قال المصنف ﵀: «ولما كَانَ الكِبْرُ مُستلزمًا للشرك، والشرك ضد الإِسْلَام، وهُو الذَّنب الَّذِي لَا يَغفره الله؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ الله لَا يغْفر أَنْ يُشْرك بِهِ ويغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء ومن يُشْرك بِاللَّه فقد افترى إِثْمًا عَظِيما﴾ [النِّسَاء: ٤٨]، وقَالَ: ﴿إِنْ الله لَا يَغْفر أَنْ يُشْرك بِهِ ويغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء ومن يُشْرك بِاللَّه فقد ضل ضلالًا بَعيدًا﴾ [النِّسَاء: ١١٦]- كَانَ الأَنْبِيَاء جَمِيعهم مَبعوثين بدين الإِسْلَام، فَهُو الدَّين الَّذِي لَا يَقبل الله غَيره، لَا من الأَولين ولَا من الآخرين؛ قَالَ نوح: ﴿فَإِنْ توليتم فَمَا سألتكم من أجر إِنْ أجري إِلَّا على الله وأمرت أَنْ أكون من المُسلمين﴾ [يُونُس: ٧٢]، وقَالَ فِي حقِّ إِبْرَاهِيم: ﴿ومن يرغب عَنْ مِلَّة إِبْرَاهِيم إِلَّا من سفه نَفسه ولَقَد اصطفيناه فِي الدُّنْيَا وإنَّهُ فِي الآخِرَة لمن الصَّالِحين * إِذْ قَالَ لَهُ ربه أسلم قَالَ أسلمت لرب العَالمين﴾ .. إِلَى قَوْله: ﴿فَلَا تموتن إِلَّا وأَنْتُم مُسلمُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٣٠ - ١٣٢]، وقَالَ يُوسُف: ﴿توفني مُسلمًا وألحقني بالصَّالحين﴾ [يُوسُف: ١٠١]، وقَالَ مُوسَى: ﴿يَا قوم إِنْ كُنْتُم آمنتم بِاللَّه فَعَلَيهِ توكلوا إِنْ كُنْتُم مُسلمين * فَقَالُوا على الله توكلنا﴾ [يُونُس: ٨٤، ٨٥]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أنزلنَا التَّوْرَاة فِيهَا هدى ونور يحكم بهَا النَّبِيُّونَ الَّذين أَسْلمُوا للَّذين هادوا﴾ [المَائِدَة: ٤٤]، وقَالَت بلقيس: ﴿رب إِنِّي ظلمت نَفسِي وأسْلمت مَعَ سُلَيْمَان لله رب العَالمين﴾ [النَّمْل: ٤٤]، وقَالَ: ﴿وإِذ أوحيت إِلَى الحواريين أَنْ آمنُوا بِي وبرسولي قَالُوا آمنا واشهد بأننا مُسلمُونَ﴾ [المَائِدَة: ١١١]، وقَالَ: ﴿إِنْ الدَّين عِنْد الله الإِسْلَام﴾ [آل عمرَان: ١٩]، وقَالَ: ﴿ومن يَبتغ غير الإِسْلَام
[ ٣٠٩ ]
دينا فَلَنْ يُقبل مِنْهُ﴾ [آل عمرَان: ٨٥]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿أفغير دين الله يَبْغُونَ وله أسلم من فِي السَّمَاوات والأَرْض طَوْعًا وكرهًا﴾ [آل عمرَان: ٨٣]، فَذكر إِسْلَام الكائنات طَوْعًا وكرها؛ لِأَن المَخْلُوقَات جَمِيعهَا متعبدة لَهُ التَّعَبُّد العَام؛ سَواء أقرَّ المقرُّ بذلك أَوْ أنكرهُ، وهم مدينون لَهُ مُدبرون، فهم مُسلمُونَ لَهُ طَوْعًا وكرهًا، لَيْسَ لأحد من المَخْلُوقَات خُرُوج عَمَّا شاءه وقَدَّره وقضاه، ولَا حول ولَا قُوة إِلَّا بِهِ، وهُو رب العَالمين ومَلِيكهم؛ يُصَرِّفهم كَيفَ يَشَاء، وهُو خالقهم كلهم وبارئهم ومصورهم، وكل مَا سواهُ فَهُو مربوب مَصْنُوع مفطور فَقير مُحْتَاج معبَّد مقهور، وهُو سُبْحَانَهُ الواحِد القهَّار، الخَالِق البارئ المصور».
مما لا شكَّ فيه أن المقصود من إثبات ربوبيته- سبحانه- لخلقه وانفراده بذلك: هو الاستدلال به على وجوب عبادته وحده لا شريك له؛ الذي هو توحيد الألوهية، فلو أن الإنسان أقر بتوحيد الربوبية ولم يقر بتوحيد الألوهية أو لم يَقم به على الوجه الصحيح؛ لم يكن مسلمًا، ولا موحدًا؛ بل يكون كافرًا جاحدًا.
ومعنى ذلك: أنَّ من أَقَرَّ بتوحيد الربوبية لله، فاعترف بأنه لا خالق ولا رازق ولا مدبر للكون إلا الله ﷿ لزمه أن يُقر بأنه لا يستحق العبادة بجميع أنواعها إلا الله سبحانه، وهذا هو توحيد الألوهية، فإن الألوهية هي العبادة، فتوحيدُ الربوبية دليلٌ لوجوب توحيد الألوهية؛ ولهذا كثيرًا ما يحتجُّ الله- سبحانه- على المنكرين لتوحيد الألوهية بما أقروا به من توحيد الربوبية؛ مثل قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون * الذي جعل لكم الأرض فراشًا والسماء بناءً وأنزل من السماء
[ ٣١٠ ]
ماءً فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون﴾. [البقرة: ٢١، ٢٢].
فأمرهم بتوحيد الألوهية، وهو عبادتهُ، واحتَجَّ عليهم بتوحيد الرُّبوبية الذي هو خلقُ الناس الأَوَّلين والآخرين، وخلقُ السماءِ والأرضِ وما فيهما، وتسخير الرياح وإنزالُ المطر، وإنباتُ النبات، وإخراج الثمرات التي هي رزق العباد؛ فلا يليق بهم أن يُشركوا معه غيره؛ ممن يعلمون أنه لم يفعل شيئًا من ذلك، ولا من غيره، فالطريق الفطري لإثبات توحيد الألوهية: الاستدلال عليه بتوحيد الربوبية، فإن الإنسان يتعلق- أولًا- بمصدر خَلقه، ومنشأ نفعه وضره؛ ثم ينتقل بعد ذلك إلى الوسائل التي تقربه إليه، وتُرضيه عنه، وتُوثق الصلة بينه وبينه، فتوحيد الربوبية بابٌ لتوحيد الألوهية؛ من أجل ذلك احتج الله على المشركين بهذه الطريقة، وأمر رسَوله أن يحتج بها عليهم، فقال تعالى: ﴿قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل أفلا تذكرون * قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم * سيقولون لله قل أفلا تتقون * قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل فأنى تسحرون﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩]، وقال تعالى: ﴿ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه﴾ [الأنعام: ١٠٢]؛ فقد احتج بتفرده بالربوبية على استحقاقه للعبادة، وتوحيد الألوهية (العبادة): هو الذي خلق الخلق من أجله؛ قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦].
وهذا كثيرٌ في القرآن، فمن زعمَ أنَّ التوحيدَ هُو الإقرارُ بوجود الله، أو الإقرار بأن الله هو الخالق المتصرف في الكون، واقتصر
[ ٣١١ ]
على هذا النوع؛ لم يكُن عارفًا لحقيقة التوحيد الذي دعَتْ إليه الرسلُ؛ لأنَّهُ وقفَ عندَ الملزوم وترك اللازم، أو وقف عند الدليل وترك المدلول عليه.
ومن خصائص الألوهية: الكمالُ المطلقُ من جميع الوجوه؛ الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها لها وحده، والتعظيم والإجلال، والخشية والدعاء، والرجاء، والإنابة، والتوكل والاستغاثة، وغاية الذلِّ مع غاية الحب، كل ذلك يجب عقلًا وشرعًا وفطرةً أن يكون لله وحده، ويمتنع عقلًا وشرعًا وفطرةً أن يكون لغيره (^١).
* * *
_________________
(١) انظر: «عقيدة التوحيد وبيان ما يضادها» لصالح لفوزان (ص ٣١ - ٣٣).
[ ٣١٢ ]