لقد كان الحديث حول هذه الصفة موضع اهتمام كبير من البيهقي حيث إن من اطلع على كتابيه اللذين خصصهما لمباحث العقيدة يلحظ هذا الاهتمام الكبير الذي أولاه هذه الصفة، إذ إنه - ﵀ – خصص في كتاب الأسماء والصفات عدة أبواب طوال، تضم عشرات الصفحات الحافلة بشتى المسائل التي تتعلق بهذه الصفة كما خصص لها في كتاب الاعتقاد بابًا من أكبر أبوابه.
وليس عجيبًا أن يولي البيهقي هذه الصفة عناية خاصة ويبحثها في إفاضة وتحليل، وذلك لاتصالها الوثيق بمسألة خطيرة تبني الجهمية من المعتزلة ترويجهما ونشرها بشتى الأساليب، ألا وهي مسألة القول بخلق القرآن، التي وقعت بسببها المحنة على أهل السنة في عهدي المأمون والمعتصم من خلفاء بني العباس، حتى لقد ضرب الإمام أحمد، وطيف به في الأسواق، مما جعل الناس يتنازعون في هذه المسألة نزاعًا كبييرًا، وينقسمون طوائف مختلفة، حتى قيل إن علم الكلام إنما سمي كذلك أخذًا من الكلام في هذه الصفة.
وقد ذكر شارح الطحاوية أن الخلاف في هذه القضية ينحصر في تسعة أقوال، ذكرها ناسبًا كل قول إلى صاحبه١، إلا أن أشهر تلك الأقوال في نظري - ثلاثة، قال بها ست فرق وهي:
_________________
(١) ١ انظر: شرح الطحاوية ص: ١١٧-١١٨.
[ ٢٣٩ ]
١ - الفلاسفة والصابئة، ويرون أن الكلام هو ما يفيض على النفوس، إما من العقل الفعال، أو من غيره، ويزعمون أن الله إنما كلم موسى من سماء عقله، أي بكلام حدث في نفسه لم يسمعه من خارج١.
٢ - المعتزلة والجهمية، زعموا أن معنى كونه تعالى متكلمًا أنه خالق للكلام في غيره، وليس الكلام صفة قائمة به٢.
٣ - الكلابية والأشعرية، ذهبوا إلى أن الله تعالى متكلم بكلام قائم بذاته أزلًا وأبدًا، لا يتعلق بمشيئته وقدرته، وقالوا: إن ذلك الكلام معنى واحد في الأزل هو الأمر بكل مأمور، والنهي عن كان محظور، والخبر عن كل مخبر عنه، إن عبر عنه بالعربية كان قرآنًا وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلًا، وقالوا: معنى القرآن والتوراة والإنجيل واحد، ومعنى آية الكرسي هو معنى آية الدين، والأمر والنهي والخبر صفات للكلام لا أنواع له٣.
_________________
(١) ١ انظر مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية٣/٣٨. وهذا الرأي الذي ذكره ابن تيمية عن الفلافسة هو - في نظري - أبعد الآراء عن روح الإسلام، إذ إنه مناقض للنصوص الصريحة من الكتاب والسنة التي تدل بوضوح على أن الرسول ﷺ كان يوحي إليه، إما بتكليم الله ﷿ له بلا ترجمان بينه وبينه، أو بواسطة ملك يرسله الله تعالى لتبليغ كلامه إلى ذلك النبيّ وليس خيالًا، بل حقيقة كما ورد أن الملك كان يتمثل للنبي ﷺ صورة رجل، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء﴾ سورة الشورى آية: ٥١. فدعاوى أن الوحي إنما هو تمثل الحقائق الإلهية في نفس النبيّ كلامًا وصورًا، دعوى باطلة. ٢ انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبّار، ص: ٥٢٨. ٣ انظر: مذهب الأشاعرة هذا في: شرح المقاصد للتفتازاني٢/٩٩، وأصول الدين للبغدادي ص: ١٠٦، ولمع الأدلة لإمام الحرمين ص: ٩١.
[ ٢٤٠ ]
هذا هو ملخص الآراء في هذه القضية، بقي أن نعرف مقصدنا الأساسي ألا وهو رأي البيهقي - ﵀ - فأقول وبالله التوفيق.
إن البيهقي لم يخرج في هذه المسألة برأي جديد، يستقل به من أصحابه الأشاعرة، بل إنه وافقهم في كل ما ذهبوا اليه من أن الكلام نفسي، وأنه قديم أزلي، وليس بحرف ولا صوت، وإن هذا الكلام الذي نقرؤه عبارة عن كلام الله القديم، والمعنى فيه واحد. وإليك مصداق ذلك كله من كلامه هو، مع بيان وجه الحق في كل ما طرقه من مسائل هذه القضية.
حقيقة الكلام الإلهي
يقول البيهقي - ﵀ – "الكلام هو نطق نفس المتكلم، بدليل ما روينا عن أمير المؤمنين عمررضي الله عنه في حديث السقيفة: فذهب عمر يتكلم، فأسكته أبو بكر ﵄، فكان عمر يقول: "والله ما أردت بذاك إلاّ أني قد هيّأت كلامًا أعجبني، وفي رواية أخرى: وكنت قد زّورت مقالة أعجبتني فسمي تزوير الكلام في نفسه كلامًا قبل التلفظ به"١.
والبيهقى بهذا يبين أن رأيه في الكلام أنه معان تقوم بنفس المتكلم، واستدل من اللغة بقول عمر ﵁، وهذا الرأي للبيهقي فيه موافقة كاملة لرأي أصحابه من الإشارة.
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٢٧٢.
[ ٢٤١ ]
يقول إمام الحرمين الجويني: "الكلام هو القول القائم بالنفس"١.
وكذلك قال الجرجاني في شرح المواقف، وهو صريح مذهب الأشاعرة عمومًا٢.
ومما استدل به هؤلاء لهذا الرأي قول الأخطل:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلًا
قال الآمدي بعد إيراده لهذا البيت: "وهذا الإطلاق والاشتهار دليل على صحة إطلاق الكلام على ما في النفس"٣.
وإذًا فالبيهقي - رحمه الله تعالى - في قوله بأن الكلام النفسي يوافق الأشاعرة، ويخالف السلف، إذ إن مذهب السلف في هذه المسألة يختلف اختلافًا كبيرًا عن رأي هؤلاء لأن حقيقة كلام الله تعالى عندهم أنه ما يسمع منه أو من المبلّغ عنه، فإذا سمعه السامع علمه وحفظه٤.
يقول الإمام عثمان بن سعيد الدارمي - ﵀ -: "فالله المتكلم أولًا وآخرًا، لم يزل له الكلام، إذ لا متكلم غيره، ولا يزال له الكلام إذ لا يبقى متكلم غيره، فيقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ ٥ أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ وكيف يعجز عن الكلام من علم العباد الكلام، وأنطق الأنام؟
_________________
(١) ١ الإرشاد للجويني ص: ١٠٤. ٢ انظر: الموافقة بشرح الجراجاني (قسم الإلهيّات) تحقيق الدكتور أحمد المهدي، ص: ١٥٠، وكتاب الأربعين في أصول الدين للغزالي، ص: ١٤. ٣ غاية المرام في علم الكلام للآمدي، ص: ٩٧. ٤ شرح الطحاوية ص: ١٣٢. ٥ سورة غافر آية: ١٦.
[ ٢٤٢ ]
قال الله في كتابه: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ١. فهذا لا يحتمل تأويلًا غير نفس الكلام
وقال لقوم موسى حين اتخذوا العجل فقال: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ ٢ وقال: ﴿عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ ٣.
قال أبوسعيد: ففي كل ما ذكرنا تحقيق كلام الله وتثبيته نصًا بلا تأويل، ففيما عاب الله به العجل في عجزه عن القول والكلام بيان بين أن الله ﷿ غير عاجز عنه، وأنه متكلم وقائل، لأنه لم يكن يعيب العجل بشيء هو موجود فيه"٤.
وإذًا فالسلف - رحمهم الله تعالى - يرون أن كلام الله تعالى حقيقي في الكلام المسموع، وأنه يتكلم بحرف وصوت، وأن كلامه لا يشبه كلام خلقه، ويرون أن إثبات الكلام نفسيًا، كما هو رأي البيهقي - هو إضافة نقص إلى الله ﷾، إذ إن الأخرس له خواطر يريد التكلم بها، ولكنه مع ذلك لا يستطيع، فالله ﷾ منزه عن مثل هذا العجز، الذي يعتبر نقصًا في المخلوق، والله ﵎ منزه عن كل نقص بل أولى بالتنزه عن ذلك النقص من المخلوق، فهو سبحانه متصف بكل صفات الكمال، ومتكلم بمشيئته وقدرته وإرادته، متى شاء كيف شاء.
_________________
(١) ١ سورة النساء آية: ١٦٤. ٢ سورة طه آية: ٨٩. ٣ سورة الأعراف آية: ١٤٨. ٤ الردّ على الجهمية للدارمي ص: ٧٢-٧٣، وانظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية ١٢/٥٢٩.
[ ٢٤٣ ]
هذا عن مذهب السلف المقابل لمذهب البيهقي ومن هو على رأيه.
أما ما استدل به البيهقي - ﵀ - من قول عمر رضي اللله عنه: "زورت في نفسي كلامًا" وما استدل به غيره مما ذهب نفس المذهب من مثل قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ ١ فليس لهم فيه حجة، لأن الكلام إذا أطلق فإنما يراد به اللفظ والمعنى جميعًا وليس المعنى وحده، أما إذا قيد الكلام بالنفس ونحوها، فإن دلالة المقيد خلاف دلالة المطلق، وهنا قيد الكلام بالنفس، ولم يطلقه وهذا دليل على أن الكلام المطلق إنما هو اللفظ والمعنى جميعًا، على أنه يحتمل أنهم قالوا بألسنتهم قولًا خفيًا٢.
ويرد على البيهقي وجميع من وافقه في القول بالكلام النفسي يرد عليهم بقوله ﷺ: "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس" ٣. وقوله: "إن الله يحدث من أمره ما يشاء وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة" ٤. واتفق العلماء على أن المصلي إذا تكلم في الصلاة عامدًا لغير مصلحتها بطلت صلاته واتفقوا كلهم على أن ما يقوم بالقلب، من تصديق بأمور دنيوية وطلب لا يبطل الصلاة، وإنما يبطلها التكلم بذلك، فعلم اتفاق المسلمين على أن هذا ليس بكلام٥.
_________________
(١) ١ سورة المجادلة آية: ٥٨. ٢ انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية١٥/٣٥. ٣ رواه مسلم. انظر: حديث رقم: ٥٣٧، ١/٣٨١. ٤ أورده البخاري في صحيحه باب رقم: ٤٢ من كتاب التوحيد١٣/٤٩٦، والنسائي في سننه٣/١٧. ٥ شرح الطحاوية ص: ١٣٧.
[ ٢٤٤ ]
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به، أو تعمل به" ١. فقد أخبر النبي ﷺ أن الله عفا عن حديث النفس إلا أن تتكلم ففرق بين حديث النفس وبين الكلام، وأخبر أنه لا يؤخذ به حتى يتكلم به، والمراد: حتى ينطق به اللسان، باتفاق العلماء، فعلم أن هذا هو الكلام في اللغة، لأن الشارع إنما خاطبنا بلغة العرب٢.
فقول البيهقي في الكلام غير صحيح، لما ذكرناه من أدلة قاطعة بأن الكلام إذا أطلق فإنه إنما يراد به اللفظ والمعنى جميعًا وأن حديث النفس لا يسمى كلامًا إلا إذا قيد.
أما ما أورده أصحاب البيهقي من استدلال بقول الأخطل:
إن الكلام لفي الفؤاد فإني أعجب من استدلالهم بقول هذا النصراني على مسألة من أهم مسائل العقيدة الإسلامية ويزيد العجب من ذلك إذا علمنا أنهم كثيرًا ما يردون استدلالات السلف على مسائل العقيدة بأنها أحاديث آحاد، كيف وقد قيل إن هذا البيت مصنوع وليس للأخطل، بل مصنوع ومنسوب إليه.
وعلى فرض صحته فإنه نصراني، وليس من اللائق أن يستدل بكلام قوم ضلوا في معنى الكلام حيث زعموا أن عيسى ﵇ هو نفس كلمة الله، واتحد اللاهوت بالناسوت. وفي هذا المعنى يقول الإمام ابن القيم - ﵀ - في نونيته:
_________________
(١) ١ رواه البخاري في كتاب الإيمان حديث رقم: ٦٦٦٤، ١١/٥٤٩. ٢ شرح الطحاوية ص: ١٣٧.
[ ٢٤٥ ]
ودليلهم في ذاك بيت قاله فيما يقال الأخطل النصراني
يا قوم قد غلط النصارى قبل في معنى الكلام وما اهتدوا لبيان
ولأجل ذا جعلوا المسيح إلههم إذ قيل كلمة خالق رحمن
ولأجل ذا جعلوه ناسوتا ولا هوتًا قديمًا بعد متحدان١
فما أثبته السلف لله ﷾ من صفة الكلام الحقيقي المسموع، ومن أنه يتكلم متى شاء كيف شاء هو ما يتفق مع الأدلة الصحيحة والمعقول الصريح، وما ذهب إليه البيهقي والأشاعرة عمومًا من القول بالكلام النفسي لا يسعفه الدليل، ولا يكاد يتصوره عقل.
مسألة الحرف والصوت
ثم إن البيهقي - رحمه الله تعالى - ينكر أن يكون كلام الله تعالى بحرف وصوت، وفي بيان رأيه هذا يقول: "إن كان المتكلم ذا مخارج، سمع كلامه ذا حروف وأصوات، والباري جل ثناؤه ليس بذي مخارج، وكلامه ليست بحرف، ولا صوت، فإذا فهمناه ثم تلوناه، تلوناه بحروف وأصوات"٢.
وليس للبيهقي - ﵀ - دليل على نفي الحرف والصوت عن كلام الله تعالى سوى أنه يرى أن إثبات ذلك يقتضي تشبيه الله بخلقه في أن يكون له مخارج الحروف والأصوات فيكون كلامه يشبه كلام خلقه لأن الحرف والصوت من صفات كلام المخلوقين.
_________________
(١) ١ شرح الطحاوية ص: ١٣٧. ٢ الأسماء والصفات ص: ٢٧٣.
[ ٢٤٦ ]
يقول الحافظ ابن حجر معقبًا على كلام البيهقي السابق: "وحاصل الاحتجاج للنفي الرجوع إلى القياس على أصوات المخلوقين، لأنها التي عهد أنها ذات مخارج"١.
ولهذه الشبهة أوّل البيهقي حديث الصوت باحتمال أن يكون الصوت للسماء، أو للملك اللآتي بالوحي، أو لأجنحة الملائكة٢.
وهو بهذا يتفق مع الأشاعرة القائلين بنفي أن يكون الله تعالى متكلمًا بحرف وصوت، لأن كلامه سبحانه نفسي، أما الكلام الذي أنزل على رسول الله ﷺ والذي نتلوه، فيقرّون بأنه حرف وصوت إلاّ أنهم يرون أنه مخلوق محدث لأنه ليس كلام الله الحقيقي، بل هو عبارة كلام الله القديم٣. كما سيأتي ذلك فيما بعد إن شاء الله.
وإذا كان كلام الله نفسيًا عند البيهقي وأصحابه الأشاعرة وليس بذي حروف وأصوات فما هو الكلام الذي سمعه موسى ﵇ وكيف سمعه مع أن الله تعالى لا يتكلم به بصوت؟
لقد أجاب البيهقي عن هذا السؤال بأن الله تعالى أزال المانع عن موسى ﵇ الذي يمنعه من سماع كلامه بلا حرف ولا صوت، وخلق له قوة أدرك بها كلامه القديم وفي هذا المعنى يقول البيهقي - ﵀ - عند إيضاحه لمعنى قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ٤ يقول:
_________________
(١) ١ فتح الباري لابن حجر العسقلاني١٣/٤٥٨. ٢ الأسماء والصفات ص: ٢٧٤. ٣ انظر: المواقف بشرح الجرجاني (قسم الإلهيّات) ص: ١٤٩-١٥٠، وشرح أم البراهين للسنوسي ص: ٣١. ٤ سورة السناء آية: ١٦٤.
[ ٢٤٧ ]
"فوصف نفسه بالتكلم ووكده بالتكرار فقال تكليمًا، ثم ذكر ماكلم الله به موسى وقال بعد ذلك فهذا كلام سمعه موسى ﵇ بإسماع الحق إياه، بلا ترجمان بينه وبينه، دله بذلك على ربوبيته، ودعاه إلى وحدانيته"١.
ونجد جوابًا لذلك أوضح عند السنوسي في شرحه لعقيدة أهل التوحيد الكبرى حيث ذكر أنه تعالى - بفضله - أزال المانع عن موسى ﵇، وخلق اسه سمعًا وقواه حتى أدرك به كلامه القديم٢.
ولذلك يرى الأشاعرة أن كلام الله تعالى لموسى ﵇ حقيقي بهذا المعنى، وهو ما عبر عنه البيهقي كما تقدم.
أما الغزالي من أساطين المذهب الأشعري فإنه يرى أن هذا بحث في الكيفية، وهو أمر غير جائز، فما علينا إلا أن نؤمن بذلك، ولسنا مكلفين بالبحث عنه٣.
أما السلف فإنهم يقفون من رأي البيهقي في مسألة الحرف والصوت موقفًا معاكسًا، لأنهم يرون أن الله تعالى متكلم بحرف وصوت إلا أن كلامه ﷾ لا يشبه كلام خلقه، ولا صوته يشبه أصواتهم كما ذكر ذلك عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - حيث قال: "وقد نص أئمة الإسلام، أحمد ومن قبله من الأئمة على ما نطق به الكتاب والسنة من أن الله ينادي بصوت، وأن القرآن كلامه تكلم به بحرف وصوت وليس منه شيء كلامًا لغيره، لا جبريل ولا غيره، وأن العباد يقرؤونه بأصوات
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ١٩٠. ٢ شرح عقيدة أهل التوحيد الكبرى للسنوسي ص: ٢٧٥. ٣ الاقتصاد في الاعتقاد ص: ١٤٤-١٤٥.
[ ٢٤٨ ]
أنفسهم، وأفعالهم، فالصوت المسموع من العبد صوت القارىء، والكلام كلام الباري"١.
كما ذكر - ﵀ - أن الكلام في هذه القضية إنما حدث في حدود المئة الثالثة، وانتشر في المئة الرابعة، بمعنى أن الكلام فيها حدث بعد أن لم يكن موجودًا في عهد الصحابة والتابعين، بسبب ما وقع من جدال مرير بين السلف والمعتزلة في مسألة القول بخلق القرآن.
كما ذكر أن منشأ الخطأ في هذه المسألة هو عدم التفريق والمباينة بين الخالق وصفاته، والمخلوق وصفاته، وإلاّ فإن السلف متفقون على التمييز بين صوت الربّ، وصوت العبد، ومتفقون على أن الله تكلم بالقرآن الذي أنزله على نبيه ﷺ حروفه ومعانيه وأنه ينادي عباده بصوته٢.
وليس للبيهقي ومن حذا حذوه في نفي الحرف والصوت سوى الشبهة التي سبق ذكرها.
أما السلف فإنهم استدلوا على مذهبهم القائل بأن الله يتكلم بصوت بحديث أبي سعيد الخدري الذي رواه البخاري: قال النبي ﷺ: "يقول الله: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار" ٣. وأمثاله من الأحاديث.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى٢/٥٨٤. ٢ مجموع الفتاوى٢/٥٨٥. ٣ رواه البخاري في كتاب التوحيد من صحيحه، حديث رقم:٧٤٨٣، ١٣/٤٥٣.
[ ٢٤٩ ]
وقد رد الحافظ ابن حجر على القائلين بالنفي بناء على القياس على أصوات المخلوقين، لأنها التي عهد أنها ذات مخارج كالبيهقي وغيره رد عليهم بنفي القياس المذكور، وعدم صحة وروده هنا حيث قال:
"ولا يخفى ما فيه إذ الصوت قد يكون من مخارج.. لكن يمنع القياس المذكور، وصفات الخالق لا تقاس على صفة المخلوق، وإذا ثبت ذكر الصوت بهذه الأحاديث الصحيحة وجب الإيمان به، ثم إما التأويل وإما التفويض ١.
هكذا قال أن ابن حجر، وإلاّ فلا التأويل قال به السلف ولا التفويض، بل يثبتون الصوت على الحقيقة من غير تصوّر مشابهة ولا تمثيل.
كما ردّ الإمام أحمد على هذه الشبهة الفاسدة ردًا مفحمًا لا يدع مجالًا لمفكر أو متأمل حيث قال: ".. وأما قولهم: إن الكلام لا يكون إلاّ من جوف وفم وشفتين ولسان، أليس الله قال للسموات والأرض: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ ٢، وقال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ ٣، أتراها سبحت: بحروف وفهم، ولسان وشفتين؟ والجوارح إذا شهدت على الكافر فقالوا: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ٤، أتراها أنها نطقت بجوف وفم ولسان، ولكن الله أنطقها كيف شاء، من غير أن يقول بجوف ولا فم، ولا شفتين ولا لسان٥.
_________________
(١) ١ فتح الباري لابن حجر١٣/٢٧٤. ٢ سورة فصلت آية: ١١. ٣ سورة الأنبياء آية: ٧٩. ٤ سورة فصلت آية: ٢١. ٥ الردّ على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد بن حنبل ص: ١٣١.
[ ٢٥٠ ]
بمعنى أنه ليس من شرط المتكلم أن يكون ذا مخارج، لهذه الأدلة فبطل بذلك التمسك بهذه الشبهة.
وفي إثبات الصوت لله ﷾، ونفي المشابهة بينه وبين أصوات المخلوقين يقول الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري: ".. ويذكر عن النبيّ ﷺ أنه كان يحب أن يكون الرجل خفيض الصوت، ويكره أن يكون رفيع الصوت، وأن الله ﷿ ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، فليس هذا لغير الله جل ذكره". وفي هذا دليل أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق، لأن صوت الله جل ذكره يسمع من بعد كما يسمع من قرب وأن الملائكة يصعقون من صوته، فإذا تنادى الملائكة لم يصعقوا، وقال الله ﷿: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ ١ فليس لصفة الله ند ولا مثل ولا يوجد شيء من صفاته في المخلوقين٢. ثم ذكر الأحاديث التي تدلّ على ذلك٣.
وقصارى القول أن السلف يرون أن الله تعالى يتكلم بصوت يسمع كما دلت على ذلك الأدلة القاطعة من الكتاب والسنة، وأن صوته لا يشبه أصوات خلقه، كما أن ذاته لا تشبه ذواتهم، وأن سائر كلام الله تعالى ليس هو الحروف فقط، ولا المعاني.
وفي بيان أن كلام الله تعالى هو مجموع الأمرين، يقول شيخ الاسلام ابن تيمية موضحًا المذهب الصحيح في ذلك: "والصواب الذي عليه سلف الأمة - كالإمام أحمد والبخاري صاحب الصحيح في كتاب خلق
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية: ٢٢. ٢ خلق أفعال العباد للبخاري ص: ٥٩. ٣ انظر: المصدر نفسه ص: ٥٩-٦٠.
[ ٢٥١ ]
أفعال العباد وغيره، وسائر الأئمة قبلهم وبعدهم أتباع النصوص الثابتة، وإجماع الأمة، وهو أن القرآن جميعه كلام الله حروفه ومعانيه ليس شيء من ذلك كلامًا لغيره، ولكن أنزله على رسوله، وليس القرآن اسمًا لمجرد المعنى، ولا لمجرد الحروف بل لمجموعهما، وكذلك سائر الكلام ليس هو الحروف فقط، ولا المعاني فقط، كما أن الإنسان المتكلم الناطق ليس هو مجرد الروح، ولا مجرد الجسد، بل مجموعهما، وأن الله تعالى يتكلم بصوت كما جاءت به الأحاديث الصحاح، وليس ذلك كأصوات العباد، لا صوت القارىء، ولا غيره وإن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فكما لا يشبه علمه وقدرته وحياته، علم المخلوق وقدرته وحياته، فكذلك لا يشبه كلامه كلام المخلوق، ولا معانيه تشبه معانيه ولا حروفه تشبه حروفه، ولا صوت الربّ يشبه صوت العبد"١.
فهذا هو مذهب السلف الحق، وهو الرأي السديد لاتفاقه مع ما جاء به الوحي الإلهي، الذي يجب أن يكون هو الفيصل عند الاختلاف والحكم عند التنازع، بعيدًا عن الأقيسة الباطلة.
فما ادعاه البيهقي في هذه المسألة مردود بما تقدم من الأدلة الدامغة التي اعتمدها السلف في هذه القضية، ويكفينا ترجيحًا لمذهبهم أنهم جعلوا الوحي دليلهم، والتوحيد منهجهم، فالله واحد في صفاته، كما أنه واحد في ذاته، لا يشبه أحدًا من خلقه، ولا يشبهه أحد منهم.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى١٢/٢٤٣-٢٤٤.
[ ٢٥٢ ]
قدم الكلام الإلهي
يرى البيهقي - ﵀ - أن كلام الله تعالى قديم قدم الذات الإلهية، إذ الكلام عنده ملازم لذات الله تعالى أزلًا وأبدًا، فلا يجوز أن يكون شيء منه حادثًا.
يقول﵀-: "وإنما كلامه صفة له أزلية موجودة بذاته، لم يزل كان موصوفًا به، ولا يزال موصوفًا به"١. واستدل على هذا القول بآيات من كتاب الله تعالى فقال: "ثم إن الله تعالى نفى عن كلامه الحدوث بقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ٢. فأخبر أنه كان موجودًا مكتوبًا قبل الحاجة إليه في أم الكتاب، وقوله ﷿: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ ٣. فأخبر أن القرآن كان في اللوح المحفوظ، يريد مكتوبًا فيه، وذلك قبل الحاجة إليه، وفيه ما فيه منن الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والخبر والاستخبار وإذا ثبت أنه كان موجودًا قبل الحاجة إليه ثبت أنه لم يزل كان٤.
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٢٣٧. ٢ سورة الزخرف آية: ٤. ٣ سورة البروج آية: ٢١-٢٢. ٤ الأسماء والصفات ص: ٢٢٩.
[ ٢٥٣ ]
أما من السنة النبوية فاستدل بحديث احتجاج آدم وموسى ﵉ وفيه: "فبكم وجدت الله كتب التوارة قبل أن أخلق؟ قال موسى: بأربعين عامًا. قال آدم فهل وجدت فيها: فعصى آدم ربه فغوى؟ قال نعم.." ١ الحديث.
قال البيهقي بعد إيراده لهذا الحديث: "والاختلاف في هذه التواريخ غير راجع إلى شيء واحد، وإنما هو على حسب ماكان يظهر لملائكته ورسله، وفي كل ذلك دلالة على قدم الكلام"٢.
هذا هو استدلال البيهقي من الكتاب والسنة على قدم الكلام الإلهي.
أما من العقل فقد أورد دليلين على هذا الرأي، ونسبهما إلى شيخه أبي بكر بن فورك وهما:
أولأ: إن كلامه تعالى لوكان مخلوقًا لوجب أن يتصف بضده قبل خلقه، لاستحالة أن يخلو الحي من الكلام وضده.
ثانيًا: إنه لوكان الكلام مخلوقًا لما خلا الأمر من أن يكون خلقه تعالى في نفسه أو في غيره، أولًا في محل، والأخير باطل لأن الكلام عرض والعرض لا يقوم بنفسه، وكذا الأوّل لاستحالة قيام الحوادث به تعالى ويترتب على الثاني إضافة الكلام إلى ذلك الغير، فلا يكون كلامًا لله تعالى٣.
_________________
(١) ١ رواه البخاري في كتاب التوحيد حديث رقم: ٧٥١٥، ١٣/٤٧٧، وكتاب الأنبياء رقم: ٣٤٠٩، ٦/٤٤٠، ورواه مسلم في كتاب القدر حديث رقم: ٢٦٥٢، ٤/٢٠٤٢. ٢ الأسماء والصفات ص: ٢٣٣. ٣ الجامع لشعب الإيمان١/ ل٢٥.
[ ٢٥٤ ]
وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - إلى هاتين الحجتين، وذكر أنهما عمدة جميع القائلين بقدم الكلام من الأدلة العقلية كالأشعري وأصحابه ومن وافقهم كالقاضي أبي يعلى، وابن الزاغوني، وأمثالهما من الحنابلة وهو عمدة الماتوريدية أيضًا١. كما ذكر أيضًا أنهما عمدة من لا يعتمد في الأصول في مثل هذه المسألة إلاّ على العقليات كأبي المعالي ومتبعيه٢.
وقد وافق البيهقي بهذا القول في كلام الله تعالى جميع الأشاعرة والماتوريدية٣.
وهذا الرأي الذي تبناه البيهقي يخالف ما عليه سلف الأمة في هذه المسألة، حيث إن السلف يرون أن كلام الله تعالى قديم النوع حادث الآحاد، وأن الله متكلم متى شاءك يف شاء٤.
أما عن أدلة البيهقي النقلية التي ساقها ليسند بها رأيه فليس له فيها ما أراد، لأن قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾، وقوله: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ ليس فيها ما يدل على القدم الذي يراه البيهقي. وساق هذه الآيات للاستدلال بها عليه، وإنما دلالتها على وجود القرآن مكتوبًا في اللوح المحفوظ قبل إنزاله على رسول الله ﷺ، وإذا كان يعتبر أن وجوده
_________________
(١) ١ ممجموع الفتاوى٦/٢٩١. ٢ المصدر نفسه، وانظر: لمع الأدلة للجويني ص: ٩٠. ٣ انظر: شرح أم البراهين للسنوسي ص: ٣٠، وشرح العقائد النسفية للتفتازاني ص: ٧٧، والمسامرة بشرح المسايرة للقدسي ص: ٧٣، وتبصرة الأدلة لأبي المعين النسفي١/٢٨٧. ٤ شرح الطحاوية ص: ١٢٧، ومجموع الفتاوى٦/٢٩٢، و١٢/٣٧٢.
[ ٢٥٥ ]
في اللوح المحفوظ قبل إنزاله على رسول الله ﷺ دليل قدمه، فإن ذلك لا يستقيم له، لأنه اللوح المحفوظ مخلوق حادث دون خلاف.
أما حديث احتجاج آدم وموسى فإنه إنما يدل على القدر وحسب.
أمّا الحجتان العقليتان فإنهما إنما تدلان على مذهب السلف وهو أن الله تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء كيف شاء، فتدلان على أن نوع كلامه قديم لا على أنه لم يتكلم بمشيئته وقدرته، وأن الكلام شيء واحد قديم، ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله١.
وما ذكره البيهقي في الحجة الثانية من قوله بأنه لا يصح أن يكون خلق الكلام في نفسه، لاستحالة أن يكون محلًا للحوادث، فإن هذا كلام غير صحيح، فإن السلف وإن لم يقولوا بأن الله تعالى خلق الكلام في نفسه ولا في غيره، إلأ أنهم يقولون بأنه يتكلم به متى شاء كيف شاء، أي أنهم يجوزون حلول الحوادث بذات الله تعالى على معنى أنه سبحانه يفعل متى شاء كيف شاء، لأن فعله متعلق بمشيئته، وهذا لا يلزم منه حدوث النوع.
وقد تقدم الكلام على مسألة حلول الحوادث بذات الله تعالى٢.
أما ما تصوّره هؤلاء من أن مثل هذا القول يلزم منه أن الله تعالى يخلق الفعل في نفسه فإن هذا اللازم باطل، والله ﵎ منزه عنه باتفاق.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى٦/٢٩٢. ٢ انظر ص: (٢٥٠) من هذا البحث.
[ ٢٥٦ ]
وحدة الكلام الإلهي
وبعد أن قرر البيهقي - ﵀ - أن الكلام نفسي قديم قائم بذات الله ﷾ قرر أيضًا أنه معنى واحد لا يتبعض، إن عبر منه بالسريانية كان إنجيلًا، وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة، وإن عبر عنه بالعربية كان قرآنًا. فبعد أن أورد - ﵀ - حديث أبي هريرة ﵁ الذي قال فيه: "كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة فيفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا، وما أنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون" ١.
بعد أن أورد البيهقي هذا الحديث الذي هو مناط استدلاله على ما ذهب إليه قال: "وفي هذا دليل على أنهم إن صدقوا فيما فسروا من كتابهم بالعربية كان ذلك مما أنزل إليهم، على معنى العبارة عما أنزل إليهم، وكلام الله تعالى واحد، لا يختلف باختلاف العبارات فبأي لسان قرئ، كان قد قرىء كلام الله تعالى، إلاّ أنه إنما يسمى توراة إذا قرئ بالعبرانية وإنما يسمى إنجيلًا إذا قرئ بالسريانية وإنما يسمى قرآنًا إذا قرئ بالعربية على اللغات السبع التي أذن صاحب الشرع في قراءته عليهن"٢.
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٢٧٠، والحديث رواه البخاري في كتاب التوحيد رقم: ٧٥٤٢، ١٣/٥١٦. ٢ الأسماء والصفات ص: ٢٧٠.
[ ٢٥٧ ]
ونفى التبعيض عن كلام الله تعالى بقوله: "التبعيض إنما هو في القراءة الدالة عليه، والقراءة غير المقروء"١.
فكلام الله تعالى - عند البيهقي - معنى واحد لا يتعدد ولا يتبعض لأن كلام الله الحقيقي عنده هوكلامه القديم الذي يقول عنه إنه هو القائم بنفسه تعالى، فلا ينقسم إلى أمر ونهي، وخبر واستخبار، كما صرح بأن الكلام الذي أنزله الله ﵎ على نبيه ﷺ ليس هوكلامه حقيقة، وإنما هو عبارة عنه، ودال عليه، وقوله بوحدة الكلام الإلهي هو الذي حدا به إلي القول بأنه إنما يكون قرآنًا إذا قرئ بالعربية وتوراة إذا قرئ بالعبرانية، وإنجيلًا إذا قرئ بالسريانية على معنى أنه لا فرق بين هذه الكتب الثلاثة، لأنها جميعًا – عنده - عبارة عن كلام الله القديم الذي هو معنى واحد لا يتعدد ولا يتبعض.
وقد أرجع البيهقي كلام الله جميعه إلى معنى الأمر حيث قال: "ففي كلّ موضع يستدل بسياق الكلام على معنى الأمر"٢.
ورأي البيهقي هو قول جمهور أصحابه الأشاعرة حيث قالوا مثله بوحدة الكلام الإلهي، وإرجماعه إلى معنى الأمر٣.
ولا ريب أن ما ذهب إليه البيهقي ومن وافقه لا يتفق مع مذهب السلف في هذا الموضوع، لأن السلف - رحمهم الله تعالى - يرون أن كلام الله تعالى أنواع فمنه الأمر، والنهي، ومنه الخبر والاستخبار، ومنه النداء وذلك أمر واضح من واقع كلام الله تعالى.
_________________
(١) ١ الجامع لشعب الإيمان١/ ل٢٦. ٢ الأسماء والصفات ص: ٢٢٨. ٣ انظر: نهاية الأقدام للشهرستاني ص: ٣٠٧، ومحصل أفكار المتقدمين والمتأخرين للرازي ص: ١٣٤، والعقيدة النظامية لإمام الحرمين ص: ١٨.
[ ٢٥٨ ]
أما قول البيهقي ومن وافقه فإنه واضح البطلان، إذ إن لازمه أن معنى قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ ١ هو معنى قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ٢ ومعنى آية الكرسي هو معنى آية الدين، ومعنى سورة الإخلاص هو معنى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ ٣.
يقول شارح الطحاوية في بيان فساد هذا القول: "وكلما تأمل الإنسان هذا القول تبين له فساده، وعلم أنه مخالف لكلام السلف، والحق أن التوراة والإنجيل والزبور والقرآن من كلام الله حقيقة، وكلام الله لا يتناهى، فإنه لم يزل يتكلم بما شاء إذا شاء، كيف شاء، ولا يزال كذلك قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٥.
ولوكان ما في المصحف عبارة عن كلام الله، وليس هو كلام الله لما حرم على الجنب والمحدث مسه، ولو كان ما يقرؤه القارىء ليس كلام الله لما حرم على الجنب والمحدث قراءته، بل كلام الله محفوظ في الصدور، مقروء بالألسن مكتوب في المصاحف"٦.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء آية: ٣٢. ٢ سورة البقرة آية: ٤٣. ٣ سورة المسد آية: ١. ٤ سورة الكهف آية: ١٠٩. ٥ سورة لقمان آية: ٢٧. ٦ شرح الطحاوية ص: ١٣٠.
[ ٢٥٩ ]
أما قول البيهقي بأن كلام الله لا يتبعض فإن هذا قول مردود أيضًا، لأن موسى ﵇ حين سمع كلام الله تعالى - كما تقدم أنه يرى سماع موسى لكلام الله تعالى على معنى أن الله خلق فيه إدراكًا فهم به ذلك المعنى - فهل موسى ﵇ فهم كلام الله كلّه أو بعضه؟ فليس له إلاّ أحد جوابين:
إما أن يقول بأن موسى فهم كلام الله كلّه فيكون موسى قد علم علم الله، وإما أن يكون فهم بعضه، وإذا قال فهم بعضه - ولن يجد محيصًا عنه - فقد تبعض كلام الله تعالى.
وقصارى القول: أن ما ارتضاه البيهقي من القول بأن كلام الله تعالى معنى واحد قديم، لا يتعدد، ولا يتبعض غير منطقي، ولا ينسجم مع الواقع، ولا مع الوحي الذي نراه تارة ينهى، وأخرى يأمر، ومرات ينادي وكل نوع من هذه الأنواع لا يشبه الآخر، بل يختلف عنه، ولو كان الأمر كما قالوا لما كان ثمة حاجة إلى تفسير كلام الله تعالى في تلك الأسفار الضخام، التي هي ثمرة جهد مضن بذله علماء هذه الأمة، بينوا فيها ما أراده الله ﵎ حين أمر وما أراده حين نهى، ليكون المسلم على بصيرة من مقاصد التشريع.
[ ٢٦٠ ]
موقف البيهقي: من مقالة الجهمية والمعتزلة في القرآن
وإذا كان البيهقي - ﵀ - يرى أن كلام الله تعالى إنما هو معنى قائم بذاته سبحانه، يسمع وتفهم معانيه وإن الحروف تكون أدلة عليه، كما تكون الكتابة إمارات الكلام ودلالات عليه١، على معنى أن هذا الكلام الذي نقرؤه، ونكتبه في المصاحف ليس هو كلام الله حقيقة وإنما هو عبارة عنه، فإنه قد وقف من رأي الجهمية والمعتزلة القائل بأن كلام الله مخلوق، نفس الموقف الذي وقفه السلف من أصحاب هذه المقالة الفاسدة مع اختلافه معهم في حقيقة الكلام، كما سبق أن ذكرنا آنفًا.
فقد اشتهر عن المعتزلة والجهمية قولهم في القرآن بأنه مخلوق محدث، ويقرر القاضي عبد الجبار المعتزلي هذا الرأي بقوله: "وأما مذهبنا في ذلك فهو أن القرآن كلام الله تعالى، ووحيه، وهو مخلوق محدث"٢، بمعنى أن الله تعالى لم يكن متكلمًا، وحينما أراد الكلام خلقه في محل، وأسمعه من أراد كما قالوا عن موسى ﵇ أن سماعه لكلام الله تعالى إنما كان تحت الشجرة التي خلق الله كلامه فيها. وهذا هو رأي الجهمية أيضًا٣.
_________________
(١) ١ الجامع لشعب الإيمان١/ ل٢٦. ٢ شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ص: ٥٢٨. ٣ انظر: الردّ على الجهمية لعثمان بن سعيد الدارمي ص: ٩٣، والتنبيه والردّ على أهل الأهواء والبدع للملطى ص: ١٢٥، ومقالات الإسلاميين للأشعري١/٣٣٨.
[ ٢٦١ ]
وقد استند هؤلاء إلى آيات كريمات، زاعمين دلالتها على ما ذهبوا إليه، فبعد أن أورد القاضي عبد الجبار رأيهم على النحو السابق عقب عليه بالاستدلال له بقوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ٢، إلى غير ذلك أن الآيات التي ادعوا دلالتها على مذهبهم.
وقد كان لهذا الرأي الذي تبناه الجهمية وتابعهم عليه المعتزلة أثره في المحن القاسية التي مني بها المسلمون في حقبة من الزمن، كان علماء السلف فيها في منأى من كل رأي يوجد الفرقة في صفوف الأمة إلا أن المعتزلة أبوا إلا إشاعة هذه المقالة الفاسدة، محاولين إيصالها إلى كل ذهن وترسيخها في كل عقل، حتى لو اقتضى ذلك استخدام القوة من أجل إكراه الناس على اعتناق مذهبهم.
وقد حدث ذلك بالفعل كما سبق أن ذكرت من استخدامهم لاثنين من خلفاء بني العباس هما: المأمون والمعتصم، وظلت الفتنة قائمة على أشدها وأئمة الإسلام صامدون في وجه أصحابها، حتى أراد الله تعالى لها الانكشاف على يد المتوكل.
وقد كان فشو هذه المقالة الفاسدة التي تمس العقيدة الإسلامية في صميمها سببًا دافعًا لعلماء السلف على الاشتغال بتفنيدها وبيان زيغها، وتوطيد دعائم الحقّ بالحجّة الساطعة، والبرهان القاطع.
_________________
(١) ١سورة الأنبياء آية: ٢. ٢سورة الزخرف آية: ٣.
[ ٢٦٢ ]
وقد كان البيهقي - ﵀ - مدركًا لخطورة هذه البدعة، كما أدركها غيره من الأئمة، فشدد النكير على أصحابها، وسلك في الرد عليهم نفس الأسلوب الذي اتخذه علماء السنة سواء المعاصرين لهم أو من أتى بعدهم وشارك في الرد.
فالبيهقي - ﵀ - يقرر أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق ويرد على الجهمية والمعتزلة بأدلة من القرآن الكريم، ففي معرض الرد عليهم أورد الآية المتضمنة لأنواع الوحي الذي كان ينزل على الأنبياء وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء﴾ ١.
وقال بعد إيرادها: "فلو كان كلام الله لا يوجد إلا مخلوقًا في شيء مخلوق، لم يكن لاشتراط هذه الوجوه معنى، لاستواء جميع الخلق في سماعه من غير الله ووجودهم ذلك عند الجهمية مخلوقًا في غير الله وهذا يوجب إسقاط مرتبة النبيين صلوات الله عليهم أجمعين، ويجب عليهم إذا زعموا أن كلام الله تعالى لموسى خلقه في شجرة أن يكون من سمع كلام الله من ملك أو من نبي أتاه به من عند الله أفضل مرتبة في سماع الكلام من موسى، لأنهم سمعوه من نبي، ولم يسمعه موسى ﵇ من الله، وإنما سمعه من شجرة.
_________________
(١) ١ سورة الشورى آية: ٥١.
[ ٢٦٣ ]
وأن يزعموا أن اليهود إذ سمعت كلام الله من موسى نبي الله أفضل مرتبة من موسى بن عمران صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم لأن اليهود سمعته من نبي من الأنبياء، وموسى صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم سمعه مخلوقًا في شجرة، ولو كان مخلوقًا في شجرة لم يكن الله ﷿ مكلمًا لموسى من وراء حجاب، ولأن كلام الله ﷿ لموسى ﵇ لو كان مخلوقًا في شجرة كما زعموا، لزمهم أن تكون الشجرة بذلك الكلام متكلمة ووجب عليهم أن مخلوقًا من المخلقين كلم موسى، وقال له: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ ١. وهذا ظاهر الفساد"٢.
وقد أشار البيهقي إلى أن هذه الوجوه هي استدلال أبي الحسن الأشعري والأمر كما قال٣.
وهكذا ينقض البيهقي - ﵀ - هذا الرأي الفاسد في كلام الله عامة، وفي القرآن خاصة بإلزامات عقلية لا محيص لهم عنها، تؤدي إلى تهافت رأيهم وظهور زيغه وبطلانه.
كما بين فساد هذا الرأي بأن القرآن لو كان مخلوقًا لكان الله تعالى موجدًا له بكلمة "كن" كسائر المخلوقات، لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٤ وهذا غير صحيح.
_________________
(١) ١ سورة طه آية: ١٤. ٢ الاعتقاد ص: ٣٣. ٣ انظر: الإبانة للأشعري ص: ٢١-٢٣. ٤ سورة النحل آية: ٤٠.
[ ٢٦٤ ]
وفي ذلك قال﵀ -: "فلو كان القرآن مخلوقًا لكان الله سبحانه قائلًا له "كن"، والقرآن قوله، ويستحيل أن يكون قوله مقولًا له لأن هذا يوجب قولًا ثانيًا، والقول في القول الثاني وفي تعلقه بقول ثالث كالأول، وهذا يفضي إلى ما لا نهاية له، وهو فاسد، وإذا فسد ذلك فسد أن يكون القرآن مخلوقًا"١.
كما استدل بتفريق الله ﷾ بين القرآن والإنسان في مكان واحد، حيث خص القرآن بالتعليم والإنسان بالتخليق حين قال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنِ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الأِنْسَانَ﴾ ٢ مبينًا كيف أن هذه الآيات تدل على فساد مذهب الجهمية، بأن الله تعالى جمع بين القرآن والإنسان في هذه الآيات المتعاقبات وخص كلا منهما بأمر لا يشاركه فيه الآخر، فخص القرآن بالتعليم، وخص الإنسان بالتخليق، وهذا يدل على أن القرآن غير مخلوق، لأنه لو كان مخلوقًا لأشركه مع الإنسان في خاصية الخلق، ولقال: "خلق القرآن والإنسان"٣.
كما استدل بقوله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ ٤ ففرق بين خلقه وأمره بالواو الذي هو حرف الفصل بين الشيئين المتغايرين فدل على أن قوله غير خلقه٥.
_________________
(١) ١ الاعتقاد ص: ٣٢. ٢ سورة الرحمن آية: ١-٣. ٣ الاعتقاد ص: ٣٢. ٤ سورة الأعراف آية: ٥٤. ٥ الاعتقاد ص: ٣٢.
[ ٢٦٥ ]
ومما ردّ البيهقي على هذا القول الباطل ما عاب الله ﵎ به على المشركين من قولهم عن القرآن الكريم: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ١ حيث إن مات زعم أن القرآن مخلوق فقد جعله قولًا للبشر٢.
ويزيد هذا الدليل وضوحًا ما ذكره الإمام عثمان بن سعيد الدارمي من استدلاله بهذه الآية على تكفير الجهمية، حيث قال مستدلًا على ذلك: ".. أما من الكتاب فما أخبر الله ﷿ عن مشركي قريش من تكذيبهم بالقرآن، فكان من أشد ما أخبر عنهم من التكذيب بالقرآن، أنهم قالوا "هو مخلوق" كما قالت الجهمية سواء.
قال الوحيد وهو الوليد بن المغيرة المخزومي: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ وهذا قول جهم: إن هذا إلا مخلوق وكذلك قول من يقول بقوله، وقول من قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ ٣ ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ ٤ و﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ﴾ ٥ معناهم في جميع ذلك ومعنى جهم في قوله يرجعان إلى أنه مخلوق ليس بينهما فيه من البون كغرز إبرة، ولا قيس شعرة.
_________________
(١) ١ سورة المدثر آية: ٢٥. ٢ الاعتقاد ص: ٣٢. ٣ سورة الفرقان آية: ٤. ٤ سورة المؤمنون آية: ٨٣. ٥ سورة ص آية: ٧.
[ ٢٦٦ ]
فبهذا نكفرهم كما أكفر الله به أئمتهم من قريش، وقال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ ١ إذ قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ٢ لأن كلّ إفك وتقول وسحر واختلاق، وقول البشر كله لا شك في شيء منه أنه مخلوق، فاتفق من الكفر بين الوليد بن المغيرة وجهم بن صفوان الكلمة والمراد في أنه مخلوق"٣.
وهذا الإلزام الشديد الذي أورده الإمام الدارمي، بل إنه يرى أنه صحيح مذهبهم، لذلك سواهم في هذا بكفار قريش.
أخذ البيهقي هذا الإلزام - كما تقدم - إلا أنه أورده بلهجة أخف وكلام أوجز.
والجهمية أتباع جهم بن صفوان الترمذي لا أحد يشك في كفرهم لهذا الرأي، ولآراء فاضحة أخرى، كنفي الأسماء والصفات المتضمن تكذيبًا صريحًا لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
كما سلك البيهقي في الرد على أصحاب هذه المقالة أسلوبًا آخر، هو بيان تهافت استدلالهم الذي اعتمدوا عليه وإليك أمثلة لذلك، فقد سبق أن ذكرت من الآيات التي استدلوا بها على أن القرآن مخلوق قوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ . وقد بين البيهقي - ﵀ - أن استدلالهم غير صحيح وأن للآيتين معنى غير ما أرادوا.
_________________
(١) ١ سورة المدثر آية: ٢٦. ٢ سورة المدثر آية: ٢٥. ٣ الردّ على الجهمية لعثمان بن سعيد الدارمي ص: ٩٣-٩٤.
[ ٢٦٧ ]
فالأولى: ليس المراد منها أن القرآن نفسه محدث، وإنما أراد بالمحدث ذكر القرآن لهم، وتلاوته عليهم، وعلمهم به، فكل ذلك محدث، والمذكور المتلو المعلوم غير محدث، كما أن ذكر العبد لله تعالى محدث، والمذكور غير محدث١.
أو أن المراد على أظهر المعاني التي أرجعها إليها الإمام أحمد أن المحدث هو تنزيله على لسان الملك الذي أتى به، فالتنزيل هو المحدث٢.
أما الآية الثانية: فقد بين البيهقي أيضًا أنها لا تدل على ما ذهب إليه الجهمية والمعتزلة، لأن جعلناه بمعنى: سميناه قرآنًا عربيًا، وأنزلناه مع الملك الذي أسمعناه إياه حتى نزل به بلسان العرب ليعقلوا معناه٣.
وهكذا ينقض البيهقي أدلتهم على هذا النمط، يبين أن المراد من الآيات التي استدلوا بها خلاف ما راموا من معنى.
وهذا هو أسلوب السلف في رد استدلال المعتزلة على هذا المذهب الخطير، ويتضح لنا ذلك بمطالعة كتبهم مثل: كتاب الردّ على الجهمية للإمام أحمد، والردّ على الجهمية للدارمي، ومناظرة الأخير مع بشر المريس، وبيانه لتهافت آرائهم، وتقبيح السلف لها في كتابه "النقص على بشر المريس" حتى روى عن عبد الله بن المبارك قوله: "لأن أحكي كلام اليهود والنصارى، أحبّ إليّ من أن أحكي كلام الجهمية"٤.
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٢٢٩، والاعتقاد ص: ٣٤. ٢ الاعتقاد ص: ٣٤-٣٥. ٣ الاعتقاد ص: ٣٤. ٤ الردّ على بشر المريس للدارمي ضمن عقائد السلف جمع عليّ سامي النشار ص: ٣٦٠.
[ ٢٦٨ ]
ولبيان موافقة البيهقي للسلف في هذا الأسلوب أورد مثالًا لذلك رد الإمام ابن قتيبة استدلال المعتزلة والجهمية بالآيتين السالفتين حيث قال: " ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ فإن الجعل يكون بمعنيين: أحدهما خلق، والآخر غير خلق، فأما الموضع الذي يكون فيه خلقًا، فإذا رأيته متعديًا إلى مفعول واحد لا يجاوزه كقول الله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ ١. فهذا بمعنى: خلق
وأما الموضع الذي يكون فيه غير الخلق فإذا رأيته متعديًا إلى مفعولين كقوله: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ ٢ أي: صيرتم، وكقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ ٣ فإن هم وجدوا في القرآن كله "جعل" متعدية إلى القرآن وحده ليقضوا عليه بالخلق، فنحن نتابعهم.
وكذلك المحدث ليس هو في موضع بمعنى مخلوق، فإن أنكروا ذلك فليقولوا في قول الله: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ أنه يخلق وكذلك قوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ أي: ذكر حدث عندهم لم يكن قبل ذلك"٤.
وقد أورد البيهقي قدرًا كبيرًا من أقوال السلف الناطقة بما قرره من أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، فمنها ما رواه عن سفيان بن عيينة - ﵀ - أنه قال: "أدركت مشيختنا منذ سبعين سنة منهم عمرو ابن دينار يقولون: القرآن كلام الله ليس بمخلوق"٥.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية: ١. ٢ سورة النحل آية: ٩١. ٣ سورة البقرة آية: ٦٦. ٤ الاختلاف في اللفظ لابن قتيبة ضمن مجموعة عقائد السلف ص: ٢٣٤-٢٣٥. ٥ الأسماء والصفات ص: ٢٤٥، وخلق أفعال العباد للبخاري ص: ٧.
[ ٢٦٩ ]
وما رواه عن جعفر بن محمّد أنه سئل: يا ابن رسول الله، ما تقول في القرآن خالق أم مخلوق؟ قال: أقول فيه ما يقول أبي وجدي: ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله عز وجل١.
وما رواه عن مالك بن أنس ﵁ أنه قال: "القرآن كلام الله ليس بمخلوق"٢. إلى غير ذلك مما أورده عن السلف من أقوال كلّها مصرحة بمذهبهم في أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق.
فرأي هؤلاء الجهمية في القرآن باطل باتفاق السلف والأشاعرة بمن فيهم البيهقي، وإذا كان الرأيان قد تشابها في النظرة إلى رأي الجهمية، فإن القارئ قد يظن أن الفريقين يدينان برأي واحد في القرآن، إلا أن الأمر خلاف ذلك، فبين الرأيين بون شاسع، إذ يتضح لنا من مجموع ما تقدم من نصوص في بحث مسألة الكلام بجميع جوانبها أن البيهقي ومعه الأشاعرة يرون أن هذا القرآن الذي نتلوه بألسنتنا ونكتبه في مصاحفنا ليس هو كلام الله القديم وإنما هو عبارة عنه، ودلالة عليه، وهو مخلوق، لأن كلام الله الحقيقي نفسي قديم، ونفوا أن يكون كلام الله الحقيقي هو معجزة الرسول ﷺ.
وقد بين ذلك الآمدي- من أساطين الأشاعرة- حين قال مفرقًا بين مذهبه هو وأصحابه وبين مذهب المعتزلة: "وأما ما قيل من أن القرآن معجزة الرسول فيمتنع أن يكون قديمًا فتهويل لا حاصل له، فإنا مجمعون على أن القرآن الحقيقي ليس بمعجزة الرسول، وإنما الاختلاف في
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٢٤٧، وخلق أفعال العباد للبخاري ص: ٨. ٢ الأسماء والصفات ص: ٢٤٨.
[ ٢٧٠ ]
أمر وراءه وهو أن ذلك القرآن الحقيقي ماذا هو؟ فنحن نقول إنه المعنى القائم بالنفس والخصم يقول: إنه حروف وأصوات أوجدها الله تعالى، وعند وجودها انعدمت وانقضت، وأن ما أتى به الرسول، وما نتلوه نحن ليس هو ذلك وإنما هو مثال له، على نحو قراءتنا لشعر المتنبي، وامرئ القيس، فإنه ليس ما يجري على ألسنتنا هو كلام امرئ القيس، وإنما هو مثله"١.
ومعنى هذا أن الكلام الذي بين أيدينا يطلق عليه قرآنًا من باب تسمية الدلالات باسم المدلولات وإلا فإن القرآن الحقيقي قائم بذات الله تعالى لا ينفك عنه أزلًا وأبدًا. وهذا هو مذهب البيهقي كما يفهم من كلامه الذي أوردته في صدر هذا المبحث وفي المباحث السابقة.
أما السلف فإنهم يرون أن هذا القرآن الذي بين أيدينا هو كلام الله حقيقة حروفه ومعانيه، وهو صفة من صفاته لأنه كلام الله تعالى وكلامه سبحانه قديم النوع حادث الآحاد فالله تعالى تكلم به، وأسمعه الملك فنزل به على نبينا محمد ﷺ، والكلام لمن قاله مبتدءا، لا لمن قاله مبلغًا، وهو عند السلف صفة ذات ملازمة لذات الله تعالى لم تخل منها في وقت من الأوقات، وهي صفة فعل أيضًا، لأنه متكلم متى شاء كيف شاء بحرف وصوت، كما ورد ذلك في النصوص الصريحة.
وهكذا فقد كان رأي السلف جامعًا لما عند الفريقين من حق فخرجوا برأي واضح الموافقة لصريح المعقول، وصحيح المنقول. فالخلاف
_________________
(١) ١ غاية المرام في علم الكلام للآمدي ص: ١٠٧، وانظر: الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي ص: ١٤٩.
[ ٢٧١ ]
بين البيهقي وأصحابه من جانب وبين السلف من جانب آخر ينحصر - هنا - في حقيقة الكلام ما هو؟ وإلا فالكل يقول إن القرآن الحقيقي غير مخلوق، وإنما قال الأشاعرة بخلق القرآن المنزل على محمّد ﷺ، لأنهم يقولون إنه ليس هو القرآن الحقيقي، وإنما هو عبارة عنه ودلالات عليه، أما القرآن الحقيقي فهو نفسي قديم وهو غير مخلوق، وهذا رأي واضح البطلان - كما تقدم عند الكلام على المبحث الخاص بحقيقة الكلام.
[ ٢٧٢ ]