قال المصنف ﵀: «وهَذِه الأُمُورُ نَوْعَانِ:
مِنْهَا: مَا يَحْتَاج العَبْدُ إِلَيْهِ، كَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من طَعَامه وشَرَابه ومسكنه ومنكحه ونَحْو ذَلِك. فَهَذَا يَطْلُبهُ من الله، ويرغب إِلَيْهِ فِيهِ؛ فَيكون المَال عِنْده- يَسْتَعْمِلهُ فِي حَاجته- بِمَنْزِلَة حِمَاره الَّذِي يَركبه، وبساطه الَّذِي يجلس عَلَيْهِ، بل بِمَنْزِلَة الكنيف الَّذِي يَقْضى فِيهِ حَاجته، من غير أَنْ يَستعبده فَيكون ﴿هلوعًا * إِذا مَسّه الشَّرّ جزوعًا * وإِذا مَسّه الخَيْر منوعًا﴾ [المعارج: ١٩ - ٢١].
ومِنْهَا: مَا لَا يَحْتَاج العَبْد إِلَيْهِ، فَهَذَا لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَلِّق قلبه بِهِ. فَإِذا علق قلبه بِهِ صَار مستعبَدًا لَهُ. ورُبمَا صَار مُعْتَمدًا على غير الله، فَلَا يَبْقى مَعَه حَقِيقَة العِبَادَة لله، ولَا حَقِيقَة التَّوكُّل عَلَيْهِ، بل فِيهِ شُعْبَة من العِبَادَة لغير الله، وشُعْبَة من التَّوكُّل على غير الله، وهَذَا من أَحَقِّ النَّاس بقوله ﷺ: «تَعِسَ عبدُ الدِّرْهَم، تعس عبد الدِّينَار، تَعِسَ عبدُ القطيفة (^١)، تعس عبدُ الخميصة (^٢)» (^٣)، وهَذَا هُو عبد هَذِه الأُمُور؛ فَإِنَّهُ لَو طلبَهَا من الله، فَإِنْ الله إِذا أعطَاهُ إِيَّاه رَضِي، وإِن مَنعه إِيَّاه سخط، وإِنَّمَا عبدُ الله مَنْ يُرضيه مَا يُرْضِي الله، ويُسخطه مَا يُسْخط الله، ويُحب مَا أحبه الله ورَسُوله، ويبغض مَا أبغضه الله ورَسُوله، ويوالي أَوْلِيَاء الله، ويعادي أَعدَاء الله تَعَالَى. وهَذَا هُو الَّذِي
_________________
(١) القطيفة: كساء، أو فِراش له أهداب (أطراف متدلية للزينة).
(٢) الخميصة: ثوب أسود- أو أحمر- له أعلامٌ.
(٣) أخرجه البخاري (٦٤٣٥) من حديث أبي هريرة؟، وقد تقدم.
[ ٢٨٦ ]
اسْتكْمل الإِيمَان، كَمَا فِي الحَدِيث: «مَنْ أحبَّ لله وأبْغض لله، وأعْطى لله ومنع لله، فقد اسْتكْمل الإِيمَان» (^١)، وقَالَ: «أوثق عُرى الإِيمَان: الحبُّ فِي الله والبُغض فِي الله» (^٢).
وفِي «الصَّحيح» عَنهُ ﷺ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وجد حلاوة الإِيمَان: مَنْ كَانَ اللهُ ورَسُولُه أحبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا، ومَن كَانَ يحب المَرْء لَا يُحِبهُ إِلَّا لله، ومن كَانَ يكره أَنْ يَرجع إِلَى الكفْر بعد إِذْ أنقذه الله مِنْهُ كَمَا يَكره أَنْ يُلقى فِي النَّار» (^٣). فَهَذَا وافقَ ربَّه فِيمَا يُحِبُّهُ ومَا يَكرههُ، فَكَانَ الله ورَسُوله أحبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا، وأحب المَخْلُوق لله، لَا لغَرَض آخر. فَكَانَ هَذَا مِنْ تَمام حُبِّه لله، فَإِنْ محبَّة مَحْبُوب المحبوب من تَمام محبَّة المحبوب، فَإِذا أحبَّ أَنْبيَاء الله وأولياء الله لأجل قيامهم بمحبوبات الحق- لَا لشَيْء آخر- فقد أحبهم لله لَا لغيره، وقد قَالَ تَعَالَى: ﴿فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ ويُحِبُّونَهُ أَذِلَّة على المُؤمنِينَ أعزة على الكَافرين﴾ [المَائِدَة: ٥٤].
ولِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قل إِنْ كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله﴾ [آل عمرَان: ٣١]، فَإِنْ الرَّسُول لَا يَأْمر إِلَّا بِمَا يحب الله، ولَا يَنْهَى إِلَّا عَمَّا يبغضه الله ولَا يَفعل إِلَّا مَا يُحِبهُ الله ولَا يخبر إِلَّا بِمَا يحبُّ الله التَّصْدِيق بِهِ.
فَمن كَانَ محبًّا لله لزم أَنْ يَتبع الرَّسُول، فيصدقه فِيمَا أخبر، ويُطيعه فِيمَا أَمر، ويتأسى بِهِ فِيمَا فعل، ومَن فعل هَذَا فقد فَعل مَا
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٧٣٠) وأبو داود (٤٦٨١) من حديث أبي أمامة؟، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٣٨٠).
(٢) أخرجه ابن ابن شيبة (٣٤٣٣٨)، وأحمد (١٨٥٢٤) من حديث البراء بن عازب؟، وحسنه الألباني في «الصحيحة» (٩٩٨).
(٣) أخرجه البخاري (١٦) ومسلم (٤٣) من حديث أنس؟.
[ ٢٨٧ ]
يُحِبُّهُ الله، فَيُحِبهُ الله».
أراد المصنف هنا أن يبين أنَّ احتياج الإنسان لبعض متاع الدنيا لا يدخل في التعلق المذموم بها؛ وهذا هو التوسط المطلوب، فليس معنى خوف التعلق بالدنيا: أن يَزهد فيها العبد وأن لا يَستعمرها، وإنما المراد ألَّا يكون حريصًا عليها، وأنَّها إذا جاءته من طريق شرعي يَنبغي أن يستخدمها في مرضاة الله، وأن تكون في يده وليست متحكمة فيه مستعبدة له مُستولية على قلبه شاغلة له عن الغاية من وجوده في هذه الحياة؛ وهي عبادة الله ﵎؛ لذلك قال سبحانه: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧]، قال ابن كثير ﵀: «وقوله: ﴿وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تَنس نصيبك من الدنيا﴾ [القصص: ٧٧]، أي: استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل والنِّعمة الطائلة في طاعة ربِّك والتقرب إليه بأنواع القُربات، التي يَحصل لك بها الثواب في الدار الآخرة. ﴿ولا تنس نصيبك من الدنيا﴾ [القصص: ٧٧]، أي: مما أباح اللهُ فيها مِنْ المآكل والمَشارب والملابس والمساكن والمناكح؛ فإنَّ لربِّك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، ولِزَوْرِك- أي: ضيفك- عليك حقًّا، فآتِ كلَّ ذي حقٍّ حقه. ﴿وأحسن كما أحسن الله إليك﴾ [القصص: ٧٧] أي: أحسن إلى خلقه كما أحسن هو إليك، ﴿ولا تبغ الفساد في الأرض﴾ [القصص: ٧٧] أي: لا تَكن همتك بما أنت فيه أن تفسد به الأرض، وتُسيء إلى خلق الله؛ ﴿إن الله لا يحب المفسدين﴾ [القصص: ٧٧]» (^١).
_________________
(١) «تفسير ابن كثير» (٦/ ٢٥٣، ٢٥٤).
[ ٢٨٨ ]
فالإسلام وسطٌ في العمل للدنيا والآخرة؛ فكلٌّ منهما عبادة لله تعالى وتحقيق لغاية الوجود الإنساني ضِمن شروط معينة، بينما تأرجحت المذاهب الأخرى بين الاهتمام بالنواحي المادية الذي يظهر في المدنية الغربية الحديثة، وأصبح معبودها هو المال والقوة والرَّفاهية والرقي المادي، وبين الإزراء بهذا الرُّقي المادي والمتاع الدنيوي، كما هو الشأن في المذاهب التي تَدعو إلى الرَّهبنة وتعذيب الجسد من أجل الرُّوح وتهذيبها للوصول إلى مرحلة الفناء (^١).
* * *
_________________
(١) انظر: «بحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو» (ص ٤٠٠).
[ ٢٨٩ ]