخبر ﷺ بأن لهذا الكون خالقًا، كما في حديث أنس ﵁ الذي أردف البيهقي بذكره لبيان مقصوده، حيث ساق بسنده إلى أنس ﵁ أنه قال: "كنا نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء فكان يعجبنا أن يأتيه الرجل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع، فأتاه رجل منهم فقال: يا محمد، أتانا رسولك فزعم أنك تزعم أن الله أرسلك، فقال: صدق. قال: فمن خلق السماء؟ قال: الله قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله. قال فمن نصب هذه الجبال؟ قال: الله. قال: فمن جعل فيها هذه المنافع؟ قال: الله. قال فبالذي خلق السماء والأرض، ونصب الجبال، وجعل فيها هذه المنافع آلله أرسلك؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، قال صدق. قال فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا
_________________
(١) ١ الاعتقاد ص: ١١. ٢ المصدر نفسه.
[ ١٣٠ ]
صدقة في أموالنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال نعم. قال: وزعم رسولك أن خلينا صوم شهر في سنتنا، قال. صدق قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال. نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إلبه سبيلًا، قال: صدق، قال فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن، ولا أنقص منهن، فلما مضى قال: لئن صدق ليدخلن الجنة" ١.
قال البيهقي - ﵀ - في بيان وجهة الاستدلال بهذا الحديث: "فهذا السائل كان قد سمع بمعجزات رسول الله ﷺ، فكانت مستفيضة في زمانه، ولعله سمع أيضًا ما كان يتلوه من القرآن، فاقتصر في إثبات الخالق، ومعرفة خلقه على سؤاله وجوابه عنه وقد طالبه بعض من لم يقف على معجزاته بأن يريه من آياته ما يدل على صدقه، فلما أراه إياه، ووقف عليه آمن به، وصدقه فيما جاء به من عند الله ﷿ "٢.
وقد ذهب إلى الاستدلال بهذه الطريق الشيخ أبو سليمان الخطابي٣ في كتاب الغنية عن الكلام وأهله، والقاضي أبو يعلى٤ في عيون المسائل. ذكر ذلك عنهما شيخ الإسلام ابن تيمية٥.
_________________
(١) ١ الاعتقاد ص: ١٢. ٢ المصدر نفسه. ٣ حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب، الخطابي، البستي مصنف غريب الحديث، ومعالم السنن، ونسبته (الخطابي) إلى جده، ولد سنة سبع عشرة وثلاثمائة ببست، وتوفي سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة. انظر: اللباب١/٤٥٢. ٤ هو: محمّد بن الحسين بن محمّد بن خلف به الفراء، أبو يعلى الحنبلي ولد سنة: ٣٨٠؟، وتوفي سنة ٤٥٨؟، انظر تاريخ بغداد ٢/٢٥٦. ٥ مجموع الفتاوى١١/٣٧٧.
[ ١٣١ ]
وهي طريقة شرعية سليمة، لأن القرآن الكريم قد جاء بها، كما في قصة فرعون الذي كان منكرًا للربّ ﷾، فعرض عليه موسى ﵇ معجزة واضحة، تدل على صدق ما ادعاه من وجود الله الذي أرسله إلى فرعون وقومه ليؤمنوا به وحده لا شريك له، لأنه هو وحده القادر على كل شيء، إذ دلت المعجزة على وجوده وكمال قدرته سبحانه على جميع خلقه بمن فيهم فرعون الذي أبى واستكبر وادعى الألوهية من دون الله سبحانه، منكرًا أن يكون ثمة إله غيره، حتى بعد مشاهدة تلك المعجزة البينة، والحجة الدامغة، وما ذلك إلاّ استكبارًا وعنادًا.
قال الله تعالى - مخاطبًا موسى وهارون ﵉ -: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرائيلَ، قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ إلى قوله - ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ، قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ قال قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ، قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ، قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ، قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ، قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ، قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ، وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ ١.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية بعد سوقه للآيات السالفة الذكر: "فهنا قد عرض عليه موسى الحجة البينة، التي جعلها دليلًا على صدقه في
_________________
(١) ١ سورة الشعراء آيات: ١٥-٣٣.
[ ١٣٢ ]
كونه رسول ربّ العالمين، وفي أن له إلهًا غير فرعون يتخذه، وكذلك قال تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ الآية١.
فبين أن المعجزة تدل على الوحدانية والرسالة، وذلك لأن المعجزة - التي هي فعل خارق للعادة - تدل بنفسها على ثبوت الصانع، كسائر الحوادث، بل هي أخص من ذلك لأن الحوادث المعتادة ليست في الدلالة كالحوادث الغريبة، ولهذا يسبح الربّ عندها، ويمجد، ويعظم ما لا يكون عند المعتاد، ويحصل في النفوس ذلة من ذكر عظمته، ما لا يحصل للمعتاد، إذ هي آيات جديدة فتعطى حقها، وتدل بظهورها على الرسول، وإذا تبيّن أنه تدعو إلى الإقرار بأنه رسول الله، فتقرر بها الربوبية والرسالة"٢.
فهذه ملاحظات هامة من ابن تيمية على هذه الطريق إذ رآها أبين دلالة من الطريقين السالفين، نظرًا لأن هناك استدلالًا بحوادث معتادة يشاهدها الناس – غالبًا - كل يوم، لا تنفك عن حياتهم. أما المعجزة فهي شيء غريب يشاهد على خلاف المعتاد، مما يعطيها مكانة أقوى في الدلالة.
وقد هاجم ابن رشد من ذهب إلى هذه الطريق، واستدل بها ووصمهم بأنهم حشوية - ويقصد بذلك السلف - وزعم وجوب معرفة الباري سبحانه عن طريق الاقتصار على الأدلة العقلية المنصوص عليها، وهي ما تقدم ذكره من النظر٣.
_________________
(١) ١ سورة هود آية: ١٤. ٢ مجموع الفتاوى١١/٣٧٨. ٣ انظر: مناهج الأدلة ص: ١٣٥.
[ ١٣٣ ]
ورأيه في هذه الطريق واضح التهافت، لأن فيه هجرًا لأصول شرعية أخرى، وهي ما ورد من وجوب تصديق الرسول ﷺ فيما يقول، والسلف - ﵏ - ذهبوا إلى الجمع بين طريقي العقل والسمع، وكلاهما شرعي، إذ إن الرسول ﷺ قد بين جميع الأدلة والبراهين الحسية، والعقلية والآيات الدالة على هذا المطلب أحسن بيان، فدل الناس وهداهم إلى الأدلة العقلية، والبراهين اليقينية التي بها يعلمون المطالب الإلهية، من إثبات للربوبية والوحدانية، والصفات، والمعاد الجسماني، وغير ذلك مما يحتاج إلى معرفته بالأدلة السمعية، وما يمكن بيانه بالأدلة العقلية، وإن كان لا يحتاج إلى بعضها فإن كثيرًا من الأمور يعرف بالخبر الصادق، ومع هذا فالرسول ﷺ بيّن الأدلة العقلية الدالة عليها، فجمع بين الطريقين؛ السمعي والعقلي.
فهذه الطريق التي سلكها البيهقي، إلى جانب الطريق العقلي السالف، طريق صحيحة لا غبار عليها، وانتقاد ابن رشد لها في غير محله، لأن السلف لم يوجبوا معرفة الله عن طريقها فحسب، بل يقرّون بسلامة الطرق العقلية السابقة، كيف لا وهي طريقة القرآن الكريم الذي جاء بطريق المعجزة إلى جانبها كما أوضحت.
ومهاجمة ابن رشد لأصحابها ضرب من الخصومة الفكرية المنحرفة لأنه - مع أخذه بجانب من الأدلة الشرعية، وهي العقلية المنصوص عليها - قد عطل جانبًا آخر، دون مبرر. ولا غرو فهو فيلسوف، والفلاسفة يغلب عليهم الجانب العقلي مع نبذ سواه.
[ ١٣٤ ]
طريق الحدوث
تقدم استدلال البيهقي بطريق النظر، وطريق المعجزة، وسبق أن قررت صحة استدلاله ذاك لموافقته طريقة القرآن الكريم، وهنا أعرض دليلًا آخر ضمه البيهقي إلى الأدلة السالفة في صحة الاستدلال به وهو ما يسمى بدليل الحدوث فقد قال - ﵀ - في بيان هذا الدليل: "ثم إن الله تعالى حضّهم على النظر في ملكوت السموات والأرض، وغيرهما من خلقه في آية أخرى فقال: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ ١. يعني بالملكوت الآيات٢.
يقول: "أولم ينظروا فيها نظر تفكر وتدبر، حتى يستدلوا بكونها محلًا للحوادث والتغييرات على أنها محدثات، وأن المحدث لا يستغني عن صانع يصنعه على هيئة لا يجوز عليه ما يجوز على المحدثات، كما استدل إبراهيم الخليل ﵇ بمثل ذلك، فانقطع عنها كلها إلى ربّ هو خالقها ومنشئها"٣.
ويؤيد البيهقي رأيه هذا بقول أبي سليمان الخطابي - ﵀ - عن استدلال إبراهيم ﵇ حيث قال: "قال أبو سليمان الخطابي كل وقت وزمان، أو حال ومقام، حكم الامتحان فيها قائم فللاجتهاد
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية: ١٨٥. ٢ ذكر في كتاب الأسماء والصفات أن هذا التفسير لمجاهد. انظر: ص:٢٨٠، وهو كما قال لوجوده في تفسيره. انظر: تفسير مجاهد ص: ٢١٨. ٣ الاعتقاد ص: ٧.
[ ١٣٥ ]
والاستدلال فيها مدخل، وقد قال إبراهيم ﵇ حين رأى الكوكب هذا ربّي ثم تبيّن فساد هذا القول لما رأى القمر أكبر جرمًا، وأبهر نورًا فلما رأى الشمس وهي أعلا في منظر العين، وأجلى للبصر، وأكثرها ضياء وشعاعًا، قال: هذا ربّي، هذا أكبر، فلما رأى أفولها وزوالها وتبيّن له كونها محل الحوادث والتغييرات، تبرأ منها كلّها، وانقطع عنها إلى ربّ هو خالقها ومنشئها، لا تعترضه الآفات ولا تحلّه الأعراض والتغييرات١.
ففي هذا الدليل موافقة من البيهقي للمتكلمين في طريقتهم التي سلكوها في الاستدلال على وجود الله تعالى، وهي الاستدلال بحدوث العالم. وهذا في حدّ ذاته استدلال صحيح، غير أن الأمر الذي هو محل النقد في هذا الدليل هو طريقتهم في إثبات العالم، ومن ثم زعمهم أن طريقتهم تلك هي طريق إبراهيم الخليل ﵇.
ولنبدأ أولًا بإيضاح موافقة البيهقي لهم في هذا المجال فالمتكلمون ذهبوا إلى أن الله تعالى لا يمكن أن يكون محلًا للحوادث لأن من كان محلًا للحوادث، فإنه لا بد أن يكون حادثًا، لأن الحوادث لا تحت إلاّ بحادث مثلها لوجوب أن يكون لها أوّل - في نظرهم - وهذا هو مذهب البيهقي الواضح من كلامه السابق.
والتغيرات الحاصلة في هذا العام من وجود، وعدم، وتحول من حال إلى حال سكون بعد حركة، أو حركة بعد سكون، وغير ذلك عبارة عن أعراض حلّت بجواهر هذا العالم، والأعراض حادثة بعضها بالمشاهدة
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٢٨١.
[ ١٣٦ ]
وبعضها بالدليل وما حلّت به الأعراض فهو حادث مثلها، إذا العالم حادث. وإبراهيم ﵇ رأى هذه الأعراض حالة بتلك الكواكب، حيث تحركت وانتقلت من محل لآخر والحركة والسكون عرضان من الأعراض، وهذا دليل حدوثها وما دامت حادثة فهي غير صالحة لأن تكون إلهًا١.
هذا ما رآه المتكلّمون من استدلال إبراهيم ﵇ حيث أرادوا إسناد مذهبهم بدليل شرعي، وهذا بعينه ما رآه البيهقي وأراده.
وهذا الدليل الذي أورده البيهقي يشتمل على أمور ثلاثة:
١ - نفي حلول الحوادث بذات الباري سبحانه، بحجة أن الحوادث لا تحلّ إلاّ بحادث مثلها، وهذه دعوى لا تهمنا هنا، ولها مكان آخر، فيما بعد إن شاء الله.
٢ - طريق الاستدلال على حدوث العالم بحدوث أعراضه، حيث يفهم من كلام البيهقي موافقته للمتكلّمين على ما ذهبوا إليه من هذا الاستدلال.
٣ - ادعاء أن تلك الطريقة هي طريقة إبراهيم الخليل ﵇ وهاتان القضيتان الأخيرتان هما محور الكلام، ومناط الحديث.
أما طريقتهم في الاستدلال على حدوث العالم بحدوث الأعراض التي هي صفات الأجسام القائمة بها، فإنها طريقة باطلة لأن من المعلوم بداهة أن رسول الله ﷺ لم يستدل بها، ولم يدع أحدًا من أمته إلى
_________________
(١) ١ راجع المواقف بشرح الجرجاني (مطلب الآلهيّات) ص: ٥ وما بعدها.
[ ١٣٧ ]
الاستدلال بها على وجود الله ﵎، وقد اعترف كثير من المتكلّمين بأنها ليست طريقة الرسل ﵈، ولا طريقة أتباعهم، وهي طريقة مخالفة للطرق التي دعا إليها الإسلام لما تشتمل عليه من ضعف، وما يرد عليها من التزامات فاسدة، ويكفي في بيان زيفها وتهافتها ما أورده شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - من تفنيدها وإظهار لباطلها، حيث قال:
"هذه الطريقة مما يعلم بالاضطرار أن محمدًا ﷺ لم يدع الناس بها إلى الإقرار بالخالق ونبوّة أنبيائه، ولهذا قد اعترف حذاق أهل الكلام - كالأشعري وغيره - بأنها ليست طريقة الرسل وأتباعهم، ولا سلف الأمة وأئمتها، وذكروا أنها محرمة عندهم بل المحقّقون على أنها طريقة باطلة، وأن مقدماتها فيها تفصيل وتقسيم يمنع ثبوت المدعي بها مطلقًا، ولهذا تجد من اعتمد في أصول دينه فأحد الأمرين لازم له.
إما أن يطلع على ضعفها، ويقابل بينها وبين أدلة القائلين بقدم العالم، فتتكافأ عنده الأدلة، أو يرجح هذا تارة وهذا تارة، كما هو حال طوائف منهم.
وإما أن يلتزم لأجلها لوازم معلومة الفساد في الشرع والعقل، كما التزم جهم لأجلها فناء الجنة والنار١. والتزم لأجلها الهذيل انقطاع
_________________
(١) ١ جهم هذا هو: جهم بن صفوان، من أهل خراسان، ينسب إلى سمرقند وترمذ، ومحتده الكوفة، ويكنى أبا محرز أخذ الكلام عن الجعد بن درهم، قتل سنة: ١٢٨هـ، وقد قال جهم بفناء الجنة والنار بعد دخول أهلهما فيهما، وتلذذ أهل الجنة بنعيمها وتألم أهل النار بجحيمها. انظر: تاريخ الجهمية والمعتزلة لجمال الدين القاسمي ص:١٠، والمنية والأمل لابن المرتضى، ص: ١٠٧، والملل والنحل للشهرستاني١/٨٧.
[ ١٣٨ ]
حركات أهل الجنة١.
والتزم قوم لأجلها - كالأشعري وغيره - إن الماء والتراب له طعم،
ولون، وريح، ونحو ذلك.
والتزم قوم لأجلها، ولأجل غيرها أن جميع الأعراض كالطعم واللون وغيرهما، لا يجوز بقاؤهما بحال، لأنهم احتاجوا إلى جواب النقض الوارد عليهم، لما أثبتوا الصفات لله، مع الاستدلال على حدوث الأجسام بصفاتها، فقالوا: "صفات الأجسام أعراض، أي أنها تعرض فتزول، فلا تبقى بحال، بخلاف صفات الله فإنها باقية"٢.
كما تناول ابن رشد٣ في كتابه مناهج الأدلة هذا الدليل فأوسعه نقضًا، وبدت صعوبته على الخاصة فضلًا عن الجمهور٤، والأدلة على هذه القضية المهمة يجب أن تكون في متناول الجميع.
_________________
(١) ١ أبو الهذيل هو: محمّد بن الهذيل العبدي العلاف. من الطبقة السادسة للمعتزلة توفي سنة ٢٣٥؟ في أيام المتوكل، وقد اشتهر عنه القول بانقطاع حركات أهل الخلدين، وأنهم يصيرون إلى سكون دائم. انظر: المنية والأمل ص: ١٤٨، ومقالات الإسلاميين للأشعري٢/١٦٧. ٢ درء تعارض العقل والنقل١/٣٩، ٤٠. ٣ هو: أبو الوليد محمّد بن أحمد بن محمّد بن رشد، أحد مشاهير الفلاسفة المسلمين، ولد في قرطة سنة: ٥٢٠؟، وتوفي سنة ٥٩٥؟ انظر: الأعلام للزركلي٦/٢١٢. ٤ مناهج الأدلة ص: ١٣٦-١٤٤.
[ ١٣٩ ]
ومن الأمور التي كابر بها المتكلمون الحس والعقل في بدعتهم هذه، هو جعلهم الطريق إلى معرفة حدوث الأجسام حدوث أعراضها ونحن نشهد حدوث الأجسام نفسها مثل حدوث الزرع، والثمار وحدوث الإنسان، والحيوان وحدوث السحاب، والمطر، ونحو ذلك من الأعيان القائمة بنفسها، غير حدوث الأعراض، كالحركة والسكون، والحرارة والبرودة، والضوء، والظلمة وغير ذلك. فلسنا في حاجة لمعرفة حدوث الجسم إلى واسطة.
أما زعمهم أن هذه الطريقة هي طريقة إبراهيم ﵇ فيما حكاه الله ﷿ عنه بقوله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ. فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ١.
فإن هذا زعم باطل للأمور الآتية:
١ - إن الأفول ليس هو الحركة، وذلك باتفاق أهل اللغة والمفسرين فلا يسمى في اللغة كلّ متحرك أو متغير آفلًا ولا يقال للمتحرك إنه آفل، فلا يقال للمصلي، أو الماشي إنه آفل، ولا يقال للتغير الذي هو استحالة كالمرض واصفرار الشمس، إنه أفول، فلا يقال للشمس إذا اصفرت إنها أفلت، وإنما يقال: "أفلت إذا غابت، واحتجبت، وهذا من المتواتر المعلوم بالاضطرار من لغة العرب، أن آفلًا بمعنى غائب".
قال في القاموس: "يقال أفلت الشمس، غابت، ونجوم أفل، وكلّ شيء غاب فهو آفل، قال:
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آيات: ٧٥/٧٨.
[ ١٤٠ ]
فدع عنك سعدي إنما تسعف النوىقران الثريا مرة ثم تأفل١
قال الخليل: "وإذا استقر اللقاح في قرار الرحم فقد أفل"٢.
٢ - إن الكواكب التي رآها إبراهيم ﵇ كانت متحركة في بزوغها فلو أنه - ﵇ - كان يستدل بالحركة التي يسمونها تغيرًا، لكان قد قال ذلك من حين رآها بازغة، ولما انتظر أفولها.
٣ - إن إبراهيم - ﵇ - لم يكن بصدد إثبات الصانع، حتى يستدل بحادث على محدث، لأن قومه كانوا مشركين، يعبدون الكواكب والأصنام، ويقرون بالصانع، ولهذا قال الخليل ﵇: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣.
فذكر ما كانوا يصنعون من اتخاذ الكواكب والشمس واالقمر ربًّا يعبدونه، ويتقرّبون إليه، فكانوا بذلك يشركون معه غيره في العبادة، فأراد أن يبيّن لهم أنه هو المستحقّ للعبادة وحده.
وبهذا يتبين لنا بطلان تعلق المتكلمين بقصة إبراهيم ﵇.
ويبدو أن الشيخ البيهقي استشعر ضعف هذا الطريق فلم يقل ما قاله كثير من المتكلمين من جعله أصلًا من أصول الدين يجب معرفة الله تعالى عن طريقه وهو ما ذهب إليه إمام الحرمين الجويني٤ - وهو من
_________________
(١) ١ هذا البيت منسوب إلى كثير عزة. ٢ معجم مقاييس اللغة لابن فارس١/١١٩، مادة: أفل. ٣ سورة الشعراء آيات: ٧٥-٧٧. ٤ عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمّد الجويني الملقّب بإمام الحرمين. ولد في جوين سنة: ٤١٩؟، وتوفي بنيسابور سنة: ٤٧٨؟، انظر: الأعلام٤/٣٥٦.
[ ١٤١ ]
المعاصرين للبيهقي - حيث قال: "أوّل ما يجب على العاقل البالغ باستكمال سن البلوغ، أو الحلم شرعًا، القصد إلى النظر الصحيح، المفضي إلى العلم بحدوث العالم، والنظر في اصطلاح الموحدّين، هو الفكر الذي يطلب به من قام به علمًا، وغلبة ظن"١.
وممن قال بالإيجاب من المتكلّمين الشيخ سعد الدين التفتازاني حيث قال بعد إيراده لنظرية الجوهر الفرد التي جعلها أصلًا من الأصول التي اعتمد عليها في إثبات حدوث العالم: "قلنا في إثبات الجوهر الفرد نجاة عن كثير من ظلمات الفلاسنة مثل إثبات الهيولي والصورة، المؤدي إلى قدم العالم، ونفي حشر الأجساد.. إلخ"٢.
وهذا غاية الغلو في التمسك بهذه النظرية المتهافتة، والتي تبين فسادها أكثر في العصر الحديث بعد تحطيم الذرة التي هي الجوهر عندهم. فالنجاة من الظلمات الفلسفية وغيرها، بل ومن الظلمات التي حاكها المتكلّمون حول العقيدة الإسلامية - زعمًا منهم أنهم بذلك يرسخون العقيدة ويوضحونها، ويذبون عنها - النجاة من ذلك كلّه يكون في التمسك بأهداب الوحي، من كتاب أو سنة، فهما الينبوعان الصافيان من كلّ كدر، الهاديان إلى صراط الله المستقيم من تمسك بهما لن يعدم خيرًا، ومن التجأ إليها لن يضام، ومن جعلهما نبراس حياته فسيكون في منأى عن المهالك، وفي مأمن من الزيغ والضلال. يقول رسول الله ﷺ: "تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلاّ هالك".
_________________
(١) ١ الإرشاد ص: ٣. ٢ شرح العقائد النسفية مع مجموعة الحواشي البهية١/٧٥.
[ ١٤٢ ]
وقال: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلّوا، كتاب الله وسنتي".
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية - بعد أن أشار إلى إيجابهم سلوك هذا الطريق -: "والتحقيق ما عليه السلف أنه ليس بواجب أمرًا ولا هو صحيح خبرًا، بل هو باطل منهي عنه شرعًا. فإن الله تعالى لا يأمر بقول الكذب والباطل، بل ينهى عن ذلك، لكن غلطوا حيث اعتقدوا أنّه حقّ وأن الدين لا يقوم إلاّ على هذا الأصل الذي أصّلوه".١
ويقول أستاذنا الكبير الدكتور محمّد خليل هراس - ﵀ - يقول في نقد اتجاه المتكلّمين إلى تأصيل نظرية الجوهر الفرد هذه وجعلها أصلًا من أصول الدين يجب معرفة الله تعالى عن طريقه: "وإن من أعظم الحرج أن نكلف العامة، ومن لا قدرة لهم على النظر أصلًا بتحصيل معنى الإمكان والحدوث والتغير، والجوهر والعرض، وغير ذلك مما يدخل في تركيب هذه الأدلة، ثم نقول لهم إنكم لا يصح إيمانكم بالله إلاّ من هذه الطريق، فنضيق عليهم وحمة الله ونصدهم عن سبيله، ونكلفهم من الأمر ما لا يطيقون، بل لعل أولى من ذلك، وأقرب إلى الفطرة، وأضمن للوصول إلى الغاية أن ندعو الناس إلى ما أرشد إليه القرآن من النظر في ملكوت السموات والأرض، وما فيهما من عجائب تدل على عظيم قدرة الله تعالى وجسيم نعمته، ونشرح لهم ما أودع الله في الأشياء المختلفة من خواص، ومنافع سخرها لهم وأنه كيف وهب كل مخلوق من القوى، والآلات ما يحتاجه في تحصيل قوته وحفظ حياته"٢.
_________________
(١) ١ النبوّات ص: ٦٥. ٢ ابن تيمية السلفي ص: ٨٢-٨٣.
[ ١٤٣ ]
وهذه النظرية التي قدسها المتكلمون يونانية الأصل، حيث إن أوّل من قال بها "ديمقريطس١ من فلاسفة اليونان٢.
فما كان ينبغي لمسلم أن يلجأ إلى نظرية هذا مصدرها وهي غير سالمة من النقد فيتعب نفسه في بيانها وتقريرها والذب عنها، ولكن المتكلمين فعلوا. إلاّ أن حججهم التي اعتمدوها هنا واهية، أو هي من خيط العنكبوت.
حجج تهافت كالزجاج تخالها تبقى وكل كاسر مكسور
وشيخنا البيهقي - ﵀ - كما هو معروف عنه من التمسك بالسنة والذب عنها، لم يكن ليقود ما قاله المتكلمون في تمجيد هذه النظرية، بل إنه اقتصر على إيراد دليل الحدوث، على سبيل الحصر للطرق السليمة التي يراها - في نظره - صالحة للاستدلال على هذا المطلب، فإنه كما يلاحظ قدم طريقة القرآن الكريم، مما ينبئ عن اهتمامه بها، وجعله مثل هذه الطريق ثانوية يمكن الاستغناء عنها، مع إمكان سلوكها، فالرجل اقتنع بصحتها، ولم يقل بوجوبها، والاستغناء بها عن سواها. إذ إن منهجه السلفي منعه من الوقوع في مثل ما وقع فيه المتكلمون.
أما عن الوحدانية فإن أدلته لإثباتها هي عين أدلته لإثبات الوجود، لذلك لا أرى ثمة ضرورة لعقد فصل مستقل، فأكتفي بما ذكرت عن أدلة الوجود.
_________________
(١) ١ فيلسوف يوناني توفي حوالي ٤٣٠ ق. م. انظر أعلام الفلاسفة للدكتور هنري توماس ص: ٧٤، ترجمة متري أمين. ٢ انظر حاشية الخيالي على شرح العقائد النسفية١/٧٥، ضمن مجموعة الحواشي البهية.
[ ١٤٤ ]
الفصل الثاني: أسماء الله تعالى
طريق إثباتها
لقد كان ثبوت أسماء الله تعالى بما ورد من أدلة صريحة واضحة مصدرهما كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ، وإجماع الأمة امرًا واضحًا، إذ أصبح بذلك من المسلمات التي لا تحتاج إلى إمعان نظر، ولا تقبل المراء.
ومع ذلك فقد وجد بين الفرق المنتسبة إلى الإسلام من خالف في ذلك، فلم يقر بثبوت أسماء الله تعالى ثبوتًا حقيقيًا.
ومجمل الآراء في ذلك ذكرها فخر الدين الرازي حيث قال:
"اعلم أن من الناس نفى ثبوت الأسماء لله تعالى وسلم ثبوت الصفات، ومنهم من عكس، سلم ثبوت الأسماء وأنكر ثبوت الصفات، ومنهم من اعترف بالأسماء والصفات لله تعالى"١.
ونفي أسماء الله تعالى مصيبة عظمى، وإلحاد صريح وأصحاب هذا الرأي هم الجهمية أتباع جهم بن صفوان الترمذي الذي ذهب إلى نفي أسماء الله تعالى حيث قال بنفي كل اسم يرى جواز إطلاقه على المخلوق
_________________
(١) ١ شرح الأسماء الحسنى للرازي ص: ٢٩.
[ ١٤٧ ]
وأثبت بعض الأسماء التي يرى أن الله مختص بها ولا يجوز تسمية المخلوق بها، كالخالق، والمحيي والمميت، والقادر، والموجد، والفاعل١، كما سيأتي بيان ذلك فيما بعد إن شاء الله. والمعروف أن هؤلاء الجهمية ينفون الصفات جميعًا، مع ما نفوه من أسماء ولا أعرف أحدًا نفى الأسماء وأثبت الصفات، كما قال الرازي.
وأحب أن أنبه على أن هؤلاء النفاة لم ينكروا إطلاق الألفاظ على الله تعالى، إلا أنهم يقولون إن إطلاقها عليه سبحانه مجازي لا حقيقة ولا ريب إن هذا نفي محض.
ولذلك قال ابن القيم عن أصحاب هذا الرأي: "إنهم لا يتمكنون بعد ذلك من إثبات حقيقة لله البتة، لا في أسمائه ولا في الإخبار عنه بأفعاله وصفا ته"٢.
أما منكرو أسماء الله تعالى بألفاظها ومعانيها فهم الملاحدة وهؤلاء لم يعرفوا وجود الله، فكيف يعرفون أسماءه. ووافقهم على ذلك غلاة الفلاسفة والقرامطة٣. وهذا كما هو واضح تكذيب صريح لكتاب الله تعالى فهو كفر واضح.
أما رأي الجهمية فالمبرر الوحيد له عندهم: أن إثبات هذه الأسماء وتلك الصفات على حقائقها يستلزم تشبيه الله بخلقه في زعمهم٤.
_________________
(١) ١ انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي ص: ٢١٢. ٢ مختصر الصواعق المرسلة٢/١١٣. ٣ انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية٦/٢٠٩، والرسالة التدمرية له ص: ٦٣. ٤ انظر: كتاب التوحيد لابن خزيمة ص: ٢٨.
[ ١٤٨ ]
ويرد السلف عليهم رأيهم هذا، فيقول الإمام ابن خزيمة - ﵀ – " وليس في تسميتنا بعض الخلق ببعض أسامي الله بموجب عند العقلاء الذين يعقلون عن الله خطابه، أن يقال: إنكم شبهتم الله بخلقه إذ أوقعتم بعض أسامي الله على بعض خلقه، وهل يمكن عند هؤلاء الجهال حل هذه الأسامي من المصحف، أو محوها من صدور أهل القرآن، أو ترك تلاوتها في المحاريب والكتاتيب وفي الجدور والبيوت، أليس قد أعلمنا منزل القرآن على نبيه ﷺ أنه الملك، وسمى بعض عبيده ملكًا، وخبرنا أنه السلام، وسمى تحية المؤمنين بينهم سلامًا في الدنيا وفي الجنة، فقال: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ ١.
ونبيّنا المصطفى ﷺ قد كان يقول بعد فراغه من تسليم الصلاة: "اللهم أنت السلام ومنك السلام" ٢. وقال ﷿: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ ٣. فثبت بخبر الله أن الله هو السلام، كما في قوله: ﴿السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ ٤، وأوقع هذا الاسم على غير الخالق الباري وأعلمنا ﷿ أنه المؤمن، وسمى بعض عباده المؤمنين"٥ إلى آخر ما قاله - ﵀ - في الرد على هذا الرأي المتهافت. وغرضه من هذا كله أن يقوله: إن تسمية الخلق ببعض أسامي الله ﷿، لا يقتضي تشبيهًا أو تمثيلًا، لأن معناها في حق الله ﷿ على ما يليق به، وفي حق خلقه على ما يليق بهم.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب آية: ٤٤. ٢ رواه مسلم في كتاب المساجد رقم: ١٣٥ ١/٤١٤. ٣ سورة النساء آية: ٩٤. ٤ سورة الحشر آية: ٢٣. ٥ كتاب التوحيد لابن خزيمة ص: ٢٨-٢٩.
[ ١٤٩ ]
فإثبات أسماء الله تعالى كما جاءت في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، هو ما قالت به جماهير الأمة، وهو أمر واجب، إذ إنه من تمام التوحيد، ومن كمال معرفة الربّ ﷾ كما يقول السيد محمّد بن المرتضى اليماني في كتابه "إيثار الحق": مقام معرفة كمال هذا الرب الكريم وما يجب له من نعوته، وأسمائه الحسنى، من تمام التوحيد، الذي لا بد منه، لأن كمال الذات بأسمائها الحسنى، ونعوتها الشريفة، ولا كمال لذات لا نعت لها ولا اسم، ولذلك عد مذهب الملاحدة في مدح الرب بنفيها من أعظم مكائدهم للإسلام، فإنهم عكسوا المعلوم عقلًا وسمعًا، فذموا الأمر المحمود، ومدحوا الأمر المذموم القائم مقام النفي والجحد المحض، وضادوا كتاب الله ونصوصه الساطعة"١.
هذا عن النفي والنفاة، وما قيل في الرد عليهم. فماذا عن الإثبات والمثبتين الذين يتصدرهم شيخنا البيهقي؟ إذ إنه - ﵀ - قد أولى هذا الأمر عناية كبرى، فألف كتابًا ضخمًا، حفل بحشد من النصوص الشرعية التي دلل بها على ثبوت أسماء الله تعالى ثبوتًا قاطعًا لا شك فيه.
وقد كان أولئك المثبتون يذهبون في طريق الإثبات مذهبين ذكرهما الرازي فقال: "مذهب أصحابنا - يعني الأشاعرة - إنها توقيفية وقالت الممعتزلة والكرامية: إن اللفظ إذا دل العقل على أن المعنى ثابت في حق الله سبحانه جاز إطلاق ذلك اللفظ على الله تعالى، سواء ورد التوقيف به أو لم يرد، وهو قول القاضي أبي بكر الباقلاني من أصحابنا"٢، وهذا الرأي الأخير هو ما يسمى عند علماء الكلام بالطرق القياسية.
_________________
(١) ١ إيثار الحقّ على الخلق، لابن المرتضى ص: ١٦٨. ٢ شرح الأسماء الحسنى للرازي ص: ٣٦.
[ ١٥٠ ]
فمذهب جمهور الأشاعرة إذًا هو القول بالتوقيف، وقد سلك شيخنا البيهقي هذا المسلك، وإليك بيان رأيه في هذا الموضوع:
يقوله - ﵀ -: "إثبات أسماء الله تعالى ذكره بدلالة الكتاب والسنة وإجماع الأمة"١.
فالبيهقي بهذا الكلام يصرح برأيه في أن أسماء الله تعالى لا يجوز إطلاقها عليه ما لم تدل عليها إحدى هذه الطرق الثلاث لأن التوقيف وحده هو مجال الإثبات لها. وذكر - ﵀ - مجموعة من النصوص القرآنية، والحديثية تدل على ثبوت هذه الأسماء، التي أنكرها من لا اعتبار برأيه من أرباب الأهواء، وأصحاب البدع. فالله تعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٣.
وروى بسنده عن حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا آوى إلى فراشه قال: "اللهم باسمك أحيا، وباسمك أموت، وإذا أصبح قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور" ٤.
إلى غير ذلك الآيات والأحاديث التي ذكرها في كتاب الأسماء والصفات مستدلًا بها على ثبوت هذه الأسماء لله تعالى، ثبوتًا حقيقيًا
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٣. ٢ سورة الأعراف آية: ١٨٠. ٣ سورة الإسراء آية: ١١٠. ٤ الأسماء والصفات ص: ٣. والحديث رواه البخاري في كتاب الدعوات. انظر: صحيح البخاري مع شرحه، حديث رقم: ٦٣١٢، ١١/١١٣.
[ ١٥١ ]
ألفاظًا، ومعاني. وهو برأيه هذا يوافق ما أجمع عليه السلف من جعل هذه الطرق هي الدليل االأوحد لثبوت أسماء الله تعالى.
يقول أبو عبد الله محمّد بن عبد الله بن أبي زمنين١ من أئمة المالكية: "اعلم أن أهل العلم بالله، وبما جاءت به أنبياؤه ورسله، يرون الجهل بما لم يخبر به عن نفسه علمًا، والعجز عن ما لم يدع إليه إيمانًا، وإنهم إنما ينتهون من وصفه بصفاته وأسمائه إلى حيث انتهى في كتابه، على لسان نبيه"٢.
فالبيهقي - ﵀ - بل جمهور الأشاعرة يتفقون مع السلف في هذا الاتجاه، الذي يعتبر في رأيي أصلًا كان يجب أن يعتمد عليه في إثبات العقائد جميعها، إذ إن القرآن كلام الله والسنة وحي منه إلى نبيه، والإجماع مستند إلى أحد هذين الأصلين - أعني كتاب الله وسنة نبيه ﷺ -. وقد روي عن النبي ﵇ قوله: "لا تجتمع أمتي على ضلالة".
أما القياس الذي قال به المعتزلة ومن حذا حذوهم، فلا مكان له عند السلف في مجال إثبات الأسماء، والبيهقي لم يعتد به، بل نبذه، وسلك طريق السلف في اعتبار عدم صلاحيته في هذا المجال إذ إن الأسامي التي قد تطلق على الله تعالى عن طريق تصور العقل صحة إطلاقها، قد لا تكون
_________________
(١) ١ هو محمّد بن عبد الله بن عيسى المري، أبو عبد الله، المعروف بابن أبي زمنين، فقيه مالكي، من الوعاظ الأدباء. من أهل البيرة سكن قرطبة، ثم عاد إلى البيرة، فتوفي بها سنة ٣٩٩هـ انظر الأعلام للزركلي ٧/١٠١. ٢ نقلًا عن مجموع الفتاوى لابن تيمية٥/٥٧.
[ ١٥٢ ]
لائقة المعنى بالنسبة لله تعالى، وإن تصور العقل ذلك، ويكفينا الاقتصار على الوحي فالله تعالى لم يترك المجال لعقولنا في هذه التسميات، بل أخبر بأسمائه في كتابه، وعلى لسان نبيه ﷺ.
والعقل الذي يعتبر ركيزة القياس قد يستطيع أن يصل إلى إثبات بعض العقائد كما تقدم في إثبات وجود الله، وكما سيأتي في الصفات العقلية، إلا أنه لا يستطيع الاستقلال بذلك فيرشده الوحي ويقدم له تصورًا كاملًا لذلك الاعتقاد. ومن هنا كان الوحي هو الأساس في العقائد جميعها.
عدد أسماء الله تعالى
أمّا عن عدد أسماء الله تعالى، فقد ورد حديث رواه البيهقي بسنده عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة" ١.
فهل هذا الحديث على ظاهره من حصر أسماء الله تعالى في هذا العدد، أم لا؟
يكاد الإجماع ينعقد على أن العدد الوارد في هذا الحديث لا مفهوم له يقتضي الحصر لأسماء الله تعالى في تسعة وتسعين فقط، ولم أجد مخالفًا في ذلك سوى ابن حزم الذي أخذ بظاهر الحديث، وابن حزم - كما هو معروف - ظاهري، ومذهب أهل الظاهر في الأخذ بظواهر النصوص لا يخفى. فقد قال - ﵀ - في كتاب المحلى ما نصه:
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٤. والحديث متفق عليه. انظر كتاب التوحيد من صحيح البخاري مع شرحه حديث رقم:٧٣٩٢، ١٣/٣٧٧. وصحيح مسلم، كتاب الذكر حديث رقم: ٢٦٧٧، ٤/٢٠٦٢، ٢٠٦٣.
[ ١٥٣ ]
"إن له ﷿ تسعة وتسعين اسمًا مائة غير واحد، وهي أسماؤه الحسنى، من زاد شيئًا من عنده فقد ألحد في أسمائه، وهي الأسماء المذكورة في القرآن والسنة وقد صح أنها تسعة وتسعون اسمًا فقط، ولا يحل لأحد أن يجيز أن يكون له اسم زائد، لأنه ﵇ قال: "مائة غير واحد" فلو جاز أن يكون له تعالى اسم زائد لكانت مائة اسم، ولو كان هذا لكان قوله ﵇: "مائة غير واحد" كذبًا، ومن أجاز هذا فهو كافر"١.
وقد رد عليه الحافظ ابن حجر في فتح الباري بأن الحصر المذكور باعتبار الوعد الحاصل لمن أحصاها، فمن ادعى أن الوعد وقع لمن أحصى زائدًا على ذلك فقد أخطأ، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون هناك اسم زائد٢.
ويذكر ابن حزم أيضًا عن الباقلاني، وعن محمّد بن الحسن بن فورك شيخ البيهقي أنهما يقولان بأنه ليس لله تعالى إلا اسم واحد فقط، وشنع عليهما في ذلك٣. وهذا الأخير ظاهر البطلان لما فيه من المخالفة الصريحة للكتاب والسنة.
وإذا كان هذا هو موقف العلماء من عدد أسماء الله تعالى فماذا يقول البيهقي في هذه المسألة، أيقف عند العدد الوارد كما فعل ابن حزم، أم يذهب مذهب شيخه ابن فورك، أم أنه يرى رأي الجمهور؟
_________________
(١) ١ المحلى لابن حزم١/٣٦. ٢ فتح الباري١١/٢٢١، وقد رد عليه بإسهاب شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى. انظر٢٢/٤٨٢-٤٨٦. ٣ انظر: الفصل لابن حزم٥/٣٢.
[ ١٥٤ ]
يقول - ﵀ -: "باب البيان أن لله جل ثناؤه أسماء أخر، وليس في قول النبي ﷺ: "تسعة وتسعون اسمًا" نفي غيرها، وإنما وقع التخصيص بذكرها لأنها أشهر الأسماء، وأبينها معاني، وفيها ورد الخبر أن "من أحصاها دخل الجنة" ١.
وقال أيضًا: "وقوله ﷺ: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا" لا ينفي غيرها، وإنما أراد - والله أعلم - إن من أحصى من أسماء الله ﷿ تسعة وتسعين اسمًا دخل الجنة، سواء أحصاها مما نقلنا في الحديث الأوّل، أو مما ذكرنا في الحديث الثاني ٢ أو من سائر ما دل عليه الكتاب والسنة أو الإجماع٣.
فهذان النصان اللذان أوردتهما من كلام البيهقي يدلان بوضوح على أن رأيه في العدد الذي ورد به الحديث أنه لا يقتضي الحصر، وأن العدد المجمل في صدر الحديث المفصل في جزئه الآخر - إن صح ذلك التفصيل عن النبي ﷺ - إنما المقصود منه أن تلك الأسماء الواردة هي أشهر أسماء الله تعالى، وأبينها معاني، وهي التي من أحصاها دخل الجنة، كما وضح من قوله في كتاب الأسماء والصفات.
أما رأيه الثاني الذي أورده في كتاب الاعتقاد والذي يتضمن توجيهًا آخر وهو أن المقصود أن من أحصى تسعة وتسعين اسمًا من أسماء الله
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٦. ٢ يقصد بهذين الحديثين ما رراه في كتاب الاعتقاد ص: ١٣-١٤ من ذكر أسماء الله تعالى مفصلة، بعد ذكر عددها. ٣ الاعتقاد ص: ١٤-١٥.
[ ١٥٥ ]
تعالى، دون التقيد بالأسماء الواردة بعينها في حديث أبي هريرة، بل كان إحصاؤها مما وردها في الأحاديث الأخرى أو الآيات الكريمات، أن من أحصاها دخل الجنة، فإن هذا الأخير لا يناقض الأوّل لأنه يقصد به عند عدم صحة ورود تلك الأسماء عن النبي ﷺ، إذ إنه - ﵀ - يشك في أن الأسماء الواردة في الحديث هي عن النبيّ ﷺ، فهناك احتمال أن تكون مدرجة من بعض الرواة، ويذكر هذا الرأي أيضًا عن الشيخين الجليلين البخاري ومسلم.
وفي هذا الموضوع يقول: "ويحتمل أن يكون التفسير وقع من بعض الرواة ولهذا الاحتمال ترك البخاري ومسلم إخراج حديث الوليد في الصحيح، فكأنه قصد أن من أحصى من أسماء الله تعالى تسعة وتسعين اسمًا دخل الجنة، سواء أحصاها مما نقلنا في حديث الوليد بن مسلم، أو مما نقلنا في حديث عبد العزيز بن الحصين١ أو من سائر ما دل عليه الكتاب والسنة - والله أعلم.
وهذه الأسامي كلّها في كتاب الله، وفي سائر أحاديث رسول الله ﷺ نصًا أو دلالة"٢.
فالبيهقي إذًا يرى أن العدد الوارد لا يقتضي الحصر، وأوّله تأويلًا مقبولًا، بل إن تأويله إلى معنى لا يقتضي الحصر هو ما تدل عليه النصوص الواردة في أن أسماء الله تعالى كثيرة، وليست تسعة وتسعين فحسب،
_________________
(١) ١ وهما الحديثان اللذان تقدمت الإشارة إليهما، واللذان تضمنا ذكر الأسماء تفصيلًا. ٢ الأسماء والصفات ص: ٨.
[ ١٥٦ ]
ولهذا فإن البيهقي استدل لصحة تأويله ذاك بما رواه بسنده عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسوله الله ﷺ: "ما أصاب مسلمًا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك، وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سمّيت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو علّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي إلا أذهب الله عنه همه، وأبدله مكان همه فرحًا، قالوا: يا رسول الله ألا نتعلم هذه الكلمات؟ قال: بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن" ١.
وقد عقب على هذا الحديث بقوله: "في هذا الحديث دلالة على صحة ما وقعت عليه ترجمة هذا الباب"٢ يعني ما تقدم من قوله في الترجمة لهذا الباب: "باب البيان أن لله جلّ ثناؤه أسماء أخر "٣.
والذي يبدو لي أن ذكر الأسماء ليس ثابتًا عن رسول الله ﷺ، لأن الوليد بن مسلم، وهو راوي أحد الحديثين اللذين تضمنا ذكر الأسماء يذكر عن بعض العلماء أن سرد الأسماء في الحديث مدرج فيه كما قال الحافظ ابن كثير - ﵀ – "والذي عول عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه، وإنما ذلك كما رواه الوليد بن مسلم، وعبد الملك بن محمّد الصنعاني عن زهير بن حرب أنه بلغه عن غير
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص:٦. ورواه أحمد في المسند١/٢٩١. ٢ الأسماء والصفات ص: ٦. ٣ انظر: ص (١٥٥) من هذا البحث.
[ ١٥٧ ]
واحد من أهل العلم أنهم قالوا ذلك، أي: أنهم جمعوها من القرآن، كما روى عن جعفر بن محمّد، وسفيان بن عيينة وأبي زيد اللغوي"١.
أمّا الحق في عدد أسماء الله تعالى فهو ما تبناه البيهقي إذ هو الرأي السديد الذي لا يسعنا الذهاب إلى غيره، لأنه يتفق مع نصوص الكتاب والسنة، وعليه تجتمع الأدلة، وقد قال به جمهور الأمة سلفًا وخلفًا.
وممن قال به أبو سليمان الخطابي، حيث بين رأيه في تأويل الحديث بقوله: "قوله: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا" فيه إثبات هذه الأسماء المحصورة بهذا العدد، وليس فيه نفي ما عداها من الزيادة عليها، وإنما وقع التخصيص بالذكر لهذه الأسماء، لأنها أشهر الأسماء وأبينها معاني، وأظهرها، وجملة قوله: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة" قضية واحدة لا قضيتان ويكون تمام العمل بها في خبر أن قوله: "من أحصاها دخل الجنة" لا في قوله: "تسعة وتسعين اسمًا" وإنما هو بمنزلة إن لزيد ألف درهم أعدها للتصدق، وكقولك إن لعمرو مائة ثوب من زاره خلعها عليه، وهذا لا يدل على أنه ليس عنده من الدراهم أكثر من ألف درهم، ولا من الثياب أكثر من مائة ثوب، وإنما دلالته أن الذي أعده زيد من الدراهم للصدقة ألف درهم، وإن الذي رصده عمرو من الثياب للخلع مائة ثوب"٢.
واستدل على صحة هذا التأويل بنفس الحديث الذي استدل به البيهقي - أعني حديث عبد الله بن مسعود - السالف الذكر.
_________________
(١) ١ تفسير القرآن العظيم لابن كثير٢/٢٦٩. ٢ تفسير الأسماء والصفات للخطابي ل ٦.
[ ١٥٨ ]
والخطابي كثيرًا ما ينقل عنه البيهقي ويعتمد آراءه، كما سيتضح لنا ذلك من هذا البحث فيما بعد إن شاء الله.
وممن ذهب إلى القول بعدم الحصر شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - وذكر توجيهاته لحديث أبي هريرة التي أجاد فيها وأوضح مستند القائلين بأن لله أسماء أخرى غاية الإيضاح ١. وقد ذهب إلى ذلك أيضًا تلميذه ابن القيم رحمه الله٢، والإمام البغوي٣.
وقد تبنى هذا الرأي قبل البيهقي الشيخ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي، وهو أحد مشايخه، إلا أن له نظرًا في تأويل الحديث يختلف عن التأويلات السابقة حيث قال: "وليست الفائدة في حصر أسمائه الحسنى بتسعة وتسعين المنع من الزيادة عليها، لورود الشرع بأسماء له سواها، وإنما فائدته أن معاني جميع أسمائه محصورة في معاني هذه التسعة والتسعين"٤.
ومهما اختلفت وجهات نظر القائلين بعدم الحصر في بيان المقصود من العدد الوارد في الحديث، فإنها جميعًا تتفق على أن العدد الوارد له معنى لا يقتضي الحصر، وكلّها آراء محتملة.
والبيهقي - ﵀ - يذهب في إثبات أسماء أخرى لله تعالى إلى مدى أبعد، فإنه ممن يقول بأن الحروف المقطعات في أوائل بعض السور هي من أسماء الله، متابعًا بذلك ابن عباس ﵁، وغيره من المفسرين٥.
_________________
(١) ١ انظر: مجموع الفتاوى٢٢/٤٨٢-٤٨٦. ٢ انظر: بدائع الفوائد١/١٦٦. ٣ انظر: شرح السنة٥/٣٥. ٤ أصول الدين للبغدادي ص:١٢٠. ٥ انظر: الأسماء والصفات ص: ٩٤، و٩٥.
[ ١٥٩ ]
وقد ذكر هذا الرأي عن ابن عباس، والشعبي، والسدي وغيرهم من المفسرين ابن كثير في تفسيره١.
وقصارى القول أن رأي البيهقي هذا، والذي شارك به جماهير العلماء، رأي صائب، متفق مع الحق الذي نطقت به النصوص الشرعية، التي هي مناط الاستدلال لأهل الحق دائمًا وأبدًا. فأسماء الله أكثر من أن تحصر. وما ورد عن بعض العلماء من أنها ألف أو خمسة آلاف - كما ذكر ذلك الرازي في تفسيره عن بعض العلماء - إنما هي دعوى لا دليل عليه، لأن من أسمائه تعالى ما استأثر بعلمه فكيف لنا أن نصل إلى حصره وعده. فأسماء الله تعالى كثيرة لا يمكن حصرها.
حقيقة الاسم المسمى
وهذه قضية من القضايا الرئيسية التي كثر النزاع فيها بين العلماء وقبل البدء في بيان رأي البيهفي فيها، أرى من المناسب أن أذكر أولًا إجمالًا لآراء العلماء حتى يتبين لنا موقع رأي البيهقي منها.
فأقول وبالله التوفيق: إن شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - قد ذكر وجود هذا الخلاف بعد عصر الأئمة، أحمد بن حنبل وغيره، كما ذكر أن الخلاف قد وقع على خمسة مذاهب هي:
١ - أن الاسم عين المسمى، وهو رأي أكثر المنتسبين إلى السنة كأبي القاسم الطبري، واللالكائي، وأبي محمد البغوي صاحب شرح السنة، وغيرهم. وهو أحد قولي أصحاب أبي الحسن الأشعري مما أختاره أبو بكر بن فورك وغيره.
_________________
(١) ١ انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير١/٣٦.
[ ١٦٠ ]
٢ - أن الاسم غير المسمى، وهو رأي الجهمية، ورأى المعتزلة، وتابعهما في ذلك جماعة من الأشاعرة كالغزالي، والرازي وغيرهما، يقول الرازي: "واختيار الغزالي أن الاسم والمسمى والتسمية أمور ثلاثة متباينة، وهو الحقّ عندي، لأن أسماء الله كثيرة، فالاسم غير المسمى"١.
وقد بنى الجهمية رأيهم هذا على أن أسماء الله مخلوقة وما دامت كذلك فهي غيره، وذكر ابن تيمية - ﵀ - أن هؤلاء هم الذين ذمهم السلف، وغلظوا القول فيهم، لأن أسماء الله من كلامه وكلامه غير مخلوق بل هو المتكلم به، وهو المسمى لنفسه بما فيه من الأسماء ٢.
وهذا الرأي هو الذي ناصره ابن حزم بشدة، فأرغى وأزبد في تأييده، والتشنيع على أصحاب الرأي الأوّل٣.
٣ - التوقف، وأصحاب هذا الرأي جماعة من السلف، يذكر ابن تيمية عنهم أنهم توقفوا في ذلك نفيًا وإثباتًا، أي أنهم لا يقولون إن الاسم هو المسمى ولا غيره، إذ كان كل من الإطلاقين بدعة - في نظرهم - ويذكر أن الخلال ذكر ذلك عن إبراهيم الحربي٤ رغيره كما ذكره أبو جعفر الطبري في كتابه صريح السنة.
٤ - أن الاسم للمسمى، ويذكر ابن تيمية أيضًا أنه اختيار أكثر المنتسبين إلى السنة من أصحاب الإمام أحمد وغيره.
_________________
(١) ١ لوامع الينات للرازي ص:٣-٤. ٢ مجموع الفتاوى٦/١٨٦. ٣ انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل٥/٢٧-٣٦. ٤ هو: الإمام الحبر، إبراهيم بن إسحاق بن بشير أبو إسحاق الحربي الحافظ، تفقه على الإمام أحمد، وبرع في العلم. ولد سنة: ١٩٨؟، وتوفي سنة: ٢٨٥؟. انظر: تاريخ بغداد٦/٢٧، وشذرات الذهب٢/١٩٠.
[ ١٦١ ]
٥ - التفصيل، وتذكر ابن تيمية أنه المشهور عن أبي الحسن الأشعري، وذكر طريقتهم في ذلك١.
ولسنا بحاجة إلى الإطالة في بيان هذه الأقوال وأدلتها، إذ المهم هو رأى البيهقي في هذه القضية، ومدى موافقته للحقّ فيها فأقول:
إن البيهقي - ﵀ - قد ذكر رأيين فقط من الآراء الخمسة السالفة، وكلاهما موجود في المذهب الأشعري وهذان الرأيان هما:
١ - إن الاسم عين المسمى، وهو الأوّل من الآراء التي ذكرها ابن تيمية.
٢ - التفصيل، وهو الخامس من الأقوال السابقة.
ولبيان ذلك أورد ما ذكره - ﵀ - نصًا، ثم أوضح أي الرأيين - عنده - أرجح، فقد قال - ﵀ - حاكيًا عن شيخه أبي إسحاق إبراهيم بن محمّد بن إبراهيم الإسفرائيني٢:
" واعلم أن أسامي الله تعالى على ثلاثة أقسام، قسم منها للذات وقسم لصفات الذات، وقسم لصفات الفعل.
_________________
(١) ١ انظر تفصيل هذه الأقوال الخمسة والقائلين بها عند ابن تيمية في مجموع الفتاوى ٦/١٨٥-١٨٩. ٢ هو: إبراهيم بن محمّد بن إبراهيم بن مهران، الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني، أحد أئمة الدين كلامًا، وأصولًا، وفروعًا، روى عنه جماعة منهم: البيهقي. توفي سنة:٤١٨؟. انظر: طبقات الشافعية٤/٢٥٦.
[ ١٦٢ ]
فالقسم الأوّل: الاسم والمسمى واحد، وهو مثل قديم، وشيء، وإله، ومالك.
الثاني: الاسم صفة قائمة بالمسمى، لا يقال إنها هي المسمي ولا يقال إنها غير المسمى، وهو مثل: العالم، والقادر، لأن الاسم هو العلم والقدرة.
والقسم الثالث: هو من صفات الفعل، فالاسم فيه غير المسمى وهو مثل: الخالق والرازق، لأن الخلق والرزق غيره.
وذهب بعض أصحابنا من أهل الحق في جميع أسماء الله ﷿ إلى أن الاسم والمسمى واحد. قال: والاسم في قولنا: عالم، وخالق لذات البارئ التي لها صفات الذات، مثل: العلم والقدرة وصفات الفعل مثل: الخلق والرزق، قال: ولا نقول لهذه الصفات، إنها أسماء، بل الاسم ذات الله الذي له هذه الصفات"١.
فهذان رأيان حكاهما أبو إسحاق الإسفرائيني، ونقلهما عنه البيهقي فبأيهما يختار البيهقي؟
لقد عزا - ﵀ - الرأي الأخير إلى بعض الأشاعرة، ومنهم شيخه ابن فورك، وساق استدلالهم عليه ثم صرح باختياره حيث قال: "وإلى هذا ذهب الحارث بن أسد المحاسبي، فيما حكاه عنه الأستاذ أبو بكر بن الحسن بن فورك، قال: ويصح ذلك عندي بما يشهد له اللسان بذلك، ألا ترى إلى قوله ﷿: ﴿بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ ٢، فأخبر أن اسمه يحيى، قال: يا يحيى، فخاطب اسمه، فعلم أن المخاطب يحيى وهو اسمه، واسمه هو، وكذلك قال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ ٣
_________________
(١) ١ الجامع لشعب الإيمان للبيهقي١/ ل١٥، الاعتقاد ص: ٢٢. ٢ سورة مريم آية: ٧. ٣ سورة يوسف آية: ٤٠.
[ ١٦٣ ]
وأراد المسميات، ولأنه لو كان غيره، أولًا هو المسمى، لكان القائل إذا قال عبدت الله، والله اسمه، أن يكون عبد اسمه، إما غيره وإما لا يقال انه هو، وذلك محال، وقوله: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا" معناه تسميات العباد لله، لأنه في نفسه واحد. قال الشاعر:
"إلى الحول ثم اسم السلام عليكما"١.
قال أبو عبيد -: أراد: ثم السلام عليكما، لأن اسم السلام هو السلام..
قال البيهقي: "والمختار من هذه الأقاويل ما اختاره الشيخ أبو بكر بن فورك - ﵀"٢.
وهكذا يصرح البيهقي باختياره للرأي القائل في جميع أسماء الله تعالى بأن الاسم عين المسمى. وقد تقدم طرف من أدلة أصحاب هذا الرأي المختار عند البيهقي، وفي كتاب الاعتقاد ذكر طرفًا آخر منها كقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ ٣ كما قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ ٤، كما قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ ٥ هذا من القرآن الكريم.
_________________
(١) ١ نسب ابن حزم هذا البيت إلى لبيد وذكره كاملًا وهو: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولًا كاملًا فقد اعتذر ٢ الجامع لشعب الإيمان١/ ل١٥. ٣ سورة الرحمن آية: ٧٨. ٤ سورة الفرقان آية: ١. ٥ سورة الملك آية: ١.
[ ١٦٤ ]
كما ذكر - ﵀ - أدلة هذا الرأي من السنة المطهرة فروى بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا أتى أحدكم فراشه فلينفضه بصنفة ثوبه ثلاث مرات فإنه لا يدري ما خلفه عليه، وليقل باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فاغفر لها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين" ١.
وروى بسنده أيضًا حديث عبادة بن الصامت عن رسول الله ﷺ أن جبريل ﵇ جاءه وهو يوعك فقال: "أرقيك من كل داء يؤذيك، ومن كل حسد حاسد ومن كل عين، واسم الله يشفيك" ٢.
إلى غير ذلك مما أورده - ﵀ - من أدلة لهذا الرأي.
وكما عزا هذا الرأي الذي اختاره إلى الحارث بن أسد المحاسبي وأبي بكر بن فورك، فقد عزاه أيضًا إلى أبي عبيد القاسم بن سلام والإمام محمد ابن إدريس الشافعي فقد روى عن الشافعي - ﵀ - قوله: "من حلف بالله أو باسم من أسماء الله فحنث فعليه الكفارة.."٣.
وقال بعد ذلك معلقًا على هذا القول: فجعل اليمين باسم من أسماء الله كاليمين بالله ثم قال: ومن حلف بشيء غير الله فلا كفارة عليه، فبين
_________________
(١) ١ الاعتقاد ص: ٢٣. ورواه البخاري في كتاب الدعوات حديث رقم: ٦٣٢٠، ١١/١٢٥. ٢ الاعتقاد ص: ٢٣. ورواه أحمد في المسند٥/٣٢٣. وأوّله عنده "باسم الله أرقيك". ٣ مناقب الشافعي للبيهقي١/٤٠٣.
[ ١٦٥ ]
بذلك أنه لا يقال في أسماء الله وصفاته أنها أغيار، كأنما يقال أغيار لما يكون مخلوقًا"١.
وهذا رد على القائلين بأن الاسم غير المسمى كالمعتزلة وهو رأي لا ريب شنيع، لأنه مبني على أصل فاسد وهو القول بأن كلام الله تعالى الذي ورد بذكر أسمائه سبحانه مخلوق فتكون أسماؤه مخلوقة، وهو رأي واضح البطلان.
فرأي البيهقي إذًا قد اتضح بأنه القول بأن الاسم عين المسمى وهو رأي جماعة من السلف، منهم الشافعي، وأبو عبيد القاسم بن سلام كما ذكر ذلك البيهقي نفسه، واللالكائي، والبغوي، كما ذكر ذلك ابن تيمية - ﵀ - يقول البغوي في شرح السنة: "والاسم هو المسمى وذاته"٢. وهو أحد قولي أصحاب أبي الحسن الأشعري، اختاره أبو بكر ابن فورك منهم كما تقدم.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن هؤلاء الذين قالوا. إن الاسم هو المسمى لم يوفقوا إلى الصواب، وذكر من أبرز هؤلاء القوم أبا بكر بن فورك وذكر كلامه نصًا في الآراء الواردة في هذا الشأن وذكر بعد ذلك ترجيحه لهذا الرأي بقوله: قال: والذي هو الحق عندنا قول من قال: "اسم الشيء هو عينه وذاته، واسم الله هو الله، وتقدير قول القائل: بسم الله أفعل، أي بالله أفعل وإن اسمه هو هو"٣. وهذا هو القول الذي أشار البيهقي إلى اختياره كما تقدم.
_________________
(١) ١ مناقب الشافعي للبيهقي١/٤٠٤. ٢ شرح السنة للبغوي٥/٢٩. ٣ مجموع الفتاوى لابن تيمية٦/١٩٠.
[ ١٦٦ ]
وذكر ابن تيمية - ﵀ - أن السبب الذي أدى بهم إلى مجانبة الصواب أنهم لم يقتصروا على أن أسماء الشيء إذا ذكرت في الكلام فالمراد بها المسميات، كما ذكروه في قوله: "يا يحيى" ونحو ذلك ولو اقتصروا على ذلك لكان صحيحًا، لأنه معنى واضح لا ينازع فيه من فهمه، ولعدم اقتصارهم على ذلك أنكر قولهم جمهور أهل السنة لاشتماله على أمور باطلة مثل دعواهم إن لفظ اسم الذي هو "اس م" معناه ذات الشيء ونفسه، وإن الأسماء - التي هي الأسماء - مثل زيد وعمرو هي التسميات، ليست هي أسماء المسميات، وكلاهما باطل مخالف لما يعلمه جميع الناس من جميع الأمم ولما يقولونه. فإنهم يقولون إن زيدًا وعمرًا ونحو ذلك هي أسماء الناس والتسمية جعل الشيء اسمًا لغيره، وهي مصدر سميته تسمية، إذا جعلت له اسمًا، والاسم هو القول الدال على المسمى، ليس الاسم الذي هو لفظ اسم هو المسمى، بل قد يراد به المسمى، لأنه حكم عليه، ودليل عليه١.
وجميع ما استدلوا به لا دليل لهم فيه، لأنه لا يوجد في واحد منها ما يدل على أن اسم الشيء هو ذات الشيء بعينه لأن هذا لا يتفق مع الواقع. وقد رد ابن تيمية كل دليل من الأدلة السابقة منفردًا عن الآخر بعد أن ساق الرد مجملًا، وهنا اكتفى بالرد المجمل السابق أما الرأي الأصح والأسلم منها هو ذلك التفصيل الذي أورده شارح الطحاوية فقال: "الاسم يراد به المسمى تارة، ويراه به اللفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت:
_________________
(١) ١ المصدر نفسه٦/١٩١-١٩٢.
[ ١٦٧ ]
قال الله كذا أو سمع الله لمن حمده ونحو ذلك فهذا المراد به المسمى نفسه، وإذا قلت: الله اسم عربي، والرحمن اسم عربي، والرحيم من أسماء الله تعالى ونحو ذلك، فالاسم هاهنا هو المراد، لا المسمى، ولا يقال غيره، لما في لفظ الغير من الإجمال فإن أريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فحق، وإن أريد إن الله سبحانه كان ولا اسم له حتى خلق لنفسه أسماء، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم فهذا من أعظم الضلال والإلحاد في أسماء الله تعالى"١.فهذا تفصيل منطقي سليم، بعيد عن التعقيد، وأصحاب هذا الرأي هم جمهور أهل السنة، وهم الذين يقولون: إن الاسم للمسمى وهم بهذا القول موافقون لصريح الكتاب والسنة، بل وللمعقول أيضًا لأن الله تعال يقول: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ وقال: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ .
وقال النبي ﷺ "إن لله تسعة وتسعين اسمًا" ٢ وقال صلى الله عليهوسلم: "إن لي خمسة أسماء، أنا محمد، وأحمد، والماحي، والحاشر، والعاقب" ٣.
ويذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن هؤلاء إنما يلجأون إلى التفصيل الآنف الذكر عندما يسألون أهو المسمى أم غيره٤.
_________________
(١) ١ شرح الطحاوية ص: ٦٩. ٢ متفق عليه وقد تقدم. ٣ رواه البخاري في كتاب المناقب، حديث رقم: ٣٥٣٢، ٦/٤٥٤، ورواه مالك في الموطّأ، كتاب أسماء النبي ﷺ ٢/١٠٠٤. ٤ انظر: مجموع الفتاوى٦/٢٠٧.
[ ١٦٨ ]
وفي هذا التفصيل عند الحاجة إليه غنية عن أي قول سواه لأنه هو الواقع المستند إلى الدليل.
أما التفصيل الذي ذكره البيهقي فيما مضى، وأشار إلى أنه رأى بعض متقدمي أصحابه، فإنه تفصيل يعوزه الدليل فلا اعتبار له كما أن قول البيهقي ومن وافقه أن الاسم هو المسمى غير صحيح أيضًا لما تقدم.
مسألة
ذهب البيهقي - ﵀ - إلى إطلاق اسم القديم على الله ﵎، موافقًا بذلك جمهور المتكلمين، ويحتج لصحة هذا الإطلاق بما ورد في حديث عبد العزيز بن الحصين الذي رواه في كتاب الاعتقاد١ حيث ورد ضمن الأسماء المذكورة مفصلة بعد الإجمال اسم "القديم". كما احتج بما رواه بسنده عن عمران بن حصين - ﵁ - قال: دخلت على رسول الله ﷺ، فذكر الحديث وفيه: قالوا: "جئناك نسألك عن هذا الأمر، قال: "كان الله تعالى ولم يكن شيء غيره" ٢. ثم ذكر تأييدًا لهذا الرأي قول شيخه الحليمي٣ في معنى القديم: إنه الموجود الذي ليس
_________________
(١) ١ انظر ص:١٤، من كتاب الاعتقاد، وقد تقدم الكلام على هذا الحديث، وعلى حديث الوليد بن مسلم في ص: (١٦٥) من هذا البحث. ٢ الأسماء والصفات ص: ٩. رواه البخاري في كتاب التوحيد بلفظ: "ولنسألك عن أوّل هذا الأمر ما كان" الحديث. انظر: حديث رقم: ٧٤١٨، ١٣/٤٠٣. ٣ هو: الحسين بن الحسن بن محمّد بن حليم البخاري الجرجاني أبو عبد الله فقيه شافعي، قاضٍ، كان رئيس أهل الحديث في ما وراء النهر، مولده بجرجان سنة: ٣٣٨؟ ووفاته ببخارى سنة: ٤٠٣؟. انظر: الأعلام٢/٢٥٣.
[ ١٦٩ ]
لوجوده ابتداء والموجود الذي لم يزل، وأصل القديم في اللسان السابق، لأن القديم هو القادم"١.
وعقب البيهقي على قول الحليمي هذا بقوله: "فقيل لله ﷿ قديم، بمعنى أنه سابق للموجودات كلها، ولم يجز إذ كان كذلك أن يكون لوجوده ابتداء، لأنه لو كان لوجوده ابتداء لاقتضى ذلك أن يكون غير له أوجده، وأوجب أن يكون ذلك الغير موجودًا قبله، فكان لا يصح حينئذ أن يكون هو سابقًا للموجودات، فقد أوجبنا ألاّ يكون لوجوده ابتداء، فكان القديم في وصفه جل ثناؤه عبارة عن هذا المعنى"٢.
وهكذا يتضح لنا تجويزه إطلاق اسم القديم على الله سبحانه ومن ثم وصفه بالقدم، لأن كل اسم عنده يشتمل على صفة كما سيأتي.
ولكن، ما مدى صحة ما ذهب إليه البيهقي في ذلك؟
الواقع إن ما ذهب إليه البيهقي هنا من تجويز إطلاق اسم القديم على الله ﷾ مجانب للصواب ومناقض لما سبق تقريره من أنه يرى في إثبات أسماء الله تعالى التزام جانب التوقيف، ولبيان ذلك أقول: إن ما التزمه البيهقي من الاقتصار على التوقيف في أسماء الله تعالى غير متوفر له هنا، وإن حاول المحافظة على هذا المبدأ باستناده إلى ما ورد في حديث عبد العزيز بن الحصين المشار إليه آنفًا، إلاّ أن هذا الحديث لا يصلح أن يكون دليلًا له على ما ذهب إليه لما تقدم أيضًا من أنه هو نفسه
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٩. ٢ الأسماء والصفات ص: ٩. وانظر هذا المعنى في: الاقتصار في الاعتقاد للغزالي ص: ٩٢، والمسامرة بشرح المسايرة لابن أبي شريف القدسي ص: ٢٢.
[ ١٧٠ ]
يشك في صحة ورود تفصيل الأسماء عن النبي ﷺ، لاحتمال أن يكون ذلك مدرجًا من جهة بعض الرواة، والدليل كما هو معروف في قواعد الأصول إذا تطرق إليه الاحتمال بطل له الاستدلال، وذلك في الفروع، فما بالك بالعقائد؟
وأما حديث عمران ابن حصين فلا دليل فيه لعدم اشتماله على إطلاق هذا الاسم على الله سبحانه.
ثم إن القديم في لغة العرب التي نزل بها القران، هو المتقدم على غيره، فيقال: هذا قديم للعتيق، وهذا حديث للجديد، قال ابن فارس: القدم خلاف الحدوث، ويقال شيء قديم، إذا كان زمانه سالفًا١. فلم يستعملوا هذا إلاّ في المتقدم على غيره، لا فيما لم يسبقه عدم، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ ٢. والعرجون القديم الذي يبقى إلى حين وجود العرجون الثاني، فإذا وجد الجديد قيل للأول "قديم" وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ﴾ ٣.
فالأقدم مبالغة في القديم.. وقال تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ ٤. أي يتقدمهم ويستعمل منه الفعل لازمًا ومتعديًا، كما يقال: أخذت ما قدم وما حدث، ويقال هذا قدم هذا، وهو يقدمه، ومنه سميت القدم قدمًا لأنها تقدم بقية بدن الإنسان٥.
_________________
(١) ١ معجم مقاييس اللغة٥/٦٥ مادة: (ق د م) . ٢ سورة يس آية: ٣٩. ٣ سورة الشعراء آية: ٧٥-٧٦. ٤ سورة هود آية: ٩٨. ٥ انظر: شرح الطحاوية ص: ٥٢-٥٣.
[ ١٧١ ]
وبعد أن أورد شارح الطحاوية هذه المناقشة في تقرير معنى القديم، عقب عليها بقوله: ولا ريب أنه إذا كان مستعملًا في نفس التقدم فإن ما تقدم على الحوادث كلها فهو أحق بالتقدم من غيره، لكن أسماء الله تعالى هي الأسماء الحسنى التي تدل على خصوص ما يمدح به، والتقدم في اللغة مطلق، لا يختص بالتقدم على الحوادث كلها، فلا يكون من الأسماء الحسنى، وجاء الشرع باسمه الأوّل، وهو أحسن من القديم، لأنه يشعر بأن ما بعده آيل إليه، وتابع له، بخلاف القديم، والله تعالى له الأسماء الحسنى لا الحسنة"١.
وهكذا يتضح لنا أن المعنى الذي ذكره المتكلمون للفظ القديم وارتضاه البيهقى وهو أن القديم هو الذي لا أول لوجوده، يتضح لنا أن هذا اللفظ ليس قاصرًا على هذا المعنى، بل شامل له ولغيره من المعاني السابقة، ولذلك فإنه لا يكون من الأسماء الحسنى، لأن الأسماء الحسنى تشتمل على خصوص ما يمدح به سبحانه ولفظ القديم ليس كذلك.
ومن أجل هذا لم يرد الإذن الشرعي بإطلاق هذا الاسم على الله سبحانه، وإنما الإذن ورد بإطلاق اسم الأول، وهو أصح من اسم القديم لغة وشرعًا.
وقد أنكر ابن حزم بشدة هذا الإطلاق٢، أما ما وجدناه عند بعض العلماء المتمسكين بالمنهج السلفي من إطلاق هذا اللفظ على الله كما جاء عند ابن القيم في نونيته:
_________________
(١) ١ شرح الطحاوية ص: ٥٣. ٢ انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل٢/١٥٢.
[ ١٧٢ ]
وهو القديم فلم يزل بصفاته سبحانه متفردًا بل دائم الإحسان فإنه ليس قصدهم إطلاق هذا اللفظ على سبيل التسمية أو الوصف، بل على سبيل الإخبار، وباب الأخبار أوسع من باب الصفات، كما ذكر ذلك الشيخ محمّد بن مانع ابن القيم في "البدائع" وقال بعد ذلك: وأهل العلم لم يذكروا لفظة القديم في الأسماء الحسنى ولكنهم يخبرون عنه سبحانه بذلك. وجعل قول ابن القيم السابق من هذا النوع١.
والحاصل أن إطلاق لفظ القديم على الله سبحانه بقصد التسمية غير سديد، لافتقاره إلى دليل يجوز لنا ذلك الإطلاق.
صلة الأسماء بالصفات
لقد سبق أن ذكرت المذاهب في أسماء الله تعالى، وعرفنا أن هناك من ينفيها وينفي الصفات معها وهم الجهمية، وأوضحت أنه لا مجال للحديث حينئذ في العلاقة بين معدومين.
وهناك من يثبت الأسماء وينفي الصفات، وهم المعتزلة، وهنا أيضًا لا علاقة، إذ أن أحد الأمرين لا وجود له، أما من يثبت الأسماء والصفات جميعًا لله ﷾، مع وجود الاختلاف في طريق الإثبات، والمقصود منه، فإن أصحاب هذا الرأي هم الذين بحثوا العلاقة بين الأسماء والصفات.
ولا ريب أن شيخنا البيهقي﵀- من أبرز أولئك المثبتين وقد بحث هذه العلاقة، وأثبت وجود صلة وثيقة بين أسماء الله ﷾ وبين صفاته، حيث قال: " فلله ﷿ أسماء وصفات وأسماؤه صفاته، وصفاته أوصافه"٢.
_________________
(١) ١ انظر: تعليق الشيخ محمّد بن مانع على العقيدة الطحاوية ص: ٦، وشرح الشيخ الألباني عليها ص: ١٩. ٢ الاعتقاد ص: ٢١.
[ ١٧٣ ]
إلا أنه - ﵀ - لا يريد من كلامه هذا أن الأسماء هي الصفات بعينها، وإلا لما كان ثمة حاجة إلى تأليف كتاب كبير يفرق فيه بين مباحث الأسماء ومباحث الصفات، ثم إن قوله: "وفي إثبات أسمائه إثبات صفاته، لأنه إذا ثبت كونه موجودًا فوصف بأنه حي فقد وصف بزيادة صفة على الذات هي الحياة، وإذا وصف بأنه قادر فقد وصف بزيادة صفة هي القدرة وإذا وصف بأنه عالم فقد وصف بزيادة صفة هي العلم، كما إذا وصف بأنه خالق فقد وصف بزيادة صفة هي الخلق، وإذا وصف بأنه رازق فقد وصف بزيادة صفة هي الرزق، وإذا وصف بأنه محيي فقد وصف بزيادة صفة هي الإحياء إذ لولا هذه المعاني لاقتصر في أسمائه على ما ينبىء عن وجود الذات فقط"١.
في هذا القول بيان لتلك العلاقة التي يراها بين أسماء الله تعالى وصفاته وهي دلالة تلك الأسماء على اتصافه سبحانه بما تتضمنه من صفات. وفي قوله – راويًا عن شيخه الحليمي: "وإنما تشتق أسماؤه من صفاته التي كلها مدائح، وأفعاله التي أجمعها حكمه"٢ دليل على أنه يرى التلازم بين الصفة والاسم فكما أن الصفة تدل على الاسم، فالاسم أيضًا دليل على الصفة، بمعنى أن الصفة إذا ذكرت منفردة فهي تدل بطريق اللزوم على الاسم المشتق منها، والاسم إذا ذكر منفردًا دل بطريق اللزوم أيضًا على الصفة التي اشتقّ منها، وأعني بالصفات هنا الصفات الدالة على الأسماء الحسنى.
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ١١٠. ٢ المصدر نفسه.
[ ١٧٤ ]
وهذا الرأي في العلاقة بين أسماء الله تعالى وصفاته، الذي ذهب إليه البيهقي هو الرأي السديد الذي يتفق مع العقل والمنطق ولم يخالفه فيه من مثبتي الأسماء سوى ابن حزم الذي يرى أن الأسماء جامدة ليست مشتقة أصلًا فلا علاقة بينها وبين الصفات حيث يقول:
".. وأما قولهم: هل يفهم من قول القائل "الله" كالذي يفهم من قوله عالم فقط، أو يفهم من قوله عالم معنى غير ما يفهم من قوله "الله"؟ فجوابنا أننا لا نفهم من قولنا قدير وعالم إذا أردنا بذلك الله تعالى إلا ما نفهم من قولنا الله فقط، لأن كل ذلك أسماء أعلام لا مشتقة من صفة أصلًا"١.
فهو لا يرى ثمة علاقة بين الأسماء والصفات وهذا قول باطل وادعاء لا دليل عليه، إذ أن اللغة العربية التي نزل بها القرآن وخاطب الله بها أهلها لا تساعده على ما أراد، فإنه لا يفهم من عالم وعليم وقادر وقدير إلا ذات اتصفت بصفة٢.
وهذا الرأي هو صريح مذهب المعتزلة أيضًا لأنهم أثبتوا الأسماء ونفوا الصفات، ومعنى هذا أنهم لا يرون أن الصفة ثبتت بثبوت الاسم، ولذلك مزيد بيان فيما بعد إن شاء الله.
وفي قول البيهقي السابق: بأنه لولا هذه المعاني لاقتصر في أسمائه على ما ينبىء عن وجود الذات فقط، في هذا القول رد على من ذهب هذا المذهب الذي تبناه ابن حزم ووافقته عليه المعتزلة، كما أن شيخ
_________________
(١) ١ الفصل في الملل والأهواء والنحل٢/١٢٨-١٢٩. ٢ انظر: حاشية الفصل لابن حزم الصفحات السابقة نفسها.
[ ١٧٥ ]
الإسلام ابن تيمية - ﵀- قد رد عليه، واحتد في ذلك حتى وصفه بأنه شبيه برأي القرامطة الباطنية وقال بعد ذلك: ".. فإنا نعلم باضطرار الفرق بين الحي والقدير، والعليم، والملك والقدوس، والغفور، وإن العبد إذا قال: رب اغفر لي، وتب علي إنك أنت التواب الغفور، كان قد أحسن في مناجاة ربه، وإذا قال اغفر لي وتب علي إنك أنت الجبار المتكبر الشديد العقاب لم يحسن في مناجاته، وإن الله أنكر على المشركين الذين امتنعوا من تسميته بالرحمن فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢.
ومعلوم أن الأسماء إذا كانت أعلامًا وجامدات لا تدل على معنى لم يكن فرق فيها بين اسم واسم، فلا يلحد في اسم دون اسم، ولا ينكر عاقل اسمًا دون اسم، بل قد يمتنع عن تسميته مطلقًا، ولم يكن المشركون يمتنعون عن تسمية الله بكثير من أسمائه، وإنما امتنعوا عن بعضها وأيضًا فالله له الأسماء الحسنى دون السوآى، وإنما يتميز الاسم الحسن عن الاسم السيئ بمعناه، فلو كانت كلها بمنزلة الأعلام الجامدات التي لا تدل على معنى لم تنقسم إلى حسنى وسوآى، بل هذا القائل لو سمى معبوده بالميت والعاجز والجاهل، بدل الحي والعالم والقادر لجاز ذلك عنده"٣
_________________
(١) ١ سورة الفرقان آية: ٦٠. ٢ سورة الأعراف آية: ١٨٠. ٣ شرح العقيدة الأصفهانية لابن تيمية ص: ٧٦-٧٨.
[ ١٧٦ ]
ويقول ابن القيم﵀- في تقرير الرأي الذي ذهب إليه البيهقي، والرد على مخالفيه: " لو لم تكن أسماؤه مشتملة على معان وصفات، لم يسغ أن يخبر عنه بأفعالها، فلا يقال يسمع ويرى ويعلم، ويقدر ويريد، فإن ثبوت أحكام الصفات فرع ثبوتها، فإذا انتفى أصل الصفة استحال ثبوت حكمها وأيضا فلو لم تكن أسماؤه ذوات معان وأوصاف لكانت جامدة كالأعلام المحضة التي لم توضع لمسماها باعتبار معنى قام به، فكانت كلها سواء، ولم يكن فرق بين مدلولاتها، وهذه مكابرة صريحة وبهت بين، فإن من جعل معنى اسم "القدير" هو معنى اسم "السميع البصير" ومعنى اسم "التواب" هو معنى اسم "المنتقم" ومعنى اسم المعطي هو معنى اسم "المانع" فقد كابر العقل، واللغة والفطرة"١.
فرأى البيهقي الذي يثبت معاني أسماء الله تعالى وبذلك يثبت الصفات التي تدل عليها هو الرأي الحق، وقد وافق فيه السلف، أما رأي ابن حزم المقابل لرأي البيهقي فقد تبين بطلانه، وهو في نظري لا يبعد كثيرًا عن رأي الجهمية الذي سبق أن أشرت إليه وهو القائل بنفي أسماء الله تعالى، وإطلاقها عليه على سبيل المجاز.
_________________
(١) ١ مدارج السالكين لابن القيم١/٢٩.
[ ١٧٧ ]