مِنْهُم المحكمة الأولى وَأول من قَالَ مِنْهُم لَا حكم إِلَّا الله عُرْوَة بن حدير
[ ٤٥ ]
أَخُو مرداس الْخَارِجِي وَقيل أَن أول من قَالَه يزِيد بن عَاصِم الْمحَاربي وَقيل أَنه رجل من بني يشْكر كَانَ مَعَ عَليّ ﵁ بصفين وَلما اتّفق الْفَرِيقَانِ على التَّحْكِيم ركب وَحمل على أَصْحَاب عَليّ وَقتل مِنْهُم وَاحِدًا ثمَّ حمل على أَصْحَاب مُعَاوِيَة وَقتل مِنْهُم واحدأ ثمَّ نَادَى بَين العسكرين أَنه بَرِيء من عَليّ وَمُعَاوِيَة وَأَنه خرج من حكمهم فَقتله رجل من هَمدَان ثمَّ أَن جمَاعَة مِمَّن كَانُوا مَعَ عَليّ ﵁ فِي حَرْب صفّين اسْتَمعُوا مِنْهُ ذَلِك الْكَلَام واستقرت فِي قُلُوبهم تِلْكَ الشُّبْهَة وَرَجَعُوا مَعَ عَليّ إِلَى الْكُوفَة ثمَّ فارقوه وَرَجَعُوا إِلَى حروراء وَكَانُوا أثنى عشر ألف رجل من الْمُقَاتلَة وَمن هُنَا سميت الْخَوَارِج حرورية وَكَانَ زعيمهم يَوْمئِذٍ عبد الله بن الْكواء وشبث بن ربعي وَخرج إِلَيْهِم عَليّ وناظرهم فَظهر بِالْحجَّةِ عَلَيْهِم فاستأمن إِلَيْهِ ابْن الْكواء فِي ألف مقَاتل وأستمر الْبَاقُونَ على ضلالهم وَخَرجُوا إِلَى النهروان وامروا عَلَيْهِم رجلَيْنِ مِنْهُم أَحدهمَا عبد الله بن وهب الراسي وَالثَّانِي حرقوص بن زُهَيْر البَجلِيّ وَكَانَ يلقب بِذِي الثدية وَرَأَوا فِي طريقهم حَال خُرُوجهمْ إِلَى النهروان عبد الله بن خباب بن الْأَرَت فَقَالُوا لَهُ حدث لنا حَدِيثا سمعته من أَبِيك عَن رَسُول الله ﷺ فَقَالَ سَمِعت أبي يَقُول سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول سَتَكُون فتْنَة الْقَاعِد فِيهَا خير من الْقَائِم والواقف فِيهَا خير من
[ ٤٦ ]
السائر والماشي فِيهَا خير من العادي وَمن أمكنه أَن يكون مقتولا فِيهَا يقصدن أَن يكون قَاتلا أَو لفظ هَذَا مَعْنَاهُ فَلَمَّا سمعُوا مِنْهُ هَذَا الْخَبَر قصدُوا قَتله وَقَتله رجل مِنْهُم اسْمه مسمع وَجرى دَمه على وَجه المَاء قَائِما كالشراك حَتَّى انهال من احدى شطئ النَّهر إِلَى الآخر ثمَّ قصدُوا بَيته وَقتلُوا أَوْلَاده وَأُمَّهَات أَوْلَاده بالنهروان وَكثر عَددهمْ وقويت شوكتهم فقصدهم عَليّ ﵁ فِي أَرْبَعَة آلَاف رجل وَكَانَ مقدمهم عدي بن حَاتِم الطَّائِي وينشد لَهُم أشعارا يترنمون بهَا فِي مذمتهم ومدح عَليّ ﵁ فَلَمَّا ازدلفوا اليهم بعث عَليّ ﵁ اليهم رَسُولا أَن ادفعوا الي قَاتل عبد الله بن خباب فَقَالُوا كلنا قَتله وَلَو ظفرنا بك لقتلناك أَيْضا فَوقف عَلَيْهِم عَليّ ﵁ بِنَفسِهِ وَقَالَ لَهُم يَا قوم مَاذَا نقمتم مني حَتَّى فارقتموني لأَجله قَالُوا قاتلنا بَين يَديك يَوْم الْجمل وهزمنا أَصْحَاب الْجمل فأبحت لنا أَمْوَالهم وَلم تبح لنا نِسَائِهِم وذراريهم وَكَيف تحل مَال قوم وَتحرم نِسَائِهِم وذراريهم وَقد كَانَ يَنْبَغِي أَن تحرم الْأَمريْنِ أَو تبيحهما لنا فَاعْتَذر عَليّ ﵁ بِأَن قَالَ أما أَمْوَالهم فقد أبحتها لكم بَدَلا عَمَّا أَغَارُوا عَلَيْهِ من مَال بَيت المَال الَّذِي كَانَ بِالْبَصْرَةِ قبل أَن وصلت إِلَيْهِم وَلم يكن لنسائهم وذراريهم ذَنْب فَإِنَّهُم لم يقاتلونا كَانَ حكمهم حكم الْمُسلمين وَمن لَا يحكم لَهُ بالْكفْر من النِّسَاء والوالدان لم يجز سَبْيهمْ واسترقاقهم وَبعد لَو أبحت لكم نِسَاءَهُمْ من كَانَ مِنْكُم يَأْخُذ عَائِشَة فِي قسْمَة نَفسه فَلَمَّا سمعُوا هَذَا الْكَلَام خجلوا وَقَالُوا قد نقمنا مِنْك سَببا آخر وَهُوَ أَنَّك يَوْم التَّحْكِيم كتبت إسمك فِي كتاب الصُّلْح إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب وَمُعَاوِيَة حكما فلَانا فنازعك مُعَاوِيَة وَقَالَ لَو كُنَّا نعلم أَنَّك أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا خالفناك فمحوت اسْمك فَإِن كَانَت إمامتك حَقًا فَلم رضيت بِهِ فَاعْتَذر أَمِير الْمُؤمنِينَ وَقَالَ إِنَّمَا فعلت كَمَا فعل النَّبِي ﵇
[ ٤٧ ]
حِين صَالح سُهَيْل بن عَمْرو وَكتب فِي كتاب الصُّلْح هَذَا مَا صَالح مُحَمَّد رَسُول الله سُهَيْل بن عَمْرو فَقَالَ لَهُ سُهَيْل لَو علمنَا أَنَّك رَسُول الله مَا خالفناك وَلَكِن اكْتُبْ اسْمك وَاسم أَبِيك فَأمر النَّبِي ﷺ حَتَّى كتب هَذَا مَا صَالح مُحَمَّد بن عبد الله سُهَيْل بن عَمْرو فَقَالَ لي رَسُول الله ﷺ إِنَّك ستبتلى بِمثلِهِ يَوْمًا فَالَّذِي فعلته بأذنه وإقتداء بِهِ ثمَّ قَالَت الْخَوَارِج لَهُ لم قلت لِلْحكمَيْنِ إِن كنت أَهلا للخلافة فقرراني وَلم شَككت فِي خلافتك حَتَّى تَكَلَّمت بِهَذَا الْكَلَام وَلَو كنت شاكا لما ادعيت الْخلَافَة فَقَالَ عَليّ إِنَّمَا أردْت أَن أنصف الْخصم وأسكن النائرة وَلَو قلت لِلْحكمَيْنِ احكما لي لم يرض بذلك مُعَاوِيَة وَهَكَذَا فعل النَّبِي ﷺ مَعَ نَصَارَى نَجْرَان حِين دعاعم إِلَى المباهلة فَقَالَ ﴿فَمن حاجك فِيهِ من بعد مَا جَاءَك من الْعلم فَقل تَعَالَوْا نَدع أبناءنا وأبناءكم وَنِسَاءَنَا ونساءكم وأنفسنا وَأَنْفُسكُمْ ثمَّ نبتهل فَنَجْعَل لعنة الله على الْكَاذِبين﴾ وَهَذَا إِنَّمَا قَالَه على سَبِيل الْإِنْصَاف لَا على سَبِيل التشكك وَهُوَ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿قل من يرزقكم من السَّمَاوَات وَالْأَرْض قل الله وَإِنَّا أَو إيَّاكُمْ لعلى هدى أَو فِي ضلال مُبين﴾ وَلِهَذَا الْمَعْنى حكم النَّبِي ﷺ سعد بن معَاذ فِي بني قُرَيْظَة وَالْحق فِي الْحَقِيقَة كَانَ لرَسُول الله ﷺ ثمَّ إِن حكم رَسُول الله ﷺ بِالْعَدْلِ وحكمي الَّذِي حكمته خدع فَكَانَ من الْأَمر مَا كَانَ فَلَمَّا سَمِعت الْخَوَارِج هَذِه الْحجَج القاطعة استأمن ثَمَانِيَة آلَاف مِنْهُم وَثَبت على قِتَاله أَرْبَعَة آلآف مِنْهُم فَقَالَ إِلَى الَّذين استأمنوا إِلَيْهِ مِنْهُم امتازوا الْيَوْم مني جانبا وَقَاتل بِمن كَانَ مَعَه وَقَالَ لأَصْحَابه لما أَرَادَ أَن يَبْتَدِئ الْقِتَال لَا يقتل منا عشرَة وَلَا ينجو مِنْهُم عشرَة وَاشْتَغلُوا بِالْقِتَالِ فَلم يقتل يَوْمئِذٍ من أَصْحَاب عَليّ أَكثر من تِسْعَة أنفس وَخرج حرقوص بن زُهَيْر فِي وَجه عَليّ ﵁ وَقَالَ وَالله لَا نُرِيد بقتالك إِلَّا وَجه الله تَعَالَى والنجاة فِي الْآخِرَة فَتلا عَلَيْهِ قل هَل ننبئكم بالأخسرين أعمالا
[ ٤٨ ]
الَّذين ضل سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا) ثمَّ حمل عَلَيْهِم وَقتل عبد الله بن وهب فِي المبارزة والتحم الْقِتَال حَتَّى لم يبْق من جملَة الْخَوَارِج إِلَّا تِسْعَة فَوَقع اثْنَان مِنْهُم إِلَى سجستان وَاثْنَانِ إِلَى الْيمن وَاثْنَانِ إِلَى عمان وَاثْنَانِ إِلَى الجزيرة وَوَاحِد إِلَى نَاحيَة الابار وخوارج هَذِه النواحي من أَتبَاع هَذِه التِّسْعَة وامر عَليّ ﵁ أَصْحَابه بِطَلَب ذِي الثدية فوجدوه قد هرب واستخفى فِي مَوضِع فظفروا بِهِ وتفحصوا عَنهُ فوجدوا لَهُ ثديا كثدي النِّسَاء فَقَالَ عَليّ ﵁ صدق الله وَصدق رَسُوله وامر بقتْله فَقتل وَقد كَانَ مر على النَّبِي ﷺ ذُو الثدية وَهُوَ يقسم غَنَائِم بدر فَقَالَ لَهُ أعدل يَا مُحَمَّد فَقَالَ لَهُ ﵊ خبت وخسرت إِذا من يعدل ثمَّ قَالَ أَنه يخرج من ضئضىء هَذَا قوم يَمْرُقُونَ من الدّين كَمَا يَمْرُق السهْم من الرَّمية
هَذِه قصَّة المحكمة الأولى وهم يكفرون بتكفيرهم عليا وَعُثْمَان وتكفيرهم فساق أهل الْملَّة ثمَّ خرج بعدهمْ جمَاعَة من الْخَوَارِج بِأَرْض الْعرَاق فَكَانَ عَليّ ﵁ يبْعَث اليهم السَّرَايَا ويقاتلهم إِلَى أَن اسْتَأْثر الله بِرُوحِهِ وَنَقله إِلَى جنته وَبقيت الْخَوَارِج على مَذْهَب المحكمة الأولى إِلَى أَن ظَهرت فتْنَة الْأزَارِقَة مِنْهُم فَعِنْدَ ذَلِك اخْتلفُوا كَمَا نذكرهُ ان شَاءَ الله تَعَالَى