الشبيبية
مِنْهُم الشبيبية وهم أَتبَاع شبيب بن يزِيد الشَّيْبَانِيّ وَكَانَ كنيته أَبُو الصحارى وَقد تسمى هَذِه الْفرْقَة صالحية لانتسابهم إِلَى رجل اسْمه صَالح بن مسرح التَّمِيمِي الْخَارِجِي وَكَانَ شبيب هَذَا من أَصْحَابه وَصَارَ بعده واليا على عسكره وَكَانَ خُرُوجه فِي أَيَّام الْحجَّاج وَخَالف صَالحا فِي تَجْوِيز أُمَامَة النِّسَاء إِذا قمن بِأَمْر الرّعية كَمَا يَنْبَغِي وخرجن على مخالفيهم وَكَانَ أَتْبَاعه يَقُولُونَ أَن غزالة أم شبيب كَانَت هِيَ الإِمَام بعد شبيب إِلَى أَن قتلت وَكَانَ السَّبَب فِي قَوْلهم بإمامة أم شبيب إِن شبيبا لما دخل الْكُوفَة أَمر أمه حَتَّى صعدت مِنْبَر الْكُوفَة وخطبت وَكَانَ من
[ ٦٠ ]
قصَّة شبيب فِي أول أمره أَنه قصد بِالشَّام روح بن زنباع وَنزل عِنْده وَالْتمس مِنْهُ أَن يسْأَل أَمِير الْمُؤمنِينَ حَتَّى يَجْعَل عطاءه مُسَاوِيا لعطاء أهل الشّرف فَسَأَلَهُ ذَلِك فَقَالَ عبد الْملك بن مَرْوَان هَذَا رجل لَا أعرفهُ فَقَالَ شبيب يُوشك أَن يعرفنِي وَجمع الصالحية من الْخَوَارِج مَعَ أَصْحَابه من بني شَيبَان وَغلب على حد كسكراي المداين فَبعث الْحجَّاج إِلَيْهِ ألف فَارس فَهَزَمَهُمْ فَبعث إِلَيْهِ أَلفَيْنِ فَهَزَمَهُمْ وَكَانَ لَا يزَال يزِيد فِي العساكر يَبْعَثهُم إِلَيْهِ وَهُوَ يهزمهم حَتَّى هزم عشْرين جَيْشًا من عساكره فِي مُدَّة سنتَيْن ثمَّ هجم على الْكُوفَة بِاللَّيْلِ مَعَ ألف فَارس من الْخَوَارِج وَكَانَت مَعَه أمه غزالة وأمرأته جهيزة مَعَ مائَة وَخمسين امْرَأَة فتقلدن السيوف واعتقلن الرماح فَقتل حراس الْكُوفَة وأمرأمه حَتَّى صعدت الْمِنْبَر وخطبت فَقَالَ خُزَيْمَة بن فاتك الْأَسدي فِي وصف تِلْكَ الْحَالة
(أَقَامَت غزالة سوق الضرار لأهل العراقين حولا قميطا)
(سمت للعراقين فِي جندها فلاقى العراقان مِنْهَا أطيطا)
وصبر الْحجَّاج تِلْكَ اللَّيْلَة فِي دَاره حَتَّى اجْتمع جنده لوقت الصُّبْح وَصلى فِي مَسْجِد الْكُوفَة صَلَاة الصُّبْح بجنده وَقَرَأَ فِي الصَّلَاة سُورَة الْبَقَرَة وَآل عمرَان فقصده الْحجَّاج بأَرْبعَة آلَاف فَارس والتحم الْقِتَال بَينهمَا فِي سوق الْكُوفَة حَتَّى قتل أَكثر أَصْحَاب شبيب وفر مَعَ من بَقِي من أَصْحَابه وانحاز إِلَى نَاحيَة الأنبار وَخرج الْحجَّاج على أَثَره فَانْهَزَمَ إِلَى نَاحيَة الأهواز فَبعث الْحجَّاج على أَثَره سُفْيَان بن الْأَبْرَد مَعَ ثَلَاثَة آلَاف من الْمُقَاتلَة فلحقوه مَعَ مَوضِع يُقَال لَهُ دجيل فقصد شبيب أَن يعبر جسر دجيل فَأمر سُفْيَان قومه أَن يقطعوا حبال الجسر فَفَعَلُوا فَانْقَلَبَ الجسر وغرق شبيب وَهُوَ يَقُول ﴿ذَلِك تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم﴾
ثمَّ أَمر سُفْيَان بِإِعَادَة الجسر وعبره وَقصد من بَقِي من أَصْحَابه وَكَانُوا قد
[ ٦١ ]
بَايعُوا أم شبيب فَلم يزل بهم حَتَّى قتل أَكْثَرهم وَقتل أم شبيب وَأمر الغواصين حَتَّى اخْرُجُوا شبيبا من المَاء وَبعث بِرَأْسِهِ وبمن كَانَ قد أسر من أَصْحَابه إِلَى الْحجَّاج قَالَ بعض أُولَئِكَ الاسراء اسْمَع مني ببيتين أختم بهما عَمَلي وَأَنْشَأَ يَقُول
(أَبْرَأ إِلَى الله من عَمْرو وشيعته وَمن عَليّ وَمن أَصْحَاب صفّين)
(وَمن مُعَاوِيَة الطاغي وشيعته لَا بَارك الله فِي الْقَوْم الملاعين) فَأمر الْحجَّاج بقتْله وَقتل جمَاعَة من أُولَئِكَ الاسراء هَذِه جملَة فرق الْخَوَارِج وَبلغ مَا لَيْسَ بمتداخل من أقاويلهم عشْرين مقَالَة فهم إِذا عشرُون فرقة كَمَا سطرناه فِي أول الْكتاب وَمن عجائب حَال الْخَوَارِج أَنهم خَرجُوا على أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة ﵂ وَقَالُوا لم خرجت من بَيتهَا وَالله تَعَالَى يَقُول ﴿وَقرن فِي بيوتكن﴾ ثن صَارُوا تبعا لغوالة وجهيزة وجوزوا أمامتهما فَهَلا تلوا هَذِه الْآيَة عَلَيْهِمَا ومنعوهما من الْفِتْنَة غير أَن الخذلان لَا قِيَاس عَلَيْهِ وَالله يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم
[ ٦٢ ]
الْبَاب الْخَامِس فِي تَفْصِيل مقالات الْمُعْتَزلَة الْقَدَرِيَّة وَبَيَان فضائحهم
قد بَينا قبل أَنهم ينقسمون إِلَى عشْرين فرقة فمما اتّفق عَلَيْهِ جَمِيعهم من مساوئ فضائحهم نفيهم صِفَات الْبَارِي ﷻ حَتَّى قَالُوا أَنه لَيْسَ لَهُ سُبْحَانَهُ علم وَلَا قدرَة وَلَا حَيَاة وَلَا سمع وَلَا بصر وَلَا بَقَاء وَأَنه لم يكن لَهُ فِي الْأَزَل كَلَام وَلَا أرادة وَلم يكن لَهُ فِي الْأَزَل اسْم وَلَا صفة لِأَن الصّفة عِنْدهم هُوَ وصف الواصف وَلم يكن فِي الْأَزَل واصف وَالِاسْم عِنْدهم التَّسْمِيَة وَلم يكن فِي الْأَزَل مسم اذ لم يكن لَهُ كَلَام فِي الْأَزَل عِنْدهم وَهَذَا يُوجب أَن لَا يكون لمعبودهم اسْم وَلَا صفة هَذَا قَوْلهم فِي صانع الْعَالم وبديهة الْعقل تَقْتَضِي فَسَاده لإحاطة الْعلم باستحالة كَون من لَا علم لَهُ وَلَا قدرَة لَهُ وَلَا سمع لَهُ وَلَا بصر لَهُ صانعا للْعَالم ومدبرا للخليقة وَمِمَّا اتّفق جَمِيعهم غير الصَّالِحِي من فضائحهم قَوْلهم أَن الْمَعْدُوم شَيْء حَتَّى قَالُوا أَن الْجَوْهَر قبل وجوده جَوْهَر وَالْعرض عرض والسواد سَواد وَالْبَيَاض بَيَاض وَيَقُولُونَ أَن هَذِه الصِّفَات كلهَا متحققة قبل الْوُجُود وَإِذا وجد لم يَزْدَدْ فِي صِفَاته شَيْء بل هُوَ الْجَوْهَر وَالْعرض والسواد فِي حَال الْوُجُود على حقائقها المتحققة فِي حَال الْعَدَم وَهَذَا مِنْهُم تَصْرِيح بقدم الْعَالم وَمن كَانَ قَوْله فِي الصَّانِع على مَا وصفناه وَفِي الصّفة على مَا ذَكرْنَاهُ لم يبْق لَهُ اعْتِقَاد صَحِيح وَلم يكن دَعْوَاهُ فِي التَّلَبُّس بالديانة إِلَّا تلبيسا مِنْهُ على أهل الدّيانَة ليسلم من سيوف الْمُسلمين المسلطة عَلَيْهِم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
وَمِمَّا اتَّفقُوا عَلَيْهِ من فضائحهم قَوْلهم أَن الله تَعَالَى لَا يرى وَأَنه لايرى
[ ٦٣ ]
نَفسه وَقَالَ كثير مِنْهُم أَنه لَا يرى شَيْئا وَلَا يبصر بِحَال وَلَيْسَ معبودهم على هَذَا القَوْل إِلَّا كَمَا نهى إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﵇ أَبَاهُ عَن عِبَادَته حِين قَالَ ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَت لم تعبد مَا لَا يسمع وَلَا يبصر وَلَا يُغني عَنْك شَيْئا﴾
وَمِمَّا اتَّفقُوا عَلَيْهِ من فضائحهم قَوْلهم أَن كَلَام الله تَعَالَى مَخْلُوق لَهُ يخلق لنَفسِهِ كلَاما فِي جسم من الْأَجْسَام فَيكون فِيهِ متكلما وَأَنه لم يكن متكلما قبل أَن خلق لنَفسِهِ كلَاما لَيْت شعري كَيفَ يكون كَلَام الْمُتَكَلّم مسموعا من غَيره وَلَو كَانَ الْأَمر على مَا قَالُوهُ لَكَانَ الْأَمر وَالنَّهْي وَالشَّرْع لذَلِك الْجِسْم الَّذِي خلق فِيهِ الْكَلَام وَذَلِكَ خلاف قَوْله تَعَالَى إِنَّمَا قَوْلنَا لشَيْء إِذا أردناه أَن نقُول لَهُ كن فَيكون وَزَعَمُوا أَن الْكَلَام هُوَ الْمَكْتُوب فِي الصُّحُف والمقروء بالألسنة غير الْكَلَام الَّذِي نزل بِهِ جِبْرِيل على الْمُصْطَفى عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام بل كَانَ ذَلِك عرضا مَعْلُوما وَهَذَا الَّذِي يُتْلَى وَيكْتب عرض آخر وجد وَهَذَا خلاف قَول الْأمة قبلهم
وَمِمَّا اتَّفقُوا عَلَيْهِ قَوْلهم إِن أَفعَال الْعباد مخلوقة لَهُم كل وَاحِد مِنْهُم وَمن جملَة الْحَيَوَانَات كالبقة والبعوض والنملة والنحلة والدودة والسمكة خَالق خلق أَفعاله وَلَيْسَ خَالِقًا لأفعالهم وَلَا قَادِرًا على شَيْء من أَعْمَالهم وَأَنه قطّ لَا يقدر على شَيْء مِمَّا يَفْعَله الْحَيَوَانَات كلهَا فَفعل الذُّبَاب والبقة والجرادة أَفعَال هِيَ خالقة لَهَا وَلَيْسَ الْبَارِي سُبْحَانَهُ قَادِرًا عَلَيْهَا فأثبتوا خالقين لَا يُحصونَ وَلَا يحصرون حَتَّى أَن مذبة لَو تحركت على دن من الْخلّ تطاير عَنْهَا أَكثر من ألف خَالق أَو قريب مِنْهَا وَقد فارقوا بِهَذِهِ الْمقَالة لِسَان الْأمة فَإِن الْأمة كلهم قبلهم كَانُوا يَقُولُونَ لَا خَالق إِلَّا الله كَمَا يَقُولُونَ لَا إِلَه إِلَّا الله وخالفوا بِهَذَا أَيْضا قَوْله ﷾ أم جعلُوا لله شُرَكَاء خلقُوا كخلقة فتشابه الْخلق عَلَيْهِم قل الله خَالق كل شَيْء وَهُوَ الْوَاحِد القهار وَقَوله تَعَالَى ﴿فأروني مَاذَا خلق الَّذين من دونه﴾ فَلَو كَانَ لغيره خلق على الْحَقِيقَة لبطل تَحْقِيق هَذِه المطالبه وَلم يكن لهَذَا الْإِنْكَار عَلَيْهِم حَقِيقَة.
[ ٦٤ ]
وَمِمَّا قَالُوا إِن أَفعَال الْحَيَوَانَات خَارِجَة من قدرَة الله تَعَالَى وَلم يوجبوا تَخْصِيصًا فِي وصف كَونه قَادِرًا فقد مهدوا بذلك طَرِيق القَوْل بالتثنية كَمَا بَيناهُ فِي الْأَوْسَط
وَمِمَّا اتَّفقُوا عَلَيْهِ من فضائحهم قَوْلهم إِن حَال الْفَاسِق الملي منزلَة بَين منزلتين لَا هُوَ مُؤمن وَلَا هُوَ كَافِر وَإنَّهُ إِن خرج من الدُّنْيَا قبل أَن يَتُوب يكون خَالِدا مخلدا فِي النَّار مَعَ جملَة الْكفَّار وَلَا يجوز لله تَعَالَى أَن يغْفر لَهُ أَو يرحمه وَلَو أَنه رَحمَه وَغفر لَهُ يخرج من الْحِكْمَة وَسقط من منزلَة الآلهية بغفران الشّرك بِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾) يرد قَوْلهم هَذَا قَوْله الله تَعَالَى ﴿قل يَا عبَادي الَّذين أَسْرفُوا على أنفسهم لَا تقنطوا من رَحْمَة الله إِن الله يغْفر الذُّنُوب جَمِيعًا إِنَّه هُوَ الغفور الرَّحِيم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِنَّه لَا ييأس من روح الله إِلَّا الْقَوْم الْكَافِرُونَ﴾ وليت شعري كَيفَ حجروا على الله فِي مقدوره وحظروا عَلَيْهِ التَّصَرُّف فِي مُطلق ملكه وَكَيف منعُوهُ الْعَفو فِيمَا يثبت لَهُ فِي عَبده من حَقه
وَمِمَّا اتَّفقُوا عَلَيْهِ من مساوئ مقالاتهم قَوْلهم أَن الله تَعَالَى لم يرد أَن يكون الزِّنَا واللواط وَالْقَتْل ومعصية العصاة وَكفر الْكَافرين وَجَمِيع الْفَوَاحِش قبيحة مذمومة وَهَذَا يُوجب أَن تكون جَمِيعهَا مرضية حَسَنَة أَو يكون عَن جَمِيعهَا غافلا سَاهِيا وَهَذَا خلاف قَوْله تَعَالَى وَمَا تشاءون إِلَّا أَن يَشَاء الله إِن كَانَ عليما حكيما وَخلاف قَوْله تَعَالَى ﴿لَا تَأْخُذهُ سنة وَلَا نوم﴾ وَخلاف مَا اتّفق عَلَيْهِ الْعُقَلَاء من ان من لم يرد أَن يكون الْقَبِيح قبيحا والمذموم مذموما وَلم يرد أَن يكون كفر الْكَافرين ومعصية العصاة وظلم الظَّالِمين وزنا الزناة مذمومة غير مرضية كَانَ فِي السَّفه والجا، وَعَن حكم الْحِكْمَة خَارِجا
[ ٦٥ ]
وَمِمَّا اتَّفقُوا عَلَيْهِ من فضائحهم قَوْلهم إِن كثيرا من الْأَشْيَاء تجب على العَبْد من غير أَن يكون من أَمر الله تَعَالَى فِيهِ أَمر مثل النّظر وَالِاسْتِدْلَال وشكر الْمُنعم وَترك الْكفْر والكفران ثمَّ يَقُولُونَ إِن هَذَا العَبْد إِذا أَتَى بِهَذِهِ الْأَشْيَاء على قَضِيَّة عقله دون أَمر ربه سُبْحَانَهُ وَجب على الله تَعَالَى أَن يثيبه من غير أَن يكون من قبله فِيهِ أَمر أَو خبر أَو وعد أَو وَعِيد أَو تَكْلِيف ثمَّ إِذا أَتَى بِهِ وَجب على العَبْد شكره فَإِذا شكره وَجب على الله ثَوَابه وَهَكَذَا يَدُور الْأَمر بَين العَبْد والرب وَهَذَا يُوجب أَن لَا يتَمَكَّن الرب على قَوْلهم من أَن يخرج الرب من وَاجِبَات العَبْد تَعَالَى الله عَن قَوْلهم من غير أَن يكون عَلَيْهِ تَكْلِيف أَو شَرِيعَة مرتبَة عَلَيْهِ وعَلى قِيَاس هَذَا يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا مُؤديا للْوَاجِب وَلَا يكون لأَحَدهمَا فضل على الآخر وَزَادُوا على هَذَا فَقَالُوا إِذا خلق الله شَيْئا من الجماد وَجب عَلَيْهِ أَن يخلق حَيا وَأَن يتم عقله حَتَّى يسْتَدلّ وَيعْتَبر وَيسْتَحق الثَّوَاب بأَدَاء الْمُسْتَحق وَمن قضى وَاجِبا لم يسْتَحق عَلَيْهِ شَيْئا كمن يقْضِي دينا لم يسْتَحق على صَاحبه فضلا على هَذَا فَقَالُوا إِن كل مَا يَنَالهُ العَبْد من ربه من النعم فَإِنَّمَا يَنَالهُ بِاسْتِحْقَاق مِنْهُ لَا بِفضل من الله تَعَالَى فاستنكفوا من أَن يرَوا لله تَعَالَى فضلا على أنفسهم وَقَالُوا إِن أَسْنَى الْمنَازل منزلَة الِاسْتِحْقَاق
وَمِمَّا اتَّفقُوا عَلَيْهِ من فضائحهم قَوْلهم إِن العَبْد لَا يحصل لَهُ صفة الْإِيمَان حَتَّى يعلم جَمِيع مَا هُوَ شَرط فِي إعتقادهم ويبلغ فِي مَعْرفَته دَرَجَة عُلَمَائهمْ كَأبي الْهُذيْل والنظام وَغَيرهمَا وَيقدر فِيهِ على تَقْرِير الدّلَالَة ويتمكن من المناظرة والمجادلة وَمن لم يبلغ تِلْكَ الدرجَة كَانَ كَافِرًا لَا يحكم لَهُ بِالْإِيمَان وَلِهَذَا حكمُوا بالْكفْر على جَمِيع عوام الْمُسلمين وَلذَلِك زَعَمُوا أَن عُلَمَاء مخالفيهم كفرة كلهم وَكفر كل فريق مِنْهُم جَمِيع فرقهم وَهَذَا يُوجب أَن لَا يكون عِنْد كل وَاحِد مِنْهُم مُؤمن سواهُ وَأَن يكون مُنْفَردا بِدُخُول الْجنَّة مَعَ مَا ورد من الْأَخْبَار فِي كَثْرَة أهل الْجنَّة وَلأَجل هَذِه الْمقَالة قَالَ عُلَمَاء أهل الْحق وأئمتهم أَن المعتزلي بالتقليد كَافِر بِالْإِجْمَاع
ثمَّ زادوا على هَذَا مَا هُوَ أفضح مِنْهُ فأنكروا من مفاخر رَسُول الله ﷺ مَا كَانَ مُخْتَصًّا بِهِ زَائِدا على الْأَنْبِيَاء كوجود الْمِعْرَاج وَثُبُوت الشَّفَاعَة لَهُ يَوْم الْقِيَامَة وَوُجُود حَوْض الْكَوْثَر وأنكروا مَا ورد فِي هَذِه الْأَبْوَاب من الْآثَار وَالْأَخْبَار وأنكروا عَذَاب
[ ٦٦ ]
الْقَبْر أَيْضا وأنكروا قَول عمر أَنِّي أعوذ بك من الْكفْر والفقر وَعَذَاب الْقَبْر مَعَ اتِّفَاق أهل النَّقْل على رِوَايَته هَذَا الْخَبَر على الاستقاضة وَقَول جَمِيع الْمُسلمين ﴿وَمِنْهُم من يَقُول رَبنَا آتنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وقنا عَذَاب النَّار﴾ وَفِي عَذَاب الْقَبْر قد بلغت الْأَخْبَار حد التَّوَاتُر فِي الْمَعْنى وَإِن كَانَ كل وَاحِد مِنْهَا لم يبلغ حد التَّوَاتُر فِي اللَّفْظ فأنكروا مَا فِي ذَلِك من نُصُوص الْقُرْآن كَقَوْلِه تَعَالَى فِي صفة آل فِرْعَوْن ﴿النَّار يعرضون عَلَيْهَا غدوا وعشيا وَيَوْم تقوم السَّاعَة أدخلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب﴾ وَاعْلَم أَن مَا ذَكرْنَاهُ من فضائحهم مِمَّا يعم جَمِيعهم واتفقت عَلَيْهِ كلمتهم وَنَذْكُر بعد هَذَا مَا اخْتصَّ بِهِ كل وَاحِد من فرقهم من المخازي والفضائح إِن شَاءَ الله ﷿ وَقد ذكرنَا أَنهم ينقسمون إِلَى عشْرين فرقة