قال المصنف ﵀: «وأمَّا المتقدمون من هَذِه الأمة، فَلم تكن هَذِه المقالات مَعْرُوفَة فيهم. وهَذِه المقالات هِيَ محادَّةٌ لله ورَسُوله، ومعاداة لَهُ، وصَدٌّ عَنْ سَبيله، ومشاقَّة لَهُ، وتَكْذيب لرسله، ومضادَّة لَهُ فِي حكمه، وإِن كَانَ مَنْ يَقُول هَذِه المقالات قد يجهل ذَلِك، ويعتقد أَنْ هَذَا الَّذِي هُو عَلَيْهِ هُو طَرِيق الرَّسُول، وطَرِيق أَوْلِيَاء الله المُحَقِّقين، فَهُو فِي ذَلِك بِمَنْزِلَة مَنْ يعْتَقد أَنْ الصَّلَاة لَا تجب عَلَيْهِ؛ لاستغنائه عَنْهَا بِمَا حصل لَهُ من الأَحْوال القلبية، أَوْ أَنْ الخمر حَلَال لَهُ؛ لكَونه من الخَواص الَّذين لَا يَضرهم شرب الخمر، أَوْ أَنْ الفَاحِشَة حَلَال لَهُ؛ لِأَنَّهُ صَار كالبحر لَا تُكدِّره الذُّنُوب ونَحْو ذَلِك!».
بَيَّن المصنف- ﵀ أن هذه المقالات لم تَكن معروفة في المُتَقَدِّمين، ولكن الشيطان استدرج بعض المتصوفة شيئًا فشيئًا حتى أوصلهم إلى هذه الحال.
فهذه المقالات هي مُحادَّة ومُعاداة لله ولرسوله ﷺ، وإذا لم تُعَظَّم- في الأمة- أوامر الله عز جل وأوامر رسوله ﷺ؛ فكيف يُعرف المستقيم من غير المستقيم؟ وكيف يُعرف الصالح من الفاسد؟ وكيف يُعرف الخير من الشر؟
فوالله إنَّ من أعظم المحادة والمعاداة لله ورسوله ﷺ: أن لا يكون هناك تعظيم لأوامر الله ونواهيه.
[ ١٥٥ ]
فإذن: هذه الحال التي عليها هؤلاء هي محادَّة ومعاداة لله ورسوله ﷺ، وإن كان بعض مَنْ يقول هذه المقالات قد يجهل ذلك؛ لأنه ما عَرف من الدِّين إلا هذه المبادئ المتصوفة؛ فتَربى عليها ونشأ عليها، ولم يعرف من الدين إلا هذه الأمور، وهذه الحال التي هو عليه هي حال ضَلال؛ فنسأل الله العافية والسلامة.
فإذن: بعض هؤلاء قد يعتقد أنَّ الطريق الذي هو عليه هو طريق الرسول ﷺ، وأنَّه طريق أولياء الله ﷿ المحققين؛ وقد يعتقد أن الصلاة وغيرها من التكاليف غير واجبة عليه؛ لاستغنائه عنها بما حصل له من الأحوال القلبية.
وهذا الفكر موجود عند هؤلاء المتصوفة، وموجود كذلك عند بعض من تأثر بالفلسفة؛ فيرى أن دين الرسول هو خطاب لعَوَام الناس، ويَدَّعي أولئك المتفلسفة أن ما جاء به الرسول من أوامر ونواه هي تربية فلسفية تخص العوام، أمَّا هم فيقولون: إنهم ليسوا من العوام، وبالتالي قد وصلوا إلى المقصود، ووصلوا إلى ما يريده الرسول من الأوامر والنواهي، ولكن بطريق آخر.
وهذا الفكر قد فُتِن به- أيضًا- بعض المثقفين ممن تأثروا بالفلسفات اليونانية، أو درسوا في المدارس الغربية، ومع أن بعضهم قد بلغ مراتب عليا في الدراسات (الأكاديمية) والثقافة إلا أنه لا يصلي ولا يصوم، ولا يعظم الأمر والنهي، ويزعم أنه على الإسلام، ومن يخالط هؤلاء يجدهم على هذا الفكر، ويرى أنه مُستغن ومستكف بالآراء الفلسفية عن التكاليف الشرعية، ويرى أنه ليس مخاطبًا ولا مطالبًا بالتكاليف الشرعية؛ لأنه صار أعلى من أن يُطالب بأداء الأوامر أو اجتناب النواهي.
[ ١٥٦ ]
فالشيطان قد استدرج هؤلاء وهؤلاء، وهناك أوجه شبه كبيرة بينهما، ولهم جميعًا مبرراتهم الباطلة، التي يستمدونها من الأحوال القلبية، أو المبادئ الفلسفية، التي يرون أنها تغنيهم عن أن يؤدوا الصلاة مثلًا، وتبيح لهم شرب الخمر؛ إذ يرون أنها حرام على عوام الناس، حِلٌّ لهم؛ لكونهم من الخواص الذين لا يَضرهم شرب الخمر، بل ولا يضرهم فعل الفواحش؛ لأنهم صاروا كالبَحر لا تضرهم الذنوب وإن كثرت، حتى أصبحوا غير مبالين ولا مُعَظِّمين لأوامر الله تعالى ونواهيه.
فهل بعد هذا التلاعب من الشيطان بهؤلاء من تَلاعب؟!
أما المسلم فيحمد الله ﷿؛ لأنَّه وَفَّقه لتعظيم الأمر والنهي.
* * *
[ ١٥٧ ]