قال المصنفُ ﵀: «والدِّين يتَضَمَّن معنى الخضوع والذُّلِّ؛ يُقَال: دِنْتُهُ فَدَان؛ أي: أذللتُه فَذَلَّ. ويُقَال: يَدِين اللهَ، ويَدِين للهِ، أي: يَعبد الله ويُطيعه ويَخضع لَهُ. فدين الله: عِبَادَته وطاعته والخضوع لَهُ.
والعِبَادَة أصل مَعْنَاهَا: الذلُّ أَيْضًا، يُقَال: طَرِيق مُعَبَّد، إِذا كَانَ مُذَلَّلًا قد وَطِئَتْهُ الأَقْدَامُ.
لَكِن العِبَادَة المَأْمُور بهَا تَتَضَمَّن معنى الذل ومعنى الحبِّ؛ فهي تَتَضَمَّن غَايَة الذل لله تعالى، بغاية المحبَّة لَهُ».
لفظ الدِّين ولفظ العبادة في أصل اللغة بمعنى واحد.
فالدين في اللغة معناه: الخضوع.
قال ابنُ فارس: «(دين): الدال والياء والنون أصلٌ واحد إليه يرجع فروعُه كلُّها. وهو جنسٌ من الانقياد والذُّل. فالدِّين: الطاعة، يقال: دان له يَدِين دِينًا، إذا أصْحَبَ وانقاد وطَاعَ. وقومٌ دِينٌ، أي: مُطِيعون منقادون» (^١).
وقال الزبيدي: «والدين: (الطاعة)، وهو أصل المعنى؛ وقد دِنتُه ودِنتُ له، أي: أطعتُه» (^٢).
_________________
(١) «معجم مقاييس اللغة» (٢/ ٣١٩).
(٢) «تاج العروس» (٣٥/ ٥٤).
[ ٥٩ ]
والعبادة في اللغة معناها: الخضوع.
قال الرازي: «أصل العُبُودية: الخضوع والذُّلِّ. والتَّعْبِيدُ: التذليل؛ يُقال: طريق مُعَبَّدٌ.
والتَّعبِيدُ أيضًا: الاسْتِعْبادُ، وهو اتخاذ الشخص عبدًا …
والعِبَادَةُ: الطاعة. والتَّعَبُّدُ: التنسُّك» (^١).
وقال الطبري في تفسير سورة الفاتحة عند قوله: ﴿إياك نعبد﴾ [الفاتحة: ٥]: «وإنَّما اخترنا البيان عن تأويله بأنَّه بمعنى: نخشع ونذل ونستكين، دون البيان عنه بأنه بمعنى: نرجو ونَخاف- وإن كان الرَّجاء والخوف لا يكونان إلا مع ذِلَّة- لأنَّ العبودية عند جميع العرب أصلها الذِّلَّة» (^٢).
ولذلك قال شيخ الإسلام هنا: «والدِّينُ يتضمن معنى الخضوع والذل، هذا في أصل اللغة، يقال: دِنْتُه فَدَان، أي: أذللتُه فَذَلَّ»، ثم قال: «أي: يعبد الله ويطيعه ويخضع له».
فدين الله: عبادة الله وطاعته والخضوع له، فإذا أضيف الدِّين لله ﷾؛ فإنه بمعنى: عبادة الله تعالى والخضوع والطاعة له ﷾.
وهكذا معنى العبادة، فالعبادة أصل معناها في اللغة هو: الذل والخضوع، وبالتالي يقال: طريق مُعَبَّد إذا كان مذللًا قد وطئته الأقدام.
لكن العبادة في الشرع أُضيف لها مع كمال الذُّلِّ كمال المحبة؛ كما قال شيخ الإسلام: «العبادة تجمع كمال المحبة وكمال الذل؛
_________________
(١) «مختار الصحاح» (ص ٤٦٧).
(٢) «تفسير الطبري» (١/ ١٦١).
[ ٦٠ ]
فالعابد محبٌّ خاضع بخلاف مَنْ يحب مَنْ لا يخضع له، بل يحبه؛ ليتوسل به إلى محبوب آخر، وبخلاف مَنْ يخضع لمن لا يحبه، كما يخضع للظالم؛ فإنَّ كلًّا مِنْ هذين ليس عبادة محضة، وإنَّ كل محبوب لغير الله ومُعَظم لغير الله ففيه شَوْبٌ من العبادة» (^١).
فبعض الألفاظ إذا انتقلت من المعنى اللغوي إلى المعنى الشرعي انضاف إليها معنى زائد، أو أنها اختصت بأمر معين؛ فلفظ العبادة في أصل اللغة معناه: الذل والخضوع، ولكن لما أصبح لفظًا شرعيًّا فإنَّه جمع مع الذل كمال المحبة، كمال قال المصنف هنا: «لكن العبادة المأمور بها تَتضمن معنى الذُّلِّ ومعنى الحبِّ».
* * *
_________________
(١) «قاعدة في المحبة» (ص ٩٨، ٩٩).
[ ٦١ ]