وهذه المسألة ذات شقين: رؤية في الدنيا، ورؤية في الآخرة.
أما رؤية الله ﵎ في الدنيا فقد وقع النزاع فيها بين العلماء حول نبيّنا محمّد ﷺ، هل رأى ربّه ليلة الإسراء أم لا؟ على رأيين فمنهم من أثبتها، ومنهم من نفاها.
وكان الخلاف في ذلك قد وقع منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم وقد شددت عائشة ﵂ النكير على من قال بأن الرسول ﷺ رأى ربه بعيني رأسه١.
أما من عداه من الخلق فلم يقع خلاف بين العلماء في عدم وقوعها لهم، إذ اتفقوا جميعًا على أنه لم يره أحد منهم في الدنيا.
وليست هذه المسألة هي ما نحن بصدد بحثه هنا، بل الغرض من عقد هذا الفصل هو الحديث عن موقف البيهقي من رؤية الله ﵎ في الآخرة، التي هي من أشرف مسائل أصول الدين، وأجلها، لأنها الغاية التي يتسابق المؤمنون من أجل نيلها، والحصول من نعيم الجنة - التي هي غايته - عليها، لذلك كانت هذه القضية العظمى محل اهتمام كبير من البيهقي - ﵀ - إذ أولاها عناية خاصة، حتى إنه أفردها بالتأليف في كتاب مستقلّ، كما أشار إلى ذلك في كتاب الاعتقاد٢.
_________________
(١) ١ انظر: الطحاية ص: ١٥١. ٢ الاعتقاد ص: ٤٨. وقد سبق أن أشرت إلى أن هذا الكتاب لا يزال مفقودًا. انظر: ص (٩٨) من هذا البحث.
[ ٣٧٧ ]
وقد كان الخلاف في هذه القضية على رأيين:
أحدهما: القول بإثباتها للمؤمنين يوم القيامة وهو مذهب سلف الأمة جميعًا، وقد ذهب إليه الأشاعرة بمن فيهم البيهقي.
وثانيهما: القول بالمنع، وهو مذهب الجهمية والمعتزلة، ومن تبعهم من الخوارج والإمامية١، واستدلوا بأدلة تعرض لها البيهقي بالنقض والتفنيد، مبنيًا أنها إنما تدل على مذهب الإثبات، لا على ماذهبوا إليه من باطل.
وسوف أقوم أولًا بإيضاح رأي البيهقي وأدلته على النحو التالي:
لقد ذهب - ﵀ - إلى القول بإثبات رؤية المؤمنين لربّهم بأبصارهم يوم القيامة وفي ذلك يقول: "باب القول في إثبات رؤية الله ﷿ في الآخرة بالأبصار"٢. ثم شرع في إيراد أدلته على هذا الإثبات من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ.
فأما أدلته من القرآن الكريم فمنها:
١ - قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٣.
حيث يرى - ﵀ - أنّ النظر الوارد في الآية المقصود به الرؤية. وقد روى تفسير هذه الآية بذلك عن ابن عباس وغيره من السلف٤.
_________________
(١) ١ انظر: شرح الطحاوية ص: ١٤٢، ومقالات الإسلاميين للأشعري١/٢٣٨. ٢ الاعتقاد ص: ٤٥. ٣ سورة القيامة آية: ٢٣. ٤ الاعتقاد ص: ٤٩.
[ ٣٧٨ ]
وهذه الآية من أظهر الأدلة على هذه القضية، ومع ذلك عمد النفاة إلى تأويلها، وتحريفها عن موضعها، حيث قاموا بتأويل النظر الوارد في الآية إلى معنى الانتظار فكأنه - تعالى - قال: وجوه يومئذ ناضرة لثواب ربها منتظرة١.
إلا أن البيهقي - ﵀ - تصدى لهذا التأويل، فرده حيث قام بحصر معاني النظر الواردة في القرآن الكريم، متوصلًا بذلك إلى أن المقصود به في هذه الآية الرؤية، حيث قال - ﵀ -:
"وليس يخلو النظر من وجوه: إما أن يكون الله ﷿ عنى به نظر الاعتبار كقوله: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ٢، أو يكون عنى به نظر الانتظار كقوله: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ ٣ أو يكون عنى نظر التعطف والرحمة كقوله: ﴿وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ ٤، أو يكون عنى الرؤية كقوله: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ ٥.
ولا يجوز أن يكون الله سبحانه عنى بقوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ نظر التفكر والاعتبار، لأن الآخرة ليست بدار استدلال واعتبار، وإنما هي دار اضطرار، ولا يجوز أن يكون عنى نظر الانتظار لأنه ليس في شيء من أمر الجنة انتظار، لأن الانتظار معه تنغيص وتكدير، والآية خرجت مخرج
_________________
(١) ١ انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبّار ص: ٢٤٥، وديوان الأصول للنيسابوري، ص: ٦٠٤. ٢ سورة الغاشية آية: ١٧. ٣ سورة يس آية: ٤٩. ٤ سورة آل عمران آية: ٧٧. ٥ سورة محمّد آية: ٢٠.
[ ٣٧٩ ]
البشارة لأهل الجنة، فيما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من العيش السليم، والنعيم المقيم، فهم ممكنون مما أرادوا، وقادرون عليه، وإذا خطر ببالهم شيء أتوا به مع خطوره ببالهم، وإذا كان ذلك كذلك لم يجز أن يكون الله أراد بقوله ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ نظر الاعتبار.
ولأن النظر إذا ذكر مع ذكر الوجوه فمعناه: نظر العينين اللتين في الوجه. كما قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ ١، وأراد بذلك تقلب عينيه نحو السماء ولأنه قال: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ونظر الانتظار لا يكون مقرونًا بإلى، لأنه لا يجوز عند العرب أن يقولوا في نظر الانتظار "إلى" ألا ترى أن الله ﷿ قال: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ ٢، لم يقل "إلى" إذ كان معناه الانتظار ولا يجوز أن يكون الله سبحانه أراد نظر التعطف والرحمة، لأن الخلق لا يجوز أن يتعطفوا على خالقهم.
فإذا فسدت هذه الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع من أقسام النظر وهو أن معنى قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ أنها رائية ترى الله ﷿. ولا يجوز أن يكون معناه إلى ثواب ربّها ناظرة، لأن ثواب الله غير الله، وإنما قال: ﴿إِلَى رَبِّهَا﴾ ولم يقل: إلى غيرربها ناظرة، والقرآن على ظاهره، وليس لنا أن نزيله عن ظاهره إلا بحجة"٣.
فالبيهقي - ﵀ - يرى أن هذه الآية صريحة في الرؤية لأن الاستعمالات الواردة في النظر لا مكان لها هنا، لأن كل استعمال له صيغة خاصة وهذه تختلف عنها، وقد قرن النظر فيها صراحة بالوجه ولا معنى لذلك سوى الرؤية بالعينين اللتين فيه.
_________________
(١) ١ سرة البقرة آية: ١٤٤. ٢ سورة يس آية: ٤٩. ٣ الاعتقاد ص: ٤٥، ٤٦.
[ ٣٨٠ ]
٢ - ومما استدل به - ﵀ - على إثبات الرؤية وله تعالى حاكيًا قول كليمه موسى له: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ ١.
كما استدل البيهقي - ﵀ - بهذه الآية لإثبات الرؤية فقد استدل بها من قال بنفيها٢.
لذلك كان عرضه لوجهة استدلاله بها متضمنًا للرد على أولئك النفاة حيث قال ﵀: "وما يدلّ على أن الله ﷿ يرى بالأبصار قول موسى الكليم ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ ولا يجوز أن يكون نبي من الأنبياء، قد ألبسه الله جلباب النبيين، وعصمه مما عصم منه المرسلين يسأل ربّه ما يستحيل عليه، وإذا لم يجز ذلك على موسى ﵇، فقد علمنا أنه لم يسأل ربه مستحيلًا، وإن الرؤية جائزة على ربنا ﷿.
ومما يدل على ذلك قول الله ﷿: ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ .
فلما كان الله قادرًا على أن يجعل الجبل مستقرًا كان قادرًا على الأمر الذي لو فعله لرآه موسى، فدلّ ذلك على أن الله قادر على أن يري نفسه عباده المؤمنين وأنه جائز رؤيته، وقوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ أراد به في الدنيا دون الآخرة، بدليل ما مضى من الآية"٣.
وهذا الكلام الذي ساقه البيهقي هنا يتضمن أمرين:
أحدهما: وجهة الاستدلال على الإثبات.
_________________
(١) ١ سرة الأعراف آية: ١٤٣. ٢ انظر: شرح الأصول الخمسة ص: ٢٣٣. ٣ الاعتقاد ص: ٤٧.
[ ٣٨١ ]
وثانيهما: طريقة الردّ على من استدل بها لنفي.
أما وجهة الاستدلال فهي: أن موسى ﵇ نبي من الأنبياء وقد عصمهم الله، ولو كانت رؤية الله مستحيلة لما طلبها موسى ﵇، فطلبه لها دليل على جوازها.
كما أن الحائل الذي وضعه الله دون رؤية موسى لربه وهو عدم استقرار الجبل دليل على أن الله تعالى لو جعله مستقرًا لرآه موسى ﵇، وذلك دليل على جواز رؤية العباد لربّهم وأن الله قادر على أن يريهم ذاته سبحانه.
أما طريقة الردّ على النفاة: فبالإضافة إلى ما تقدم في وجهة الاستدلال فإن قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ أراد به في الدنيا لا في الآخرة.
٣ - ومما استدل به البيهقي﵀ - لإثبات هذه المسألة قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ٢.
حيث ذكر - ﵀ - أن المراد بالزيادة في هاتين الآيتين النظر إلى وجه الله الكريم يوم القيامة، وأورد تفسير الزيادة هنا بالرؤ ية عن رسول الله ﷺ، كما أورد ذلك التفسير عن جماعة من السلف رضوان الله عليهم.
يقول - ﵀ -: " ولأنه قال: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ وقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ فسر رسول الله ﷺ المبين عن الله ﷿، فمن بعده من الصحابة الذين أخذوا عنه، والتابعين الذين أخذوا عن
_________________
(١) ١ سورة ق آية: ٣٥. ٢ سورة يونس آية: ٢٦.
[ ٣٨٢ ]
الصحابة أن الزيادة في هذه الآية النظر إلى وجه الله ﵎، وانتشر عنه وعنهم إثبات رؤية الله ﷿ في الآخرة بالأبصار"١.
ثم ذكر من الأحاديث الواردة في تفسير هذه الآية حديث صهيب قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدًا لم تروه؛ قال: فيقولون: فما هو؟ ألم يبيض وجوهنا، ويزحزحنا عن النار، ويدخلنا الجنة؟ قال: فيكشف الحجاب فينظرون إليه. قال: فوالله ما أعطاهم الله ﷿ شيئًا هو أحب إليهم منه".
قال ثم قرأ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ٢.
وروى تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله الكريم عن أبي بكر الصديق وحذيفة بن اليمان، وأبي موسى الأشعري من الصحابة، وسعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الرحمن بن سابط وقتادة وغيرهم من التابعين٣.
وقد استدل نفاة الرؤية بقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ ٤.
فردّ البيهقي على هؤلاء بأن هذه الآية خاصة في الدنيا أو أن المراد بها نفي الإدراك الذي هو الإحاطة دون الرؤ ية، وفي ذلك يقول:
_________________
(١) ١ الاعتقاد ص: ٤٧. ٢ المصدر السابق نفسه ص: ٤٨. وروى مسلم حديث صهيب هذا في كتاب الإيمان رقم: ٢٩٧، ١/١٦٣. ٣ المصدر نفسه ص: ٤٩. ٤ سورة الأنعام آية: ١٠٣.
[ ٣٨٣ ]
" ولا حجة لهم في قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ فإنه إنما أراد به لا تدركه أبصار المؤمنين في الدنيا دون الآخرة، ولا تدركه أبصار الكافرين مطلقًا، كما قال: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ١.
فلما عاقب الكفار بحجبهم عن رؤيته دل على أنه يثبت المؤمنين برفع الحجاب لهم عن أعينهم حتى يروه، ولما قال في وجوه المؤمنين: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ فقيدها بيوم القيامة، ووصفها فقال: ﴿نَاضِرَةٌ﴾ ثم أثبت لها الرؤية فقال: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ علمنا أن الآية الأخرى في نفيها عنهم في الدنيا دون الآخرة، وفي نفيها عن الوجوه الباسرة دون الوجوه الناضرة جمعًا بين الآيتين، وحملًا للمطلق من الكلام على المقيد منه.
ثم قد قال بعض أصحابنا: إنما نفى عنه الإدراك دون الرؤ ية، والإدراك هو الإحاطة بالمرئي دون الرؤ ية، فالله يرى ولا يدرك، كما يعلم ولا يحاط به علما"٢.
وقد اختار هذا التفسير الأخير للآية جماعة من مثبتي الرؤية من السلف وغيرهم، وجعلوها دليلًا على الإثبات على نقيض تصور نفاة الرؤية لما اشتملت عليه، ومن هؤلاء الذين اختاروا هذا الاتجاه فخر الدين الرازي من أئمة الأشاعرة، والإمام ابن القيم، وابن تيمية والألوسي وغيرهم من العلماء
_________________
(١) ١ سورة المطففين آية: ١٦. ٢ الاعتقاد ص: ٤٧.
[ ٣٨٤ ]
يقول الرازي في تقرير وجه الدلالة: "لو لم يكن الله تعالى جائز الرؤية لما حصل التمدح بقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ ألا ترى أن المعدوم لا تصح رؤيته، والعلوم والقدرة، والإرادة، والروائح والطعوم لا يصح رؤية شيء منها، ولا مدح لشيء منها في كونها بحيث لا تصح رؤيتها، فثبت أن قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ يفيد المدح، وثبت أن ذلك إنما يفيد المدح لو كان صحيح الرؤية، وهذا يدلّ على أن قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ يفيد كونه تعالى جائز الرؤية.
وتمام التحقيق فيه أن الشيء إذا كان في نفسه بحيث تمتنع رؤيته، فحينئذ لا يلزم من عدم رؤيته مدح وتعظيم للشيء، أما إذا كان في نفسه جائز الرؤية ثم إنه قدر على حجب الأبصار عن رؤ يته ومن إدراكه كانت هذه القدرة الكاملة دالة على المدح والعظمة، فثبت أن هذه الآية دالة على أنه تعالى جائز الرؤية بحسب ذاته"١.
وقال ابن القيم - ﵀ - مبينًا دلالة الإثبات وأن هذا ما ذهب إليه شيخه ابن تيمية " والاستدلال بهذه الآية على جواز الرؤية أعجب، فإنها من أدلة النفاة، وقد قرر شيخنا وجه الاستدلال بها أحسن تقرير وألطفه، وقال: أنا ألتزم أنه لا يحتج مبطل بآية أو حديث صحيح على باطله إلا في ذلك الدليل ما يدل على نقيض قوله، فمنها هذه الآية، وهي على جواز الرؤية أدل منها على امتناعها، فإن الله ﷾ إنما ذكرها في سياق التمدح ومعلوم أن المدح إنما يكون بالأوصاف الثبوتية.
وأما العدم المحض فليس بكمال ولا يمدح الربّ ﵎ بالعدم إلا إذا تضمن أمرًا وجوديًا كتمدحه بنفي السنة والنوم المتضمن
_________________
(١) ١ تفسير الفخر الرازي١٣/١٢٥.
[ ٣٨٥ ]
كمال القيومية، فقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ يدل على غاية عظمته، وأنه أكبر من كل شيء، وأنه لعظمته لا يدرك بحيث يحاط به، فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء، وهو قدر زائد على الرؤية، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ كَلاَّ﴾ ١ فقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ من أدل شيء على أنه يرى ولا يدرك"٢.
ولا تخفي وجاهة رأي من ذهب إلى الاستدلال بها على الرواية مفسرين الإدراك في الآية بالإحاطة.
وأما الأحاديث الدالة على إثبات الرؤية فمتواترة، وقد ذكر البيهقي - ﵀ - بعضًا منها، ومما ذكره منها:
١ - حديث أبي هريرة ﵁ أن ناسًا قالوا: يارسول الله هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ: "هل تمارون في رؤية القمر ليلة البدر وليس دونه سحاب؟ " قالوا لا يارسول الله، قال: "هل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ " قالوا: لا يارسول الله، قال: "فإنكم ترونه كذلك" ٣.
٢ - حديث جرير بن عبد الله قال: كنا جلوسًا عند رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: "أما إنكم ستعرضون على ربّكم
_________________
(١) ١ سورة الشعراء آية: ٦١. ٢ حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح لابن القيم ص: ٢٢٨، وانظر رأي الألوسي في روح المعاني٧/٢٤٤-٢٤٥. ٣ الاعتقاد ص: ٥١. والحديث رواه البخاري في كتاب التوحيد حديث رقم: ٧٤٣٧، ١٣/٤١٩. ورواه مسلم في كتاب الإيمان، حديث رقم: ٢٩٩، ١/١٦٣.
[ ٣٨٦ ]
﷿، فترونه كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا" ١.
٣ - حديث أبي سعيد الخدري قال: قلنا يارسول الله، هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ قال: "هل تمارون في رؤية الشمس في الظهيرة صحوًا ليس دونها سحاب؟ " قال: قلنا لا يارسول الله. قال: "فهل تمارون في وؤية القمر ليلة البدر صحوًا ليس فيه حجاب؟ " قالوا: لا يا رسول الله، قال: "ما تمارون في رؤيته يوم القيامة إلا كما تمارون في رؤية أحدهما" ٢.
إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة المتواترة في هذه المسألة وإنما أردت التمثيل لا الاستقصاء.
وبعد أن أورد - ﵀ - هذه الأحاديث علق عليها ببيان اتفاق سلف هذه الأمة على ما جاء فيها من إثبات رؤية الله تعالى وأن الخلاف فيها لم يوجد بينهم أبدًا، إذ لو وجد لنقل إلينا.
يقول - ﵀ - معلقًا: "وروينا في إثبات الرؤية عن أبي بكر الصديق ﵁، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس وأبي موسى، وغيرهم ﵃، ولم يرو عن أحد منهم نفيها ولو كانوا فيها مختلفين لنقل اختلافهم إلينا، وكما أنهم لما اختلفوا في رؤيته بالأبصار في الدنيا نقل اختلافهم في ذلك إلينا، فلما
_________________
(١) ١ الاعتقاد ص: ٥٠. والحديث رواه البخاري في كتاب التوحيد، حديث رقم: ٧٤٣٤، ١٣/٤١٩. ٢ الاعتقاد ص: ٥٢. ورواه البخاري في كتاب التوحيد من صحيحه حديث رقم: ٧٤٣٩، ١٣/٤٢٠. ورواه مسلم في كتاب الإيمان من صحيحه حديث رقم: ٣٠٢، ١/١٦٧.
[ ٣٨٧ ]
نقلت رؤية الله بالأبصار عنهم في الآخرة ولم ينقل عنهم في ذلك اختلاف - يعني في الآخرة - كما نقل عنهم فيها اختلاف في الدنيا علمنا أنهم كانوا على القول برؤية الله بالأبصار في الآخرة متفقين مجتمعين"١.
ولا ريب أن ما ذهب إليه البيهقي من إثبات لهذه المسألة هو الرأي الذي لا يجوز العدول عنه لصراحة ما أورده من أدلة لذلك، ولإجماع سلف الأمة عليه، وكما حكى البيهقي - ﵀ - هذا المذهب القويم عن سلف الأمة حكاه عنهم أيضًا غيره من علماء السلف أنفسهم.
وممن حكاه من السلف، وانتصر له، وقرر عدم جواز الذهاب إلى سواه الإمام عثمان بن سعيد الدارمي - ﵀ - حيث قال - بعد أن أورد - الأدلة التي ذكرها هنا البيهقي:
"فهذه الأحاديث كلّها وأكثر منها قد رويت في الرؤية على تصديقها، والإيمان بها، أدركنا أهل الفقه والبصر من مشايخنا ولم يزل المسلمون قديمًا وحديثًا يروونها، ويؤمنون بها لا يستنكرونها، ولا ينكرونها، ومن أنكرها من أهل الزيغ نسبوه إلى الضلال بل كان من أكبر رجائهم، وأجزل ثواب الله في أنفسهم، النظر إلى وجه خالفهم، حتى ما يعدلون به شيئا من نعيم الجنة"٢.
وقال أيضًا: "قد صحت الآثار عن رسول الله ﷺ فمن بعده من أهل العلم، وكتاب الله الناطق به، فإذا اجتمع الكتاب وقول الرسول، وإجماع الأمة، لم يبق لمتأوّل عندها تأويل إلا لمكابر أو جاحد"٣.
_________________
(١) ١ الاعتقاد ص: ٥٣. ٢ الردّ على الجهمية للدارمي ص: ٥٣، ٥٤. ٣ المصدر نفسه ص: ٥٤.
[ ٣٨٨ ]
ثم سرد تلك الأدلة التي ذكرها البيهقي من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وآثار سلف الأمة، ووجهها نفس التوجيه وردّ على المؤوّلين بما رد به البيهقي.
وإذا كان البيهقي - ﵀ - يتفق مع السلف في إثبات رؤية المؤمنين لربّهم، وهو الأمر الذي قال به الأشاعرة أيضًا، فهل ذلك الاتفاق حول هذه المسألة تام من جميع الوجوه؟
الواقع أن ثمة مسألة مهمة تتعلق بهذه القضية هي مسألة الجهة، لأن السلف حين أثبتوا الرؤية أثبتوا الجهة أيضًا، لأنها لازمة لها أما البيهقي ومعه أصحابه الأشاعرة فقد أثبتوا الرؤية ونفوا لازمها وقد سبق الحديث عن مسألة الجهة عند الكلام عن الاستواء وبينا كيف أن ثبوتها أمر حتمي عقلًا وشرعًا وفطرة بالمعنى الصحيح الذي أشرت إليه هناك.
إلا أن البيهقي استدل على نفيها هنا بحديث جرير بن عبد الله السابق، والذي فيه: "لا تضامون في رؤيته".
ووجه استدلاله به: أن التضام المذكور معناه: لا يجتمع بعضكم إلى بعض في جهته، لأنه يرى في جميع الجهات، وليس له جهة معينة كما للمخلوق.
وفي إيضاح ذلك يقول - ﵀ - حاكيًا عن شيخه أبا الطيب الصعلوكي١ قال: "سمعت الشيخ الإمام أبا الطيب سهل بن محمّد بن سليمان - ﵀ - يقول فيما أملاه علينا في قوله: "لا تضامون في
_________________
(١) ١ هو: سهل بن محمّد بن سليمان بن محمّد بن سليمان بن موسى بن إبراهيم العجلي، الفقيه الأديب أبو الطيب بن أبي سهل الحنفي الصعلوكي مفتي نيسابور. توفي بها سنة: ٤٠٤هـ. انظر: تبيين كذب المفتري لابن عساكر ص: ٢١١، وطبقات الشافعية للسبكي٤/٣٩٦.
[ ٣٨٩ ]
رؤيته" - بضم التاء وتشديد الميم – يريد: لا تجتمعون لرؤيته في جهته، ولا يضم بعضكم إلى بعض لذلك، فإنه ﷿ لا يرى في جهة كما يرى المخلوق في جهة، ومعناه - بفتح التاء -: لا تضامون لرؤيته، مثل معناه بضمها، لا تتضامون في رؤيته بالاجتماع في جهة وهو دون تشديد الميم، من الضيم معناه: لا تظلمون فيه برؤية بعضكم دون بعض، وإنكم ترونه في جهاتكم كلّها، وهو يتعالى عن جهة.
قال والتشبيه برؤية القمر ليعين الرؤية، دون تشبيه المرئي تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا"١.
وقد ذكر هذا التوجيه عن أبي بكر بن فورك شيخ البيهقي، ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - وردّ عليه، بأن هذا القول انفرد به هؤلاء الأشاعرة دون بقية طوائف الأمة، وأن هذا معروف الفساد ضرورة ولأجل ذلك ذهب بعض حذاقهم إلى موافقة المعتزلة في ما ذهبوا إليه من نفي الرؤية والجهة معًا وتفسير الرؤية بأنها زيادة انكشاف وليس رؤية حقيقية٢.
ثم قام بعد ذلك برد الاستدلال بالحديث الذي استدلّ به البيهقي لنفي الجهة بقوله ردًا على ما ذكره عن ابن فورك مما يتفق مع ما ذهب إليه البيهقي تمامًا: "وأما قوله: إن الخبر يدلّ على أنهم يرونه لا في جهة، وقوله "لا تضامون" معناه لا تضمكم جهة واحدة في رؤيته؛ فإنه لا في جهة، فهذا تفسير للحديث بما لا يدلّ عليه ولا قاله أحد من أئمة العلم،
_________________
(١) ١ الاعتقاد ص: ٥١. ٢ انظر: مجموع الفتاوى١٦/٨٥.
[ ٣٩٠ ]
بل هو تفسير منكر عقلًا وشرعًا، ولغة. فإن قوله "لا تضامون" يروى بالتخفيف، أي: لا يلحقكم ضيم في رؤيته كما يلحق الناس عند رؤية الشيء الحسن كالهلال، فإنه قد يلحقهم ضيم في طلب رؤيته حين يرى وهو سبحانه يتجلى تجليًا ظاهرًا فيرونه كما ترى الشمس والقمر بلا ضيم يلحقكم في رؤيته، وهذه الرواية المشهورة.
وقيل "لا تضامون" بالتشديد، أي: لا ينضم بعضكم إلى بعض، كما يتضام الناس عند رؤية الشيء الخفي كالهلال فإما أن يروى بالتشديد ويقال: "لا تضامون" أي: لا تضمكم جهة واحدة فهذا باطل لأن التضام انضمام بعضهم إلى بعض. فهو تفاعل كالتماس والتراد، ونحو ذلك
ثم يقال: الراؤون كلّهم في جهة واحدة على الأرض، وإن قدر أن المرئي ليس في جهة فكيف يجوز أن يقاله: "لا تضمكم جهة واحدة" وهم كلّهم على الأرض - أرض القيامة - أو في الجنة، وكل ذلك جهة ووجودهم نفسهم لا في جهة ومكان ممتنع حسًا وعقلًا"١.
وبهذا يتضح لنا أن البيهقي قد أخطأ في استدلاله بالحديث الآنف الذكر على نفي الجهة، لعدم صحة تفسيره له، وتصوّره لما ورد الحديث من أجله.
وقد لاحظت أن إثبات البيهقي وأصحابه للرؤية ونفي لازمها إنما هو نفي للرؤية نفسها، لأن نفي اللازم نفي للملزوم. لذلك كان المعتزالة أكثر منطقية مع أنفسهم حين ذهبوا إلى نفي الأمرين فرارًا من الوقوع في التناقض الذي وقع فيه الأشاعرة.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى١٦/٨٥، ٨٦.
[ ٣٩١ ]