مِنْهُم المستدركة وهم قوم من الزعفرانية سموا بِهَذَا الإسم لأَنهم زَعَمُوا أَنهم استدركوا على أسلافهم مَا خَفِي عَلَيْهِم ثمَّ افْتَرَقُوا فرْقَتَيْن فَقَالَت فرقة مِنْهُم أَن النَّبِي ﷺ قَالَ كَلَام الله تَعَالَى مَخْلُوق وَقَالُوا قَالَه على هَذَا التَّرْتِيب بِهَذِهِ الْحُرُوف قَالُوا وكل من لم يقل أَن النَّبِي ﷺ قَالَ هَذَا فَهُوَ كَافِر
وَقَالَت الْفرق الْأُخْرَى أَن النَّبِي ﷺ لم يقل أَن كَلَام الله تَعَالَى مَخْلُوق وَلم
[ ١٠٢ ]
يتَكَلَّم بِهَذِهِ الْكَلِمَة على هَذَا التَّرْتِيب وَلكنه يعْتَقد أَن كَلَام الله تَعَالَى مَخْلُوق وَتكلم بِكَلِمَات تدل على أَن الْقُرْآن مَخْلُوق
وَمن المستدركة أَقوام يَقُولُونَ إِن أَقْوَال مخالفيهم كلهَا كذب وَكَانَ وَاحِد من أهل السّنة يباطن وَاحِدًا مِنْهُم فَقَالَ لَهُ السّني أَنْت رجل عَاقل ابْن حَلَال لرشدة فَقَالَ لَهُ صَاحبه أَنْت كَاذِب فِي هَذَا القَوْل فَقَالَ لَهُ السّني أَنْت صَادِق فِي وصفك قولي هَذَا بِأَنَّهُ كذب فَانْقَطع خَصمه
[ ١٠٣ ]
الْبَاب الثَّامِن فِي تَفْصِيل مقالات الضرارية وَبَيَان فضائحهم
وهم أَتبَاع ضرار بن عَمْرو وَهُوَ مُوَافق لأهل السّنة فِي القَوْل بِخلق الْأَفْعَال وَفِي نفي التولد وَهُوَ مُوَافق لأهل الْقدر فِي قَوْلهم إِن الإستطاعة قبل الْفِعْل لكنه زَاد عَلَيْهِم بِأَن قَالَ يجب أَن يكون مَعَ الْفِعْل أَيْضا وفارقهم أَيْضا بقَوْلهمْ إِن الإستطاعة بعض من الْمُطِيع وَوَافَقَ النجار فِي وَقَوله إِن الْجِسْم أَعْرَاض مجتمعة وَزَاد على الْجَمِيع بِأَن قَالَ إِن الله يرى بحاسة سادسة خلاف الْحَواس الْخمس الَّتِي هِيَ مستعملة لِلْخلقِ فِيمَا بَينهم وَكَانَ يَقُول إِن لله تَعَالَى مَاهِيَّة يرى هُوَ فِي تِلْكَ الْمَاهِيّة وَكَانَ يُنكر قِرَاءَة ابْن مَسْعُود وَقِرَاءَة أبي بن كَعْب وَكَانَ يَقُول أشهد أَن الله تَعَالَى مَا انْزِلْ ذَلِك على الْخلق وَكَانَ يضلل هذَيْن الْإِمَامَيْنِ من اعلام الصَّحَابَة فِي مصحفيهما وَكَانَ يَقُول لَا أَدْرِي أَن عوام الْمُسلمين كفار أَو مُسلمُونَ وَكَانَ لَا يحكم بِظَاهِر حَالهم وَكَانَ يَقُول لَعَلَّ سرائرهم كلهَا شرك وَكفر وَهَذَا خلاف إِجْمَاع
[ ١٠٥ ]
أهل السّنة حَيْثُ قَالُوا أَنا نقطع إِن فِي عوام الْمُسلمين مُؤمنين عارفين برَاء من الْكفْر والشرك
وَكَانَ يَقُول إِن الله تَعَالَى يُسمى حَيا عَالما قَادِرًا على معنى أَنه لَيْسَ بميت وَلَا جَاهِل وَلَا عَاجز لَا على معنى أَن لَهُ صفة ترجع إِلَى ذَاته وَهَذَا الْكَلَام مِنْهُ يُوجب أَن يكون الْعرض حَيا عَالما قَادِرًا لِأَنَّهُ لَيْسَ بميت وَلَا جَاهِل وَلَا عَاجز.
[ ١٠٦ ]
الْبَاب التَّاسِع فِي تَفْصِيل مقالات الْجَهْمِية وَبَيَان فضائحهم
وهم أَتبَاع جهم بن صَفْوَان وَكَانَ من مذْهبه أَن لَا اختبار لشَيْء من الْحَيَوَانَات فِي شَيْء مِمَّا يجْرِي عَلَيْهِم فَإِنَّهُم كلهم مضطرون لَا استطاعة لَهُم بِحَال وَإِن كل من نسب فعلا إِلَى أحد غير الله فسبيله سَبِيل الْمجَاز وَهُوَ بِمَنْزِلَة قَول الْقَائِل سقط الْجِدَار ودارت الرَّحَى وَجرى المَاء وانخسفت الشَّمْس وَهَذَا القَوْل خلاف مَا تَجدهُ الْعُقَلَاء فِي أنفسهم لِأَن كل من رَجَعَ إِلَى نَفسه يفرق فِي نَفسه بَين مَا يرد عَلَيْهِ من أَمر ضَرُورِيّ لَا اخْتِيَار لَهُ فِيهِ وَبَين مَا يختاره ويضيفه إِلَى نَفسه كَمَا ان كل عَاقل يفرق بَين كل حَرَكَة ضَرُورِيَّة كحركة المرتعش وحركة الْمُخْتَار يجد الْعَاقِل فِي نَفسه فرقا بَينهمَا وَمن أنكر هَذِه التَّفْرِقَة لم يعد من الْعُقَلَاء وكل مَا ورد فِي الْقُرْآن من قَوْله يعْملُونَ ويعقلون ويكسبون ويصنعون حجَّة عَلَيْهِم وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿كل نفس بِمَا كسبت رهينة﴾ وَلَو لم يكن للْعَبد اخْتِيَار كَانَ الْخطاب مَعَه محالا وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب عَنهُ ساقطين كالجمادات فقد رد الله تَعَالَى على الجبرية والقدرية فِي آيَة وَاحِدَة حَيْثُ قَالَ ﴿وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى﴾ وَمَعْنَاهُ
[ ١٠٧ ]
وَمَا رميت من حَيْثُ الْخلق إِذْ رميت من حَيْثُ الْكسْب وَلَكِن الله رمى من حَيْثُ الْخلق وَالْكَسْب خلقه خلقا لنَفسِهِ كسبا فَهُوَ مَخْلُوق لله تَعَالَى من وَجْهَيْن
وَمن ضلالات جهم قَوْله إِن الْجنَّة وَالنَّار يفنيان كَمَا يفنى سَائِر الْأَشْيَاء وَمن ضلالاته قَوْله إِن علم الله تَعَالَى حَادث وَإنَّهُ لَا يعلم مَا يكون حَتَّى يكون
وَكَانَ يَقُول إِن الله تَعَالَى لَا يُوصف بِشَيْء مِمَّا يُوصف بِهِ الْعباد فَلَا يجوز أَن يُقَال فِي حَقه أَنه حَيّ أَو عَالم أَو مُرِيد أَو مَوْجُود لِأَن هَذِه صِفَات تطلق على العبيد وَقَالَ إِنَّمَا يُقَال فِي وَصفه أَنه قَادر موجد فَاعل خَالق محيي ومميت لِأَن هَذِه الصِّفَات لَا تطلق على العبيد
وَكَانَ يَقُول كَلَام الله حَادث وَلَكِن لَا يجوز أَن يُسمى متكلما بِكَلَامِهِ وَمَعَ هَذِه الْبدع الَّتِي حكيناها عَنهُ كَانَ يعاني الْخُرُوج وتعاطي السِّلَاح وَكَانَ يحمل السِّلَاح وَيخرج على السُّلْطَان وَينصب الْقِتَال مَعَه ورافق سُرَيج بن الْحَارِث فِي وقايعه وَخرج على نصر بن سيار حَتَّى قَتله سلم بن أحوز الْمَازِني فِي آخر أَيَّام المروانية وَأكْثر أَتْبَاعه الْيَوْم بنواحي ترمذ وَأهل السّنة يكفرونهم لقَولهم بِأَن علم الله حَادث وَأَنه لَا يعلم مَا يكون حَتَّى يكون وَإِن كَلَامه حَادث وَأهل الْقدر أَيْضا يكفرون لقَولهم بِخلق الْأَفْعَال
[ ١٠٨ ]
الْبَاب الْعَاشِر فِي تَفْصِيل مقالات البكرية وَبَيَان فضائحهم
وهم أَتبَاع رجل اسْمه بكر ابْن أُخْت عبد الْوَاحِد بن زيد وَكَانَ فِي أَيَّام النظام وَكَانَ يُوَافقهُ فِي قَوْله إِن الْإِنْسَان هُوَ الرّوح لَا هَذَا القالب الَّذِي تكون الرّوح فِيهِ وَكَانَ يَقُول فِي التولد بقول أهل السّنة وَكَانَ ينْفَرد بضلالات تكفره بهَا الكافة
مِنْهَا قَوْله إِن الله تَعَالَى يرى يَوْم الْقِيَامَة فِي صُورَة يخلقها يكون فِيهَا ويكلم الْعباد من تِلْكَ الصُّورَة
وَمِنْهَا أَنه كَانَ يَقُول من وجد مِنْهُ كَبِيرَة من أهل الْقبْلَة فَهُوَ مُنَافِق وعابد الشَّيْطَان وَإِن كَانَ من أهل الْقبْلَة وَيكون فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار مَعَ الْمُنَافِقين خَالِدا مخلدا وَمَعَ هَذَا كَانَ يَقُول إِنَّه مُؤمن مُسلم
وَكَانَ يَقُول فِي عَليّ وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر أَنهم اذنبوا ذنوبا كفرُوا بذلك وصاروا مُشْرِكين وَلَكِن الله يغْفر لَهُم لِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الله تَعَالَى اطلع على أهل بدر وَقَالَ لَهُم اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فقد غفرت لكم وَكَانَ يَقُول مقَالا لَا يقبله عقل الْعَاقِل
[ ١٠٩ ]
وَذَلِكَ أَنه كَانَ يَقُول إِن الصّبيان فِي المهد لَا يَجدونَ ألما حَتَّى لَو حرقوا وَقَطعُوا وقرضوا بالمقراض وهم يَبْكُونَ ويضجون ويصيحون وَلَا ينالهم من ذَلِك ألم بِحَال وَكَانَ مَعَ هَذِه الْبدع يتَكَلَّم فِي الْفِقْه وَيَقُول بِتَحْرِيم الثوم والبصل
وَكَانَ يَقُول مَتى مَا تحرّك ريح فِي الْجوف وَجب بِهِ الطَّهَارَة وَمن كَانَ هَذَا حَاله فِي انتحال مثل هَذِه الْبدع لم يعد خِلَافه خلافًا فِي الشَّرِيعَة ونسأل الله ﷾ الْعِصْمَة من مثل هَذِه الْأَقْوَال الفظيعة
[ ١١٠ ]