وَأما الكيسانية فهم أَتبَاع مُخْتَار بن أبي عبيد الثَّقَفِيّ الَّذِي كَانَ قَامَ يطْلب ثأر الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب وَكَانَ يقتل من يظفر بِهِ مِمَّن كَانَ قَاتله بكربلاء وَهَؤُلَاء الكيسانية فرق يجمعهُمْ القَوْل بنوعين من الْبِدْعَة
أَحدهمَا تَجْوِيز البداء على الله تَعَالَى تَعَالَى الله عَن قَوْلهم علوا كَبِيرا
[ ٣٠ ]
الثَّانِي قَوْلهم بامامة مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة ثمَّ اخْتلفُوا فِي سَبَب إِمَامَته فَمنهمْ من قَالَ إِن سَبَب إِمَامَته أَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ دفع الرَّايَة إِلَيْهِ يَوْم الْجمل وَقَالَ لَهُ
(أطعنهم طعن أَبِيك تحمد لَا خير فِي حَرْب إِذا لم توقد)
(بالمشرفي والقنا المشرد )
وَمِنْهُم من قَالَ أَن سَبَب إِمَامَته ان الْإِمَامَة كَانَت لعَلي ثمَّ لِلْحسنِ ثمَّ للحسين وَقد أوصى حُسَيْن بهَا لِأَخِيهِ مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة فِي الْوَقْت الَّذِي كَانَ يهرب من الْمَدِينَة ويقصد مَكَّة إِذْ كَانَ مطالبا ببيعة يزِيد بن مُعَاوِيَة وَهَؤُلَاء الَّذين يَقُولُونَ بإمامة مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة
أالكربية
وَقوم مِنْهُم يُقَال لَهُم الكربية أَصْحَاب أبي كرب الضَّرِير يَقُولُونَ إِن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة لم يمت وَلم يقتل وَأَنه فِي جبل رضوى وَعِنْده عين من المَاء وَعين من الْعَسَل يتَنَاوَل مِنْهُمَا وَعِنْده أَسد ونمر تحفظانه من الْأَعْدَاء إِلَى أَن يُؤذن لَهُ فِي الْخُرُوج وَهُوَ الْمهْدي المنتظر عِنْدهم
وَقوم من الكيسانية أقرُّوا بِمَوْتِهِ ثمَّ اخْتلفُوا فَقَالَ قوم مِنْهُم ان الْإِمَامَة بعده رجعت إِلَى ابْن أَخِيه عَليّ بن الْحُسَيْن زين العابدين
[ ٣١ ]
ب الهاشمية
وَقَالَ قوم أَنَّهَا رجعت إِلَى ابْنه أبي هَاشم عبد الله بن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة ثمَّ قَالَ قوم رجعت بعد أبي هَاشم إِلَى مُحَمَّد بن عبد الله بن عَبَّاس بِوَصِيَّة أبي هَاشم لَهُ بهَا وَهَذَا قَول ابْن الراوندي وَأَتْبَاعه
ج البيانية
وَقَالَ قوم رجعت إِلَى بَيَان بن سمْعَان التَّمِيمِي وَهَؤُلَاء قوم يلقبون بالبيانية وهم من جملَة الغلاة يدعونَ آلهية بَيَان بن سمْعَان ويزعمون أَن روح الْإِلَه حل فِي أبي هَاشم ثمَّ رَجَعَ إِلَى بَيَان
وَقَالَ قوم بل رجعت إِلَى عبد الله بن عَمْرو بن حَرْب وَكَانُوا يدعونَ آلهيته وَكَانَ كثير الشَّاعِر وَالسَّيِّد الْحِمْيَرِي من جملَة الكيسانية كَانَا ينتظران مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَلَهُمَا فِي ذَلِك أشعار كَثِيرَة فمما قَالَه السَّيِّد الْحِمْيَرِي فِي مَعْنَاهُ
[ ٣٢ ]
(أَلا قل للْوَصِيّ فدتك نَفسِي أطلت بذلك الْجَبَل المقاما)
(أضرّ بمعشر والوك منا وسموك الْخَلِيفَة والإماما)
(وعادوا فِيك أهل الأَرْض طرا مقامك عِنْدهم سِتِّينَ عَاما)
المختارية
وَأول من قَامَ ببدعة الكيسانية ودعا إِلَى إِمَامَة مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة الْمُخْتَار ابْن أبي عبيد أَخذ فِي طلب ثأر الْحُسَيْن بن عَليّ وظفر بأعدائه وَلما تمّ لَهُ الظفر فِي حروب كَثِيرَة اغْترَّ بِنَفسِهِ فَأخذ يتَكَلَّم بأسجاع كأسجاع الكهنة وَلما بلغ خبر كهانته إِلَى مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة خَافَ أَن يَقع بِسَبَبِهِ فتْنَة فِي الدّين وهم ليقْبض عَلَيْهِ فَلَمَّا علم بِهِ الْمُخْتَار وَخَافَ على نَفسه مِنْهُ اخْتَار قَتله بحيلة فَقَالَ لِقَوْمِهِ الْمهْدي مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَأَنا على ولَايَته غير أَن للمهدي عَلامَة وَهِي أَن يضْرب عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ فَلَا يحيك فِيهِ السَّيْف وَأَنا أجرب هَذَا السَّيْف على مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة فَإِن حاك فِيهِ فَلَيْسَ بمهدي
فَلَمَّا بلغ إِلَى مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة هَذَا الْخَبَر خَافَ أَن يقْتله بِمَا ذَكرْنَاهُ من حيلته فتوقف حَيْثُ كَانَ ثمَّ إِن السبأية خدعوا الْمُخْتَار وَقَالُوا لَهُ أَنْت حجَّة الزَّمَان وَحَمَلُوهُ على دَعْوَى النُّبُوَّة فادعاها وَزعم أَن أسجاعه وَحي يُوحى إِلَيْهِ ثمَّ قويت شوكته واستفحل أمره حَتَّى قصد جندا من جنود مُصعب بن الزبير فَهَزَمَهُمْ وَأسر جمَاعَة مِنْهُم فيهم سراقَة بن مرداس الْبَارِقي فَلَمَّا قدم إِلَى الْمُخْتَار احتال وَقَالَ لم تهزمنا جندك وَلَا أسرنا قَوْمك وَلَكِن الْمَلَائِكَة الَّذين جاؤوا لنصرتك وَنَصره جندك هم الَّذين هزمونا فَاعْفُ عَنَّا فَأَنا لم نعلم أَنَّك على الْحق والآن فقد
[ ٣٣ ]
علناه فَعَلَيْك أقسم بِحَق أُولَئِكَ الْمَلَائِكَة الَّذين كَانُوا على أَفْرَاس بلق قَائِمين بنصرتك أَن تَعْفُو عَنَّا فَعَفَا عَنْهُم وَعَاد سراقَة إِلَى جند مُصعب بن الزبير بِالْبَصْرَةِ وَأَنْشَأَ هَذِه الأبيات وَبعث بهَا إِلَى الْمُخْتَار
(أَلا بلغ أَبَا إِسْحَاق أَنِّي رَأَيْت البلق دهما مصمتات)
(أرِي عَيْني مَا لم ترأياه كِلَانَا عَالم بالترهات)
(كفرت بوحيكم وَجعلت نذرا عَليّ قتالكم حَتَّى الْمَمَات)
وَاعْلَم أَن السَّبَب الَّذِي جوزت الكيسانية البداء على الله تَعَالَى أَن مُصعب ابْن الزبير بعث إِلَيْهِ عسكرا قَوِيا فَبعث الْمُخْتَار إِلَى قِتَالهمْ أَحْمد بن شميط مَعَ ثَلَاثَة آلَاف من الْمُقَاتلَة وَقَالَ لَهُم أوحى إِلَيّ أَن الظفر يكون لكم فَهزمَ ابْن شميط فِيمَن كَانَ مَعَه فَعَاد إِلَيْهِ فَقَالَ أَيْن الظفر الَّذِي قد وعدتنا فَقَالَ لَهُ الْمُخْتَار هَكَذَا كَانَ قد وَعَدَني ثمَّ بدا فانه ﷾ قد قَالَ يمحو الله مَا يَشَاء وَيثبت وَعِنْده أم الْكتاب ثمَّ خرج الْمُخْتَار إِلَى قتال مُصعب وَرجع مهزوما إِلَى الْكُوفَة فَقَتَلُوهُ بهَا
وَاعْلَم أَن الكيسانية اخْتلفُوا فِي حبس مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة بجبل رضوى فَمنهمْ من قَالَ كَانَ ذَلِك عُقُوبَة لَهُ على خُرُوجه بعد قتل الْحُسَيْن بن عَليّ إِلَى يزِيد بن مُعَاوِيَة وَطلب الْأمان مِنْهُ وقبوله الْعَطاء من قبله وعَلى أَنه خرج من مَكَّة فِي أَيَّام ابْن الزبير وَقصد عبد الْملك بن مَرْوَان ثمَّ انْصَرف من الطَّرِيق وَعدل إِلَى الطَّائِف وَكَانَ بهَا عبد الله بن عَبَّاس فَتوفي عبد الله بن عَبَّاس وَصلى عَلَيْهِ بهَا مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَدَفنه هُنَاكَ ثمَّ قصد الْيمن فَلَمَّا بلغ شعب رضوى توفّي هُنَاكَ وَدفن وَالَّذين يَقُولُونَ بانتظاره يُنكرُونَ مَوته ويزعمون أَنه غيب عَن النَّاس إِلَى أَن يُؤذن لَهُ فِي الْخُرُوج
وَقَالَ قوم من الكيسانية لَا نَدْرِي سَبَب حَبسه هُنَاكَ وَللَّه فِي حَبسه سر لَا يُعلمهُ إِلَّا هُوَ هَذَا تَفْصِيل قَول الكيسانية من الروافض
[ ٣٤ ]