قال المصنف ﵀: «وذَلِكَ أَنْ العِبَادَة لله هِيَ الغَايَة المحبوبة لَهُ والمرضية لَهُ؛ الَّتِي خَلق الخلقَ لَهَا، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون﴾ [الذاريات: ٥٦].
وبهَا أرسل جَمِيع الرُّسُل، كَمَا قَالَ نوح لِقَوْمِهِ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩].
وكَذَلِكَ قَالَ هود وصَالح وشُعَيْب وغَيرهم لقومهم، وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل: ٣٦].
وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
وقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢].
كَمَا قَالَ فِي الآيَة الأُخْرَى: ﴿يَا أَيهَا الرُّسُل كلوا من الطَّيِّبَات واعْمَلُوا صَالحا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عليم * وإِن هَذِه أمتكُم أمة واحِدَة وأَنا ربكُم فاتقون﴾ [المؤمنون: ٥١، ٥٢].
وجعل ذَلِك لَازِما لرَسُوله إِلَى المَوْت؛ كَمَا قال: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحِجر: ٩٩].
وبِذَلِك وصف مَلَائكَته وأنبياءه؛ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وله من فِي السَّمَاوات والأَرْض ومن عِنْده لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَته ولَا يستحسرون *
[ ٣٤ ]
يسبحون اللَّيْل والنَّهَار لَا يفترون﴾ [الأنبياء: ١٩، ٢٠]، وقَالَ تعالى: ﴿إِنْ الَّذين عِنْد رَبك لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَته ويسبحونه وله يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦].
وذَمَّ المُستكبرين عنها بقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
بعد أن عَرَّفَ شيخُ الإسلام ابنُ تَيمية- رحمه الله تعالى- العبادةَ ذَكَرَ هنا بعض الأمثلة عليها، مُشِيرًا إلى بيان أهميتها، وما لها مِنْ مَنزلة ومكانة، ولهذه الإشارة مغزى عظيم؛ لأن أهل الكلام والمتصوفة- وهما من أكبر خُصُوم أهل السُّنَّة- لم يُقيموا لأمر العبادة وزنًا، ولم يجعلوا لها شأنًا، حيث وقفوا عند توحيد الرُّبوبية.
فأهلُ الكلام لما عرَّفوا التوحيد وقَسَّموه قالوا: إنَّ الله واحد في ذاته لا قَسِيم له، وواحدٌ في صِفاته لا نَظِير له، وواحدٌ في أفعاله لا شريكَ له (^١).
وهم بهذا التعريف أسقطوا ذِكر وعَدَّ توحيد العبادة، ولم يجعلوه قِسْمًا من أقسام التوحيد؛ بل إنهم زيادة على ذلك فسَّرُوا معنى: لا إله إلا الله بقولهم: لا لا ربَّ ولا مالك ولا خالق، ولا قادر على الاختراع إلا الله ﷾، ولمَّا عرفوا الإله حصروا معنى الألوهية
_________________
(١) انظر في ذلك من كتب الأشاعرة: «مجرد مقالات الأشعري» لابن فورك (ص: ٥٥)، ورسالة الحرة للباقلاني- المطبوعة باسم «الإنصاف» (ص: ٣٣، ٣٤)، و«الاعتقاد» للبيهقي (ص: ٦٣)، و«شرح أسماء الله الحسنى» للقُشيري (ص: ٢١٥)، و«الشامل في أصول الدِّين» (ص: ٣٤٥ - ٣٤٨)، و«الإرشاد» (ص: ٥٢)، و«لمع الأدلة» (ص: ٨٦) للجويني، و«إحياء علوم الدين» (١/ ٣٣)، و«الاقتصاد في الاعتقاد» (ص: ٤٩) لأبي حامد الغزالي، و«نهاية الإقدام في علم الكلام» للشهرستاني (ص: ٩٠).
[ ٣٥ ]
في الربوبية، وقالوا: إن الإله هو: القادر على الاختراع والخَلْقِ (^١).
فهذا شأنُ توحيد العبودية والألوهية عند أهل الكلام.
وأمَّا أهل التصوف؛ فمنهم مَنْ يقول كالهروي: إنَّ «التوحيد: تنزيه الله تعالى عن الحدث، وإنما نطق العلماء بما نطقوا به، وأشار المحققون بما أشاروا إليه في هذا الطريق؛ لقصد تصحيح التوحيد، وما سواه مِنْ حال أو مقام فكله مصحوب العلل.
والتوحيد على ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: توحيد العامة الذي يصح بالشواهد.
والوجه الثاني: توحيد الخاصَّة، وهو الذي يثبت بالحقائق.
والوجه الثالث: توحيد قائم بالقِدم، وهو توحيد خاصَّة الخاصَّة.
فأما التوحيد الأول فهو شهادة أن ﴿لا إله إلا الله﴾ [محمد: ١٩] وحده لا شريكَ له، الأحد الصَّمَد، الذي لم يَلد ولم يُولد، ولم يكن له كُفُوًا أحد» (^٢).
فمن المتصوفة مَنْ اعتبروا توحيد العِبادة الذي هو توحيد الرُّسُل هو توحيدُ العَوَام، وجعلوه في المنزلة الدُّنيا، وجعلوا توحيد الربوبية فوق توحيد العبادة، ولذلك جعلوا توحيد الخاصَّة هو شهود الربوبية، والفناء بشهوده عن مشهوده، وبوجوده عن موجوده، بمعنى: أنهم حصروا هذا المقام من التوحيد في شهود مقام الربوبية.
_________________
(١) انظر: «أصول الدين» للبغدادي (ص ١٢٣)، و«المِلل والنِّحل» للشهرستاني (١/ ١٠٠)، و«مجرد مقالات الأشعري» لابن فورك (ص ٤٧).
(٢) «منازل السائرين» لأبي إسماعيل الهروي (١٣٥ - ١٣٨)، دار الكتب العلمية- بيروت.
[ ٣٦ ]
وتوحيد خاصَّة الخاصة عندهم هو توحيد أهل وحدة الوجود، الذين يقولون: إنَّه ما ثَمَّت خالق ولا مخلوق، ولا عابد ولا معبود، وإنَّ الوجود كله واحد.
فإذًا كلٌّ من الفريقين (أهل الكلام والمتصوفة) لم يُقم وزنًا لتوحيد العبادة، ولم يُلق له بالًا، ولم يُعطه اهتمامًا، ولذلك نَبَّه شيخ الإسلام ﵀ هنا على توحيد العبادة، ودَلَّل على قيمته وبَيَّن منزلته؛ فقال: «وذلك أنَّ العبادة لله هي الغاية المحبوبة له، والمرضية له»؛ واللهُ تعالى بَيَّن قدرَ أهل الإيمان بقوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، وأثنى عليهم بأنهم أشد الخلق محبة له ﷾ فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، قال العلامة عبد الرحمن السعدي ﵀ معلقًا على هذه الآية: «أصلُ التوحيد ورُوحه: إخلاص المحبة لله وحده، وهي أصلُ التأله والتعبد له، بل هي حقيقة العبادة، ولا يتم التوحيد حتى تكمل محبة العبد لربِّه، وتسبق محبته جميع المَحَابِّ وتَغلبها، ويكون لها الحكم عليها بحيث تكون سائر محابِّ العبد تَبَعًا لهذه المحبة التي بها سعادة العبد وفلاحه» (^١).
فمحبةُ الله تعالى أمر عظيم ومقام جليل يَسعى إليه العبد، ولذلك قال الله ﷿: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم * قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين﴾ [آل عمران: ٣١ - ٣٢].
قال الإمام ابن كثير ﵀ في تفسيره لهذه الآية: «هذه الآية الكريمة حاكمةٌ على كلِّ مَنْ ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية؛ فإنَّه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يَتَّبع الشرع
_________________
(١) «القول السديد شرح كتاب التوحيد» للسعدي (ص ١٢٨).
[ ٣٧ ]
المحمدي والدِّين النبوي في جميع أقواله وأحواله … وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قومٌ أنهم يحبون الله؛ فابتلاهم الله بهذه الآية» (^١).
فبرهان محبة الله ﷿ بتحقيق هذا الأمر؛ ألا وهو عبادة الله ﷿ وفق ما شُرع في الكتاب والسُّنَّة.
ولذلك نلاحظ أن الكثير من تعريفات توحيد العبادة جاء النصُّ فيها على أنَّ العبادة أمر يُحبه الله ﷿، فقد عرفها شيخ الإسلام هنا بقوله: «العبادة: اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يحبُّه الله ويَرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة».
وقال- ﵀ في موطن آخر: «العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذُّلِّ ومعنى الحب، فهي تَتضمن غاية الذل لله بغاية المحبة له» (^٢).
وقال في موضع آخر: «ففعل جميع المأمورات وترك جميع المحظورات يَدخل في التوحيد، في قول: لا إله إلا الله» (^٣).
وقال كذلك: «العبادات التي يُتقرب بها إلى الله تعالى؛ منها ما كان محبوبًا لله ورسوله، مُرضيًا لله ورسوله؛ إمَّا واجب وإمَّا مُستحبٌّ» (^٤).
وقال الإمام ابن كثير ﵀ في تعريفها: «العبادة في اللغة من الذِّلَّة، يقال: طَريق مُعَبَّد، وبَعير مُعَبَّد، أي: مُذلل. وفي الشرع: عبارة عمَّا يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف» (^٥).
_________________
(١) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٣٢)، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، ١٤٢٠ هـ- ١٩٩٩ م.
(٢) «مجموع الفتاوى» (١٠/ ١٥٣).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣٤).
(٤) «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٣٨٩).
(٥) «تفسير ابن كثير» (١/ ١٣٤).
[ ٣٨ ]
ومحبة الله تعالى لا تُنال إلا باتباع رسوله ﷺ، واتِّباع الرسول ﷺ إنما يكون بتحقيق العبودية لله ﷿ ونَبذ الشرك، ولذلك استلزمت المحبة كمال طاعة الله ﷾، بتحقيق ما أمر؛ إمَّا أمر وجوب، وإما أمر استحباب، وكما قال الإمام الشافعي عليه الرَّحمة والرِّضوان:
تَعصي الإلهَ وأنت تزعم حُبَّه … هذا محالٌ في القياس بديع
لو كان حُبُّكَ صادقًا لأطعتَه … إنَّ المحب لمن يحبُّ مُطيع
في كلِّ يومٍ يَبتديكَ بنعمةٍ … منهُ وأنتَ لِشُكرِ ذاكَ مُضيعُ (^١)
فبرهان محبة الله ﷾ ودليل صِدقها في قلب العبد: إنَّما يُنال بطريق العبادة، ولذلك جاء في الحديث القدسي: «وما تَقَرَّب إليَّ عبدي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إليَّ مما افترضتُ عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّه؛ فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يَسمع به، وبصرَه الذي يُبصر به، ويده التي يَبطش بها، ورِجْلَه التي يَمشي عليها، وإن سألني لأعطينه، ولأن استعاذني لأعيذنَّه» (^٢).
ولما كانت محبة الله ﷾ لا تُنال إلا بطريق العبادة، كان لزامًا على العبد أن يسلك هذا الطريق، وأن يجاهد نفسه في سبيل تحقيقها؛ قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨]، ولذلك قال شيخ الإسلام هنا: «إن العبادة هي الغاية المحبوبة له»، أي: أنها ما يحبه الله تعالى من عباده، وما رَضِيَها لهم.
_________________
(١) انظر: «ديوان الشافعي» (ص ٦٧)، والأبيات من (الكامل التام).
(٢) أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة؟.
[ ٣٩ ]
ويمكن إبراز هذا الباب من خلال ما يأتي:
أولًا: باب عبادة الله ﷾ هي أحد أقسام التوحيد (^١).
فإذا ما قَسَّمنا التوحيد إلى ثلاثة أقسام (^٢):
القسم الأول: توحيد الربوبية: وهو إفراد الله بأفعاله؛ كالخلق والرزق.
القسم الثاني: توحيد الأسماء والصفات: هو إفراد الله بأسمائه الحسنى وصفاته العُلى الواردة في القرآن والسنة، والإيمان بمعانيها وأحكامها.
القسم الثالث: توحيد الألوهية: وهو إفراد الله بأفعال العباد التعبدية؛ كالصلاة والصوم والدعاء.
فالقسم الثالث من أقسام التوحيد هو توحيد الألوهية، أو توحيد العبادة.
وإذا ما قَسَّمنا التوحيد إلى قسمين (^٣):
القسم الأول: توحيد المعرفة والإثبات: ويُراد به توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، ويُسَمَّى بتوحيد المعرفة؛ لأن معرفة
_________________
(١) تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام راجعٌ إلى اعتبار مُتَعَلَّق التوحيد، وتقسيمه إلى قِسمين راجع إلى اعتبار ما يجب على المُوَحِّد.
(٢) انظر: «طريق الهجرتين» لابن القيم (ص ٣٠)، و«شرح الطحاوية» لابن أبي العز (ص ٧٦)، و«لوامع الأنوار» للسفاريني (١/ ١٢٨)، و«تيسير العزيز الحميد» لسليمان بن عبد الله (ص ١٧ - ١٩).
(٣) الأغلب في كلام أهل العلم المُتَقَدِّمين تقسيم التوحيد إلى قسمين، وهذا لأنهم يجمعون بين توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وذلك بالنَّظر إلى أنهما يُشَكِّلان بمجموعهما جانب العلم بالله ومعرفته ﷿، بينما توحيد الألوهية يُشَكِّل جانب العمل لله.
[ ٤٠ ]
الله ﷿ إنما تكون بمعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله.
والإثبات: هو إثبات ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ؛ من الأسماء والصفات والأفعال.
القسم الثاني: توحيد القَصد والطلب: وسُمِّي بذلك؛ لأن العبد يَتوجه بقلبه ولسانه وجوارحه بالعبادة لله وحده رغبة ورهبة، ويقصد بذلك وجه الله وابتغاء مرضاته (^١).
فهذا القسم الثاني من قِسمي التوحيد هو توحيد الألوهية، أو توحيد العبادة.
وإمَّا أن نقول:
القسم الأول: التوحيد العِلمي الخَبَري، والمقصود به: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات.
وسُمِّي بالتوحيد العِلْمي؛ لأنه يَعتني بجانب معرفة الله، فالعِلمي، أي: «العلم بالله». والخبري: أي: يَتوقف على الخبر من الكتاب والسُّنَّة.
القسم الثاني: التوحيد الإرادي الطلبي:
والمقصود به: توحيد الألوهية، وسمي بالتوحيد الإرادي؛ لأن العبد له في العبادات إرادة؛ فهو إمَّا أن يقوم بتلك العبادة أو لا يقوم بها. وسُمِّي بالطلبي؛ لأن العبد يَطلب بتلك العبادات وجهَ الله، ويقصده ﷿ بذلك (^٢).
_________________
(١) انظر «مدارج السالكين» لابن القيم (٣/ ٤٤٩).
(٢) وممن ذكر ذلك ابنُ القيم في «مدارج السالكين» (٣/ ٤٥٠)، وابن تيمية في «الصفدية» (٢/ ٢٢٨).
[ ٤١ ]
ومِن العلماء مَنْ يُقَسِّم التوحيد إلى قِسمين، فيقول:
القِسم الأول: توحيد السِّيادة:
ويعني بذلك توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وسُمِّي بذلك؛ لأن تَفَرُّد الله ﷾ بأفعاله وأسمائه وصفاته يُوجب له القيادة المطلقة والتصرُّف التَّام في هذا الكون؛ خلقًا ورزقًا وإحياء وإماتة وتصرفًا وتدبيرًا، فمن واجب المُوَحِّد أن يُفرد الله بذلك.
والقِسم الثاني: توحيد العبادة:
والمراد به: توحيد الألوهية، وتسميته بذلك واضحة لا تحتاج إلى مزيد تفصيل.
ومِن العلماء مَنْ يُقَسِّم التوحيد إلى قسمين (^١)، فيقول:
القسم الأول: التوحيد القولي:
والمراد به: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وسُمِّي بالقولي؛ لأنه في مقابل توحيد الألوهية الذي يُشَكِّل الجانب العَمَلِي من التوحيد، وأمَّا هذا الجانب فهو مختص بالجانب القولي العِلمي.
القسم الثاني: التوحيد العَمَلي:
والمراد به: توحيد الألوهية، وسُمِّي بالعملي؛ لأنه يشمل كلًّا من عمل القلب وعمل اللسان وعمل الجوارح التي تُشَكِّل بمجموعها جانب العمل من التوحيد، فالتوحيد له جانبان: جانب تَصديقي عِلمي، وجانب انقيادي عملي.
ثانيًا: العبادة هي الحكمة من خلق الجِن والإنس.
فمعلوم أنَّ الحكمة والغاية مِنْ خلق الله ﷿ للجِنَّ والإنس هي
_________________
(١) ممن ذكر ذلك شيخُ الإسلام ابن تيمية. انظر: «مجموع الفتاوى» (١/ ٣٦٧).
[ ٤٢ ]
عبادته وحده ﷻ؛ قال الله ﷿: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦]؛ لذلك بَيَّن لهم عن طريق الرسل والكتب ما يُحبه ويرضاه منهم ليَفعلوه، وما يُبغضه ليَجتنبوه.
ثالثًا: العِبادة هي ما بُعث به الرسل.
ولذلك كان بَعثُ الرسل من أَجْل هذا، قال سبحانه: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ [النحل: ٣٦]، فدعوة الرسل قائمة على تحقيق العبادة لله ﷿ وحده.
رابعًا: العبادة كذلك هي حقُّ الله على العبيد.
كما قال النبي ﷺ لمعاذ: «أتدري ما حقُّ الله على العباد؟ وما حقُّ العباد على الله؟». قال معاذ: اللهُ ورسوله أعلمُ. قال: «حَقُّ الله على العباد: أن يَعبدوه ولا يشركوا به شيئًا» (^١)، فمَن أراد أن يُحَقِّق العبادة عليه أن يقوم بحقِّ الله ﷿ عليه من فِعل الأوامر واجتناب النواهي؛ مخلصًا في ذلك عمله لوجه الله؛ قال جل وعلا: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [البينة: ٥].
خامسًا: العبادة هي الصلة بين العبد وبين الله ﷿.
فعلاقة العبد بربِّه لا تكون إلا من طريق عبادته ﷿، كما جاء في الحديث القدسي: «وما تَقَرَّب إليَّ عبدي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إليَّ مما افترضتُ عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّه» (^٢).
فمحبة الله لعبده لا تحصل إلا بأن يحقق العبد العبادة لله ﷿، وذلك بفعل الفرائضه واجتناب النواهي، والإكثار من النَّوافل.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٨٥٦) ومسلم (٣٠).
(٢) أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة؟.
[ ٤٣ ]
سادسًا: العبادة: هي معنى لا إله إلا الله.
فالإله: هو المعبود، وقيام العبد بحقِّ لا إله إلا الله لا يتأتى إلَّا بإخلاص العبادة لله ﷾ وحده لا شريك له.
سابعًا: العبادة: شَطر الإسلام وأوله وآخره.
فالإنسان لا يدخل الإسلام إلا بعد أن ينطق بالشهادتين؛ (شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله)؛ فلا إله إلا الله، معناها: لا معبود بحقٍّ إلا الله، ومحمد رسول الله معناها لا متبوع في أداء العبادة ولا قُدوة للنَّاس إلا رسول الله ﷺ؛ قال جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
فمن أراد السعادة في الدنيا والآخرة فعليه باقتفاء أثره ﷺ، والعَض على ما جاء به، وأن لا يَعبد اللهَ إلا بما شرع رسولُه ﷺ؛ قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وكذلك من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله وَجَبت له الجنَّةُ، كما جاء في الحديث (^١).
ثامنًا: العبادة ظاهر الدِّين وباطنه.
لأنَّ الدِّين يشمل العبادات الظاهرة والعبادات القلبية الباطنة، وستأتي الإشارة إلى ذلك عند بيان تعريف العبادة؛ وأنها أول الدِّين وآخره وظاهره وباطنه.
تاسعًا: دعوة الرُّسل- كما هو معلوم- تقوم على دعوة الناس للعبادة.
فنوح وغيره من الأنبياء ممن ذكر الله تعالى في القرآن إنما أَمَروا
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٢٠٣٤) وأبو داود (٣١١٦) بلفظ: «دخل الجَنَّة» من حديث معاذ؟، وحسنه الألبانيُّ في «الإرواء» (٦٨٧).
[ ٤٤ ]
أقوامهم بهذا الأمر: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩].
فلذلك حق على كل مسلم أن يَعتني بهذا الأمر حق الاعتناء، وان يهتم به غاية الاهتمام؛ علمًا وعملًا، وكذلك دعوة وتطبيقًا.
ومن هذا الاهتمام: دراستنا لهذه الرسالة العظيمة المباركة التي بَيَّن فيها شيخُ الإسلام ابن تيمية بعض ما يتعلق بأمر العبادة، إذ فِعلها إنما هو تنفيذ لأمر الله ﷾ وتحقيق لمراده من خلقه؛ لذا كانت من أهم ما يُصرف فيه الأوقات، ومن أعظم ما يجاهد من أجله العبد؛ فهمًا وتحقُّقًا وعملًا.
فعلى العبد أن يَعرف قيمة هذا العِلم (علم العقيدة)، وأن لا يَغتر بحال أهل الباطل الذين يُقَلِّلون من أهميته؛ ليوقعوا الناس في الضلالات والبدع.
ومما يجب أن يُعلم: أن الانحراف في هذا الباب- باب العبادة- أعظم من الانحراف في سائر الأبواب؛ فانحراف الناس في باب العبادة أكثر من انحرافهم في باب الأسماء والصفات.
وسبب ذلك- كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀: «لأنَّ الانحراف في أمر العبادة انحراف في أمر الإرادة، أمَّا الانحراف في باب الأسماء والصفات فهو انحراف في باب العِلم، وباب العلم كما هو معلوم قد لا يَناله كثيرٌ من الناس، بينما أمر الإرادة أمر مُشترك؛ حتى البهائم لها إرادة، وبالتالي يقع الانحراف كثيرًا في باب العبادة أكثر من وقوع الانحراف في باب الأسماء والصفات، وعلى هذا فالبدع في باب العبادة أكثر من البِدع في باب الأسماء والصفات، وهذا أمرٌ ملموس مشاهد؛ فمن يتأمل أحوال الناس يجد أن عندهم من الانحرافات في باب توحيد العِبادة ما هو أعظم
[ ٤٥ ]
من الانحرافات في باب الأسماء والصفات، وأنواع البدع تشهد بذلك.
فعلى العبد أن يحقق العبادة؛ التي هي غاية الأمور المحبوبة لله ﷾، والتي مِنْ أجلها خَلَقَ الخَلْقَ، وبها أرسل الرسل، وأَنزل الكتب، حتى إن أول أمر نزل في القرآن هو قوله ﷾ في سورة البقرة: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ [البقرة: ٢١].
فإذا كانت العبادة بهذه المنزلة- فعلينا أن نحذر ممن يعمل على إسقاطها، أو مَنْ يُقلل من شأنها، وأن نعمل جاهدين لتحقيق العبادة على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه، وأن نسعى كذلك في تعليمها للناس، وفي غرسها في نفوسنا ونفوس أبنائنا ونفوس طُلَّابنا؛ فهي مسئولية عظمى.
وعلى المسلم أن يُرَتِّب طريقةَ تعليمه للمسلمين على أولويات الدين، إذ هناك مَنْ يسعى لترتيب مسائل وأبواب الاعتقاد بترتيب منكوس؛ فيأتي بمسائل هي من لواحق أمور العقيدة ويجعلها أساسًا، ويأتي بمسائل- مثلًا- في الأسماء والأحكام ويُقَدِّمها على مسائل التوحيد، فليس هذا من الحق في شيء، فأوليَّات وأولويات هذا الدِّين مرتبة، كما نبَّه النبيُّ ﷺ معاذًا على ذلك؛ فعن ابن عبَّاس ﵄: «أنَّ رسول الله ﷺ لمَّا بعث معاذًا؟ على اليَمن، قال: «إنَّك تَقْدُمُ على قومٍ أهل كتاب؛ فَلْيَكُن أولَّ ما تَدعوهم إليه: عبادة الله، فإذا عَرفوا الله، فأخبرهم أنَّ الله قد فَرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فَعلوا، فأخبرهم أنَّ اللهَ فرض عليهم زكاة من أموالهم وتُرد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها، فَخُذ منهم وتَوَقَّ
[ ٤٦ ]
كرائمَ أموال الناس» (^١).
وأيضًا هذا المقام- مقام العِبادة- مَقام عظيم، وهو شَرف لمن حَقَّقه وانتسب إليه؛ فهو شرفٌ لملائكة الله تعالى المُقربين الذين لهم من المنزلة ما ذكر الله ﷾ من أوصافهم؛ فقال: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠، ١٩].
فمع ما وضع اللهُ فيهم مِنْ عِظم الخلق، وما جعل لهم من المنزلة، إلا أنَّهم لا يستكبرون عن عبادته ﷾!
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٤٥٨) ومسلم (١٩).
[ ٤٧ ]