مِنْهُم أهل التناسخ وهم قوم من الفلاسفة قبل الْإِسْلَام وَكَانَ سقراط من جُمْلَتهمْ وَكَانَ فِي دولة الْإِسْلَام من أهل التناسخ فريقان فريق من جملَة الْقَدَرِيَّة وفريق من غلاة الروافض وماني الثنوي قَالَ بالتناسخ فِي بعض كتبه وَذكر أَن أَرْوَاح الصديقين إِذا خرجت من أبدانهم اتَّصَلت بعمود الصُّبْح إِلَى ان تبلغ النُّور الَّذِي فَوق الْفلك وَيَكُونُونَ فِي السرُور دَائِما وأرواح أهل الضَّلَالَة تتناسخ فِي أجسام الْحَيَوَان فَلَا تزَال تنْتَقل من حَيَوَان إِلَى حَيَوَان إِلَى أَن يصفو من ظلمته فَحِينَئِذٍ يتَوَصَّل بِالنورِ الَّذِي فَوق الْفلك
وَقوم من الْيَهُود أَيْضا يَقُولُونَ بتناسخ الْأَرْوَاح وَيَقُولُونَ أَنهم وجدوا فِي كتاب دانيال أَن الله تَعَالَى مسخ بخت نصر فِي سبع صور من صور الدَّوَابّ وَالسِّبَاع
وَأما الَّذين يَقُولُونَ بالتناسخ من الْقَدَرِيَّة فهم أَتبَاع أَحْمد بن خابط وَكَانَ من أَصْحَاب النظام وَكَانَ ينتسب إِلَيْهِ وَيَقُول بالطفرة وينفي الْجُزْء الَّذِي لَا يتجزئ وَكَانَ يَقُول إِن قدرَة الله تَعَالَى تَنْقَطِع حَتَّى لَا يقدر على أَن يزِيد فِي نعيم أهل الْجنَّة
[ ١٣٦ ]
شَيْئا وَلَا أَن يزِيد فِي عَذَاب أهل النَّار شَيْئا وَكَانَ انتسابه إِلَيْهِم بِهَاتَيْنِ المقالتين ثمَّ زَاد عَلَيْهِم القَوْل بِمذهب أهل التناسخ وَكَانَ أَحْمد بن بانوش من أَصْحَابه وَكَانَ ينتسب إِلَيْهِ وَيَقُول بالتناسخ وَبَينهمَا خلاف كثير فِي مَوَاضِع وَكَانَ أَحْمد بن مُحَمَّد القحطي فِي زمَان الجبائي يجمع بَين القَوْل بالإعتزال والتناسخ وَكَانَ عبد الْكَرِيم ابْن أبي العوجاء خَال معن بن زَائِدَة فِي السِّرّ على دين المانوية وَكَانَ يَقُول بالتناسخ وَكَانَ فِي الظَّاهِر ينتسب إِلَى الْقَدَرِيَّة والرافضة وَوضع كثيرا من الْأَحَادِيث اغْترَّ بهَا الروافض وأفسد على الروافض صومهم وَوضع لَهُم حسابا يغيرون بِهِ رُءُوس الشُّهُور وَنسب ذَلِك إِلَى جَعْفَر بن مُحَمَّد بن جَعْفَر الصَّادِق ﵁ وَلما ظهر خبر وضع الْحساب أَمر بقتْله أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْهَاشِمِي فصلب
وَبينهمْ خلاف كثير فِي معنى التناسخ كَانَ أَحْمد بن خابط يَقُول إِن الله خلق الْخلق فِي أبدان صَحِيحَة وعقول تَامَّة فِي دَار لَيست دَار الدُّنْيَا وَخلق لَهُم الْمعرفَة بِهِ وَأتم نعْمَته عَلَيْهِم وَأمرهمْ بشكره وَكَانَ يَقُول إِن الْإِنْسَان فِي الْحَقِيقَة هُوَ الرّوح لَا هَذَا القالب الَّذِي نشاهده وَإِن الرّوح هِيَ عَالم قَادر
وَكَانَ يَقُول إِن الْحَيَوَانَات كلهَا جنس وَاحِد وَإِن جَمِيع الْحَيَوَانَات فِي مَحل التَّكْلِيف ثمَّ كَانَ يَقُول أَن من اطاعه فِي تِلْكَ الدَّار أقره أقره هُنَاكَ وَمن عَصَاهُ هُنَاكَ أخرجه مِنْهَا إِلَى النَّار وكل من عَصَاهُ فِي الْبَعْض وأضاعه فِي الْبَعْض بَعثه إِلَى دَار الدُّنْيَا وَألبسهُ هَذِه القوالب وابتلاهم تَارَة بالشدة وَتارَة بالراحة وَتارَة بالألم وَتارَة باللذة وَجعل قوما مِنْهُم فِي صُورَة النَّاس وقوما فِي صُورَة الطُّيُور وقوما فِي صُورَة السبَاع وقوما فِي صُورَة الدَّوَابّ وقوما فِي صُورَة الحشرات كالحية وَمَا أشبه ذَلِك وَكَانَت درجاتهم فِي هَذَا الْمَعْنى على قدر معاصيهم فَمن كَانَت مَعْصِيَته
[ ١٣٧ ]
أقل فِي تِلْكَ الدَّار كَانَت صورته فِي الدُّنْيَا أحسن وَمن كَانَت مَعْصِيَته هُنَاكَ أَكثر كَانَ قالب روحه فِي الدُّنْيَا أقبح
وَيَقُولُونَ إِن الْحَيَوَان فِي الْحَقِيقَة هُوَ الرّوح وَلَا يزَال فِي دَار الدُّنْيَا ينْتَقل من قالب إِلَى قالب على مِقْدَار الطَّاعَات والمعاصي من قوالب النَّاس وَالدَّوَاب حَتَّى تتمحص طاعاته فينقل إِلَى دَار النَّعيم اَوْ مَعَاصيه فينقل إِلَى دَار الْجَحِيم وَخَالفهُ أَحْمد بن بانوش فَقَالَ مَتى كَانَ فِي صُورَة بَهِيمَة لَا يكون عَلَيْهِ تَكْلِيف وَكَانَ أَحْمد ابْن خابط يَقُول بل يكون عَلَيْهِ التَّكْلِيف وَيكون التسخير للذبح وَالرُّكُوب عُقُوبَة لَهُ وَكَانَ أَحْمد بن بانوش يَقُول من الْمُكَلّفين من يُكَرر طاعاته حَتَّى يصير مُسْتَحقّا لِأَن يصير نَبيا أَو ملكا
وَكَانَ القحطي مِنْهُم يَقُول إِن الله تَعَالَى لم يكلفهم ابْتِدَاء وَلَكنهُمْ سَأَلُوا أَن يكلفهم ليرْفَع بِهِ درجاتهم لِأَن الله تَعَالَى عرفهم أَنهم لَا يدركون الدَّرَجَات إِلَّا بالتكليف وَأَنَّهُمْ إِن عصوا يسْتَحقُّونَ الْعقُوبَة وَقَالُوا رَضِينَا بِهِ وَكَانَ يَقُول هَذَا معنى قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا عرضنَا الْأَمَانَة على السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال فأبين أَن يحملنها وأشفقن مِنْهَا وَحملهَا الْإِنْسَان إِنَّه كَانَ ظلوما جهولا﴾
وَكَانَ أَبُو مُسلم الْحَرَّانِي مِنْهُم يَقُول إِن الله تَعَالَى خلق أَرْوَاحهم وكلف بِهِ من علم أَنه يعصيه لكِنهمْ عصوا على الِابْتِدَاء فنقلهم بالمسخ والنسخ إِلَى قوالب مُخْتَلفَة على قدر معاصيهم