البهشمية
مِنْهُم البهشمية أَتبَاع أبي هَاشم بن الجبائي وَأكْثر الْمُعْتَزلَة الْيَوْم على مذْهبه لِأَن ابْن عباد كَانَ يَدْعُو إِلَى مذْهبه وَيُسمى أَصْحَابه الذِّمِّيَّة لتجويزه كَون
[ ٨٦ ]
العَبْد مُسْتَحقّا للعقاب لَا على فعل فعله وَهَذَا يُوجب أَن الْمَرْء يكون عَاصِيا لَا على مَعْصِيّة فعلهَا وَيُوجب أَن يكون مُطيعًا لَا على طَاعَة فعلهَا وكافرا لَا لكفر كفره
وَكَانَ أَبُو هَاشم هَذَا يَقُول إِن من تَابَ عَن ذَنْب مَعَ إصراره على ذَنْب آخر لَا تصح تَوْبَته عَمَّا تَابَ حَتَّى أَن يَهُودِيّا تَابَ عَن كفره وَلكنه منع حَبَّة مثلا عَن مُسْتَحقّ لم تصح تَوْبَته عَن الْيَهُودِيَّة وَهَذَا يُوجب أَن يُؤْخَذ مِنْهُ الْجِزْيَة بعد مَا أسلم وَأَن لَا تحل ذَبِيحَته وَلَا مناكحته إِذا أسلم عَن مجوسيته مَعَ هَذِه الْحَالة فَهَذَا خلاف إِجْمَاع الْأمة
وَكَانَ يَقُول إِن التَّوْبَة عَن الذَّنب بعد عجز المذنب عَن الذَّنب لَا تقبل حَتَّى لَو كذب ثمَّ قطع لِسَانه قبل أَن يَتُوب أَو زنى ثمَّ قطع فرجه قبل أَن يَتُوب لم تصح تَوْبَته وَهَذَا يُوجب أَن يكون الظَّالِم الَّذِي ظلمه بِقطع لِسَانه منع ربه عَن قبُول تَوْبَته وَكَانَ أَبُو هَاشم هَذَا مَعَ إفراطه فِي القَوْل بالوعيد أفسق أهل زَمَانه حَتَّى قَالَ فِي صفته شَاعِر عَن المرجئة
(يعيب القَوْل بالإرجاء حَتَّى يرى بعض الرَّجَاء من الجرائر)
(وَأعظم من ذَوي الإرجاء جرما وعيدي أصر على الْكَبَائِر)
وَكَانَ من جهالته قَوْله بالأحوال حَتَّى كَانَ يَقُول إِن الْعَالم لَهُ حَال يُفَارق بِهِ من لَيْسَ بعالم وللقادر حَال بِهِ يُفَارق حَال الْعَالم ثمَّ كَانَ يَقُول إِن الْحَال لَيست بموجودة وَلَا مَعْدُومَة وَلَا مَجْهُولَة وَإِن الْعَالم يعلم على حَالَة وَلَا يعلم حَال الْعَالم وَلَا حَال الْقَادِر وَلَا يُمكن الْفرق بَين حَال الْعَالم وَبَين حَال الْقَادِر إِذْ لَا يعلم حَال وَاحِد مِنْهُمَا وَمن لَا يعلم من نَفسه مَا يَقُول كَيفَ يقدر أَن يُعلمهُ غَيره واقتدى فِي ذَلِك بقول الباطنية حَيْثُ قَالُوا إِن الصَّانِع لَا مَعْدُوم وَلَا مَوْجُود وَمَا من ثَابت إِلَّا وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة مَوْجُود إِذْ لَا وَاسِطَة بَين الْعَدَم والجود وَلَو ثَبت
[ ٨٧ ]
بَينهمَا وَاسِطَة لجَاز أَن يخرج الشَّيْء من الْعَدَم إِلَى الثُّبُوت ثمَّ من الثُّبُوت إِلَى الْوُجُود كَمَا جَازَ أَن يخرج من الْقيام إِلَى الْقعُود ثمَّ من الْقعُود إِلَى الِاضْطِجَاع إِذْ كَانَ الْقعُود وَاسِطَة بَين الطَّرفَيْنِ
وَمن ضلالاته قَوْله إِن الطَّهَارَة لَيست بواجبة وَكَانَ يَقُول تجوز الطَّهَارَة بِمَاء مَغْصُوب وَلَا تجوز الصَّلَاة فِي أَرض مَغْصُوبَة وَكَانَ يفرق بَينهمَا بِأَن الطَّهَارَة غير وَاجِبَة وَالصَّلَاة وَاجِبَة وَهَذَا القَوْل مِنْهُ خلاف إِجْمَاع الْأمة ثمَّ كَانَ يسْتَدلّ على أَن الطَّهَارَة لَيست بواجبة لجَوَاز أَن يطهر غَيره وَهُوَ صَحِيح ثمَّ كَانَ يرتب على هَذَا فَيَقُول إِن الْوُقُوف بِعَرَفَة وَالسَّعْي وَالطّواف لَيست بواجبة لِأَن مَشى دَابَّته فِي جَمِيع ذَلِك يَنُوب عَن مَشْيه وَيلْزم على هَذَا أَن يَقُول أَن الزكوات وَالْكَفَّارَات كلهَا لَيست بواجبة لجَوَاز أَدَائِهَا بالوكلاء والنائبين وَهَذَا القَوْل كفر مِنْهُ خَالف فِيهِ جَمِيع الْأمة كَانَ مَعَ ارتكابه هَذِه الْبدع يكفر الْمُعْتَزلَة ويتبرأ مِنْهُم حَتَّى كَانَ يكفر أَبَاهُ وتبرأ مِنْهُ وَلم يَأْخُذ مِيرَاثه بعد مَوته لتكفيره إِيَّاه وتبريه مِنْهُ وَكَانَ سَائِر الْمُعْتَزلَة يكفرونه أَيْضا وحالهم فِي هَذَا الْمَعْنى كَمَا وَصفه الله تَعَالَى من حَال الْكفَّار حَيْثُ قَالَ ﴿إِذْ تَبرأ الَّذين اتبعُوا من الَّذين اتبعُوا وَرَأَوا الْعَذَاب وتقطعت بهم الْأَسْبَاب﴾
وَمِمَّا يكْشف عَن افتضاحهم فِي مذاهبهم وتبرئ بَعضهم من بعض مَا حَكَاهُ أَصْحَاب المقالات من أَن سَبْعَة من رُؤُوس الْقَدَرِيَّة اجْتَمعُوا فِي مجْلِس وَاحِد وتناظروا فِي أَن الله تَعَالَى هَل يقدر على ظلم وَكذب يخْتَص بِهِ فافترقوا من هَذَا الْمجْلس وكل مِنْهُم كَانَ يكفر البَاقِينَ وَذَلِكَ لِأَن النظام سُئِلَ فِي ذَلِك الْمجْلس عَنهُ فَقَالَ أَنه لَيْسَ بِقَادِر على ذَلِك إِذْ لَو قدر عَلَيْهِ لم يَأْمَن أَن يَقع مِنْهُ ظلم أَو كذب فِيمَا مضى أَو يَقع ذَلِك فِي الْمُسْتَقْبل أَو وَقع أَو يَقع ذَلِك فِي طرف من أَطْرَاف الأَرْض فَقَالَ لَهُ عَليّ الأسواري يَنْبَغِي على هَذِه الْعلَّة أَن لَا يقدر على خلاف الْمَعْلُوم والمخبر عَنهُ فَقَالَ هُوَ لَازم فَمَا تَقول أَنْت فَقَالَ الأسواري أَنا أَقُول أَنه لَا يقدر على الظُّلم
[ ٨٨ ]
وَالْكذب وَلَا يقدر على خلاف الْمَعْلُوم فَقَالَ لَهُ النظام هَذَا الَّذِي تَقول كفر وإلحاد ثمَّ قَالَ لَهُ أَبُو الْهُذيْل مَا تَقول فِي فِرْعَوْن وَفِي كل من علم الله أَنه لَا يُؤمن أَو أخبر عَنهُ أَنه لَا يُؤمن أَن قلت أَنه لم يكن مَقْدُورًا لَهُم أَن يُؤمنُوا لزمك تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق وَأَنت لَا تَقول بِهِ وَإِن قلت أَنه كَانَ مَقْدُورًا لَهُم كَانَ محالا لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَن يكون العَبْد قَادِرًا على تجهيله وتكذيبه تَعَالَى الله عَن قَوْلهم فَقَالُوا لَهُ هَذَا الْجَواب لَازم فَمَا تَقول أَنْت فَقَالَ أَنا أَقُول أَنه قَادر على أَن يظلم ويكذب وقادر أَيْضا على خلاف الْمَعْلُوم فَقَالَ لَهُ أرأيتك لَو ظلم وَكذب فَقَالَ أَنه محَال مِنْهُ فَقَالُوا لَهُ مَا كَانَ محالا لَا يكون مَقْدُورًا فتحير هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة وَلم يدروا كَيفَ سَبِيل الْجَواب فَقَالَ بشر بن الْمُعْتَمِر كل مَا أَنْتُم عَلَيْهِ فَهُوَ تَخْلِيط فَقَالُوا لَهُ فايش تَقول أَنْت هَل يقدر على أَن يعذب طفْلا لَيْسَ لَهُ ذَنْب فَقَالَ يقدر فَقَالُوا فَلَو عذبه كَيفَ حكمه قَالَ يكون الطِّفْل عَاقِلا بَالغا عَاصِيا مُسْتَحقّا للعقاب وَيكون الْبَارِي عادلا بتعذيبه فَقَالُوا لَهُ كَيفَ يكون الطِّفْل بَالغا وَكَيف يكون من فعل الظُّلم عادلا بِهِ قتحير فَقَالَ لَهُ المرداد مِنْهُم أَخَذْتُم على أستاذي بشر شَيْئا مُنْكرا مستفيضا وَلَكِن يجوز أَن يغلط الْأُسْتَاذ فَقَالَ لَهُ بشر فَمَا تَقول أَنْت قَالَ أَقُول إِنَّه قَادر على الظُّلم وَالْكذب وَلَو وجد ذَلِك مِنْهُ كَانَ إِلَهًا ظَالِما كَاذِبًا فَقَالُوا لَهُ وَمن كَانَ بِهَذِهِ الصّفة هَل يكون مُسْتَحقّا للشكر وَالْعِبَادَة أَو يكون مذموما فَقَالَ لَا يكون مُسْتَحقّا للشكر وَالْعِبَادَة فَقَالُوا وَمن لَا يكون مُسْتَحقّا للشكر وَالْعِبَادَة لَا يكون إِلَهًا فتحير فَقَالَ زعيم من زعمائهم يُقَال لَهُ الْأَشَج أَنا أَقُول إِنَّه قَادر على أَن يظلم ويكذب وَلكنه إِن ظلم وَكذب كَانَ عادلا صَادِقا فَقَالَ الإسكافي كَيفَ يَنْقَلِب الظُّلم عدلا وَالْكذب صدقا فتحير فَقَالَ لَهُ مَا تَقول أَنْت فَقَالَ أَنا أَقُول إِن ظلم أَو كذب لم تكن عقول الْعُقَلَاء مَوْجُودَة فِي تِلْكَ الْحَالة فَلَا يتَوَجَّه عَلَيْهِ المذمة والملامة لعدم وجود عقل عَاقل يُنكره عَلَيْهِ فَقَالَ جَعْفَر بن حَرْب كَأَنَّهُ يَقُول أَنه قَادر على ظلم المجانين وَلَا يقدر على ظلم الْعُقَلَاء فتحيروا وصاروا كلهم منقطعين متحيرين وَكَانَ كل وَاحِد يعْتَقد أَن أَقْوَال البَاقِينَ كلهَا كفر
فَلَمَّا انْتَهَت زعامتهم إِلَى الجبائي وَابْنه أبي هَاشم قَالَا جَمِيعًا هَذِه مَسْأَلَة لَا
[ ٨٩ ]
يُمكن أَن يُجَاب عَنْهَا ورضيا بِالْجَهْلِ فِيمَا يرجع إِلَى وصف الِاعْتِقَاد وَلَو وافقهم التَّوْفِيق لتمسكوا بِمذهب أهل الْحق وَتركُوا التَّرَدُّد من بَاطِل إِلَى بَاطِل وَلم يتمردوا فِيهِ كَمَا تمردوا فِي مَسْأَلَة الْعَالم كَانُوا لَا يزالون يَتَرَدَّدُونَ من بَاطِل إِلَى بَاطِل حَتَّى انْتَهوا إِلَى القَوْل بأحوال مَجْهُولَة واعترفوا بِأَنَّهُم يهرفون بِمَا لَا يعْرفُونَ وينتحلون مَا لَا يعْقلُونَ وكما تمردوا على باطلهم فِي مَسْأَلَة الرُّؤْيَة حَتَّى انْتهى بهم الْكَلَام إِلَى أَن قَالُوا أَنه لَا يسمع وَلَا يبصر وَلَا يرى نَفسه وَلَا غَيره كَمَا حكيناه عَن الكعبي وكما تمردوا فِي مسئلة خلق الْأَفْعَال حَتَّى وصل بهم إِلَى أَن قَالُوا بخالقين كثيرين زائدين على ألف ألف وَزَادُوا فِي ذَلِك الْمَجُوس والثنوية من وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَن الْمَجُوس والثنوية قَالُوا بخالقين اثْنَيْنِ وهم بخالقين لَا يحصرون
وَالثَّانِي أَن الثنوية وَالْمَجُوس لم ينفوا كَون الْبَارِي سُبْحَانَهُ خَالِقًا وَهَؤُلَاء الَّذين قَالُوا إِن العَبْد يُسمى خَالِقًا والباري سُبْحَانَهُ لَا يجوز أَن يُسمى خَالِقًا خالفوا بِهِ إِجْمَاع هَذِه الْأمة وكما تمردوا فِي مَسْأَلَة الْقُرْآن حَتَّى أدّى بهم القَوْل إِلَى أَن قَالُوا أَنه يخلق كلَاما فِي مَحل فَيكون متكلما بِمَا خلقه فِي ذَلِك الْمحل فلزمهم بذلك أَن لَا يكون هُوَ آمرا وَلَا ناهيا وَأَن يكون الْأَمر وَالنَّهْي لذَلِك الْمحل وَأَن لَا يكون الله تَعَالَى على عَبده شرع وَلَا تَكْلِيف
وكما تمردوا فِي مسئلة التَّعْدِيل والتجوير أَنه وَاجِب عَلَيْهِ أَن يخلق بعض مقدوراته وَحرَام عَلَيْهِ أَن يفعل بَعْضهَا فرتبوا عَلَيْهِ شَرِيعَة فِي الْوَاجِب والمحظور أعظم مِمَّا رتبه على عبيده لأَنهم زَعَمُوا أَنه لَو خَالف فِي شَيْء مِمَّا وَجب عَلَيْهِ أَو هُوَ مَحْظُور عَلَيْهِ خرج من الْحِكْمَة وَسقط بِهِ عَن منزلَة الآلهية وَالْعَبْد وَأَن خَالف فِي شَيْء مِمَّا شرع لَهُ لم يسْقط عَن منزلَة الْعُبُودِيَّة وَأَن توجه عَلَيْهِ نوع من الْعقُوبَة وَلَو أَنهم بدل مَا تلبسوا بِهِ من الْعَنَت والتمرد راجعوا مَذْهَب أهل الْحق سلمُوا عَن هَذِه الْبدع
غير أَن التَّوْفِيق أعز من أَن يَنَالهُ أهل الشقاق والعصبية وفضائحهم أفظع وَأكْثر من أَن يُمكن جمعهَا فِي مثل هَذَا الْكتاب وَقد جَمعنَا فِي تفصيلها كتبا تشْتَمل على
[ ٩٠ ]
معظمها وعاداتهم التنقل فِي أباطليهم وتكفير بَعضهم لبَعض فِي أقاويلهم
وَاعْلَم أَن جَمِيع مَا ذَكرْنَاهُ من مقالاتهم الشنيعة ومذاهبهم الفظيعة لَا يخفى على الْعَاقِل فَسَادهَا إِذا صرف الهمة إِلَى تأملها وَمن أفظع مَا ينتحلونه نسبتهم التَّقْدِير إِلَى أنفسهم لَا إِلَى صانعهم وَقد ورد فِي ذمهم أَخْبَار كَثِيرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لعنت الْقَدَرِيَّة على لِسَان سبعين نَبيا وَفِي رِوَايَة الْقَدَرِيَّة والمرجئة لعنتا على لِسَان سبعين نَبيا وَقَالَ وهب بن مُنَبّه أنزل الله تَعَالَى على رسله كتبا كَثِيرَة أَكثر من نَيف وَتِسْعين كتابا فَقَرَأت مِنْهَا ثَمَانِينَ كتابا فَوجدت فِي جَمِيعهَا أَن كل من جعل إِلَى نَفسه أمرا أَو شَيْئا من الْمَشِيئَة فَهُوَ كَافِر بِاللَّه تَعَالَى وروى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ الْقَدَرِيَّة مجوس هَذِه الْأمة وَإِنَّمَا شبههم بالمجوس لِأَن الْمَجُوس ينسبون بعض التَّقْدِير إِلَى يَزْدَان وَبَعضه إِلَى أهر من وَهُوَ اسْم الشَّيْطَان فأثبتوا تَقْديرا فِي مُقَابلَة تَقْدِير الْبَارِي ﷻ وَقَالُوا بِجَوَاز حُصُول أحد التَّقْدِيرَيْنِ دون الآخر فَكَذَلِك الْقَدَرِيَّة أثبتوا تقديرين أَحدهمَا للرب ﵎ وَالْآخر للْعَبد وَجعلُوا أحد التَّقْدِيرَيْنِ فِي مُقَابلَة الْأُخَر وجوزوا حُصُول أحد التَّقْدِيرَيْنِ دون الآخر وَزَعَمُوا أَن تَقْدِير الرب يصير مَمْنُوعًا مِنْهُ تَقْدِير العَبْد ثمَّ زادوا على الْمَجُوس وَذَلِكَ أَن الْمَجُوس جعلُوا فِي مُقَابلَة تَقْدِيره تَقْديرا وَاحِدًا وهم جعلُوا فِي مُقَابلَة تَقْدِيره تَقْدِير جَمِيع الْحَيَوَانَات من الْآدَمِيّ وَغير الْآدَمِيّ حَتَّى البقة والبعوضة والنملة والنحلة والسمكة والدودة وَقَالُوا تَقْدِير الدودة يحصل وَتَقْدِير الْقَدِيم سُبْحَانَهُ لَا يحصل فان الدودة تَمنعهُ بِتَقْدِير نَفسهَا عَن تَقْدِيره وَقد ورد الرَّد
[ ٩١ ]
عَلَيْهِم فِي كتاب الله سُبْحَانَهُ بأصرح مَا يكون حَيْثُ قَالَ انا كل شَيْء خلقناه بِقدر وَمن عرف معنى هَذِه الأية وَمَا ورد فِي مَعَانِيهَا من السّلف علم فِي الْحَقِيقَة أَن القدرى من يَجْعَل لنَفسِهِ شَيْئا من الْقدر وينفيه عَن ربه تَعَالَى الله عَن قَوْلهم وَتحقّق لَهُ أَنه لَيْسَ بقدرى من أثبت الْقُدْرَة لله ونفاها عَن نَفسه كَمَا بَينه الله تَعَالَى فِي هَذِه الْآيَة وتقرر عِنْده أَن من قَالَ بِالتَّسْلِيمِ الْكُلِّي وفوض الأمرإلى الرب الْقوي فَهُوَ من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فَمن اعْتقد أَن شَيْئا من أَفعاله لَا يكون ظلما وَلَا بَاطِلا وَأَنه لَا اعْتِرَاض عَلَيْهِ فِي شَيْء مِمَّا يَأْتِيهِ أَو يذره وَلَا يَقُول كَمَا يَقُول الْقَدَرِيَّة أَن لَهُ أَن يفعل كَذَا وَلَيْسَ لَهُ أَن يفعل كَذَا وَبنى عقائده على قَوْله تَعَالَى لَا يسئل عَمَّا يفعل وهم يسئلون لم يكن قدريا وَكَانَ من الْمُقَاتلَة وَالْخُصُومَة بريا وَأي تَسْلِيم وَبَرَاءَة من الْخُصُومَة أكبر من قَول أهل السّنة إِن كل مَا جرى على العَبْد من الْمعاصِي فَهُوَ خلق من الله تَعَالَى وَهُوَ عدل مِنْهُ سُبْحَانَهُ ومعصية من العَبْد وكل مَا جرى من العَبْد من الطَّاعَات فَهُوَ خلق من الله تَعَالَى وَهُوَ من الله فضل فهما من العَبْد طَاعَة ومعصية وَمن الرب فضل وَعدل
وَقد بَين رَسُول الله ﷺ فِي خبر جِبْرِيل ﵇ أصل الْكَلَام فِي الْقدر فَقَالَ فِي جَوَاب جِبْرِيل ﵇ الْإِيمَان أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْقدر خَيره وشره حلوه ومره من الله فَبين أَن الْقدر كُله من الله وَأَن لَا قدر للْعَبد فِي شَيْء الْأَشْيَاء وَكَانَ سَبَب نزُول قَوْله أَنا كل شَيْء خلقناه بِقدر إِن مُشْركي قُرَيْش جاؤوا إِلَى النَّبِي ﷺ وَكَانُوا يخاصمونه فِي الْقدر فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة إِن الْمُجْرمين فِي ضلال وسعر إِلَى آخر السُّورَة وَقَالَ
[ ٩٢ ]
قوم من الْمُفَسّرين إِن وَفد بني نَجْرَان وردوا على رَسُول الله ﷺ فَقَالُوا أما الْآجَال والأرزاق فبتقدير الله تَعَالَى وَأما أَعمال الْعباد فَلَيْسَتْ بِتَقْدِير الله تَعَالَى فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿إِن الْمُجْرمين فِي ضلال وسعر﴾ إِلَى آخر السُّورَة
وروى عَن عَمْرو بن زُرَارَة أَنه قَالَ سَمِعت أبي يَقُول كنت جَالِسا عِنْد رَسُول الله ﷺ فَقَرَأَ إِن الْمُجْرمين فِي ضلال وسعر إِلَى آخر السُّورَة ثمَّ قَالَ إِنَّمَا نزل هَذَا فِي نَاس يكونُونَ فِي آخر أمتِي يكذبُون بِالْقدرِ وَقيل لِابْنِ عَبَّاس أَن قوما يَتَكَلَّمُونَ فِي الْقدر فَقَالَ نزل فيهم قَوْله تَعَالَى ذوقوا مس سقر أَنا كل شَيْء خلقناه بِقدر أَن مرضوا لَا تعودوهم وَإِن مَاتُوا لَا تصلوا على جنائزهم وَلَو أرى وَاحِدًا مِنْهُم لقلعت بِهَاتَيْنِ الإصبعين عَيْنَيْهِ وَلما نزل قَوْله تَعَالَى إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر قيل لرَسُول الله ﷺ فَفِيمَ الْعَمَل فَقَالَ رَسُول الله ﷺ اعْمَلُوا فَكل ميسر لم خلق لَهُ قَالَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله قدر التقادير ودبر التدابير قبل أَن خلق آدم ﵇ بالفي عَام وَلَو يرد بهَا تَخْصِيص هَذِه الْأمة وَلكنه أَرَادَ أَن يقدر فِي نفوس السامعين أَن التقادير كَانَت سَابِقَة فِي الْمَعْلُوم قبل خلق آدم ﵇ وروى أَبُو هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ الْإِيمَان بِالْقدرِ يذهب الْغم
وَقَالَ ابْن عَبَّاس لما كثرت الْقَدَرِيَّة بِالْبَصْرَةِ خربَتْ الْبَصْرَة أَو لفظ هَذَا مَعْنَاهُ وروى عَن جمَاعَة السّلف الصَّالح أَنهم قَالُوا إِذا سلم عَلَيْك القدري
[ ٩٣ ]
فأجب كَمَا تجيب الْيَهُود وَقل وَعَلَيْك وَقد بَين الله تَعَالَى الرَّد عَلَيْهِم بأشفى بَيَان فِي قَوْله ﴿وَلَو شَاءَ الله مَا اقتتل الَّذين من بعدهمْ من بعد مَا جَاءَتْهُم الْبَينَات وَلَكِن اخْتلفُوا فَمنهمْ من آمن وَمِنْهُم من كفر وَلَو شَاءَ الله مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِن الله يفعل مَا يُرِيد﴾ فَبين أَن الْأُمُور كلهَا بِمَشِيئَة الله تَعَالَى وإرادته وَقد أورد أَبُو الْقَاسِم بن حبيب فِي تَفْسِيره بِإِسْنَادِهِ أَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ سَأَلَهُ سَائل عَن الْقدر فَقَالَ طَرِيق دَقِيق لَا تمش فِيهِ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَخْبرنِي عَن الْقدر فَقَالَ بَحر عميق لَا تخض فِيهِ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَخْبرنِي عَن الْقدر فَقَالَ سر خَفِي لله لَا تفشه فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَخْبرنِي عَن الْقدر فَقَالَ عَليّ ﵁ يَا سَائل إِن الله تَعَالَى خلقك كَمَا شَاءَ أَو كَمَا شِئْت فَقَالَ كَمَا شَاءَ قَالَ إِن الله تَعَالَى يَبْعَثك يَوْم الْقِيَامَة كَمَا شِئْت أَو كَمَا يَشَاء فَقَالَ كَمَا يَشَاء فَقَالَ يَا سَائل لَك مَشِيئَة مَعَ الله أَو فَوق مَشِيئَته أَو دون مَشِيئَته فَإِن قلت مَعَ مَشِيئَته ادعيت الشّركَة مَعَه وَإِن قلت دون مَشِيئَته اسْتَغْنَيْت عَن مَشِيئَته وَإِن قلت فَوق مشيئتة كَانَت مشيئتك غالبة على مَشِيئَته ثمَّ قَالَ أَلَسْت تسْأَل الله الْعَافِيَة فَقَالَ نعم فَقَالَ فَعَن مَاذَا تسأله الْعَافِيَة أَمن بلَاء هُوَ ابتلاك بِهِ أَو من بلَاء غَيره ابتلاك بِهِ قَالَ من بلَاء ابتلاني بِهِ فَقَالَ أَلَسْت تَقول لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم قَالَ بلَى قَالَ تعرف تَفْسِيرهَا فَقَالَ لَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ عَلمنِي مِمَّا علمك الله فَقَالَ تَفْسِيره إِن العَبْد لَا قدرَة لَهُ على طَاعَة الله وَلَا على مَعْصِيَته إِلَّا بِاللَّه ﷿ يَا سَائل إِن الله يسقم ويداوي مِنْهُ الدَّاء وَمِنْه الدَّوَاء اعقل عَن الله فَقَالَ السَّائِل عقلت فَقَالَ لَهُ إِلَّا صرت مُسلما قومُوا إِلَى أخيكم الْمُسلم وخذوا بِيَدِهِ ثمَّ قَالَ عَليّ لَو وجدت رجلا من أهل الْقدر لأخذت بعنقه وَلَا أَزَال أضربه حَتَّى أكسر عُنُقه فَإِنَّهُم يهود هَذِه الْأمة
وَقد قَالَ الشَّافِعِي ﵀ فِي هَذَا الْمَعْنى الَّذِي إِلَيْهِ أَشَارَ أَمِير الْمُؤمنِينَ
(مَا شِئْت كَانَ وَإِن لم أشا وَمَا شِئْت إِن لم تشأ لم يكن)
[ ٩٤ ]
(خلقت الْعباد على مَا علمت فَفِي الْعلم يجْرِي الْفَتى والمسن)
(على ذَا مننت وَهَذَا خذلت وَهَذَا أعنت وَذَا لم تعن)
(فَمنهمْ شقي وَمِنْهُم سعيد وَمِنْهُم قَبِيح وَمِنْهُم حسن)
فَقَوله فَفِي الْعلم يجْرِي الْفَتى والمسن رد على الْمُعْتَزلَة فِي جَمِيع مَا يوردونه من الشّبَه فِي التَّعْدِيل والتجوير لأَنهم وَإِن خالفوا فِي الْإِرَادَة لم يُمكنهُم الْخلاف فِي الْعلم لاطباق الْأُمَم على اسْتِحَالَة الْخلاف فِي الْمَعْلُوم
وَقد ورد فِي الْأَخْبَار إِن الله تَعَالَى لما أَمر مُوسَى ﵇ أَن يذهب إِلَى فِرْعَوْن فَقَالَ كَيفَ أذهب وَأَنت تعلم أَنه لَا يُؤمن فَقَالَ افْعَل مَا تُؤمر فَإِن فِي السَّمَاء أثني عشر ملكا يُرِيدُونَ أَن يدركوا علم الْقدر وَلم يدركوه وَإِنَّمَا قَالَه على معنى أَنهم كَانُوا يطْلبُونَ علم قَوْله وَلَا يدركون علم فعله يفعل الله مَا يَشَاء وَيحكم مَا يُرِيد
وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يُنَادي يَوْم الْقِيَامَة مُنَاد أَيْن خصماء الله فَيقوم الْقَدَرِيَّة ووجوههم سود وأعينهم زرق وأفواههم عوج يسيل مِنْهَا اللعاب وهم يَقُولُونَ تالله مَا عَبدنَا من دُونك شمسا وَلَا قمرا وَلَا نتَّخذ دُونك إِلَهًا فَقَالَ ابْن عَبَّاس صدقُوا بِاللَّه فِيمَا قَالُوا وَلَكِن اتاهم الشّرك من حَيْثُ لَا يعلمُونَ ثمَّ تَلا ابْن عَبَّاس قَوْله تَعَالَى يَوْم يَبْعَثهُم الله جَمِيعًا فَيحلفُونَ لَهُ كَمَا يحلفُونَ لكم وَيَحْسبُونَ أَنهم على شَيْء إِلَّا أَنهم هم الْكَاذِبُونَ ثمَّ قَالَ ثَلَاث مَرَّات أَنهم الْقَدَرِيَّة وَأعلم أَن الَّذين ذَكَرْنَاهُمْ من فرقهم يعدون فِي فرق الْإِسْلَام وَبَقِي مِنْهُم فريقان آخرَانِ لَا يعدون من فرق الْإِسْلَام نذكرهم فِيمَا بعد من الْفرق الَّذين لَا يعدون فِي فرق الْإِسْلَام إِن شَاءَ الله تَعَالَى
[ ٩٥ ]
الْبَاب السَّادِس فِي تَفْصِيل مقالات المرجئة وَبَيَان فضائحهم
وَجُمْلَة المرجئة ثَلَاث فرق يَقُولُونَ بالإرجاء فِي الْإِيمَان غير أَن فريقا مِنْهُم وافقوا الْقَدَرِيَّة فِي القَوْل بِالْقدرِ مثل غيلَان الدِّمَشْقِي وَأبي شمر المرجيء وَمُحَمّد بن شبيب الْبَصْرِيّ وَهَؤُلَاء داخلون فِي قَول النَّبِي ﷺ إِن الْقَدَرِيَّة والمرجئة لعنتا على لِسَان سبعين نَبيا فيستحقون اللَّعْن من وَجْهَيْن من جِهَة القَوْل بالإرجاء وَمن جِهَة القَوْل بِالْقدرِ وَوَافَقَ فريق مِنْهُم الْجَهْمِية فِي القَوْل بالجبر فَجمعُوا بَين دَعْوَى الْجَبْر والإرجاء وَانْفَرَدَ فريق مِنْهُم بالإرجاء الْمَحْض لَا يَقُولُونَ بالجبر وَلَا بِالْقدرِ وَاعْلَم أَن الإرجاء فِي اللُّغَة هُوَ التَّأْخِير وَإِنَّمَا سموا مرجئة لأَنهم يؤخرون الْعَمَل من الْإِيمَان على معنى أَنهم يَقُولُونَ لَا تضر الْمعْصِيَة مَعَ الْإِيمَان كَمَا لَا تَنْفَع الطَّاعَة مَعَ الْكفْر وَقَوْلهمْ بالإرجاء خلاف قَول الْمُسلمين قبلهم وَهَؤُلَاء افْتَرَقُوا خمس فرق