عَرَّف المصنفُ العبادةَ فقال: «هي اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يُحبه الله ويرضاه».
فالعبادة اسم جنس؛ لذلك قال: (اسمٌ جامع).
وقوله: (لما يحبه الله ويرضاه): قيد للعبادة، وهو أن تكون ما يحبه الله ويرضاه، وهو كل ما أمر به؛ إمَّا أمر وجوب أو أمر استحباب، إذ الأوامر إمَّا فعلية وإمَّا تركية.
وهنا يجدر التنبيه إلى أمورٍ؛ وهي:
الأمر الأول: أنَّ جمهور الأُصوليين قَسَّموا الأحكام الشرعية التكليفية إلى خمسة، وهي:
١ الواجب وهو: ما يُثاب فاعله، ويُعاقب تاركه.
٢ المستحب وهو: ما يثاب فاعله، ولا يعاقب تاركه.
٣ المحرم وهو: ما يثاب تاركه ويعاقب فاعله.
٤ المكروه وهو: ما يثاب تاركه ولا يعقب فاعله.
٥ - المباح وهو: كل أمر لا يتعلق به شيء، إلا إذا تحولت هذه المباحات إلى طاعات بالنية الصَّالحة.
وقد زاد عليها إمامُ الحرمين الجويني (الصَّحيح والباطل).
وقد عرَّف الصَّحيح بقوله: ما يتعلق به النفوذ ويُعتد به.
[ ١١ ]
وأمَّا الباطل عنده فهو ما لا يتعلق به النفوذ ولا يعتد به (^١).
غير أنه في «البرهان» تَابَعَ جمهور الأُصوليين في أنَّ الأحكام الشرعية التكليفية خمسة (^٢)، وكثير من الأصوليين يجعلون الصِّحَّة والبُطلان من أقسام الحُكم الوضعي (^٣).
ورأي الجمهور هو الغالب في هذا التقسيم؛ يقول مجد الدين ابن تيمية في «المسودة»: «اتَّفق الفقهاء والمتكلمون على أنَّ أحكام الشرع تنقسم إلى: واجب، ومندوب، ومحرم، ومكروه، ومباح» (^٤).
فهذه الأحكام التكليفية الخمسة تنطبق على الأمور الفِعلية والأمور التَّركية.
الأمر الثاني: أن الأعمال تنقسم إلى:
١ أعمال القلب.
٢ أعمال اللسان.
٣ أعمال الجوارح.
وأعمال القلب منها ما هو واجب؛ مثل: الإخلاص. ومنها ما هو محرم؛ مثل: الكِبر والحَسد. ومنها ما هو مُستحب. ومنها ما هو مَكروه. ومنها ما هو مباح.
وهكذا بالنسبة للسان. وكذلك بالنسبة للجوارح.
_________________
(١) انظر: «متن الورقات» (ص ٨).
(٢) انظر «البرهان في أصول الفقه» للجويني (١/ ١٠٦).
(٣) انظر «النصح المبذول لقُرَّاء سُلَّم الوصول» لمحمد بن عبد الرحمن الديسي، تحقيق: محمد شايب شريف (ص ٣٩، ٤٠).
(٤) «المسودة في أصول الفقه» (ص ٦٥)، ويُنظر: باب الحكم الشرعي في كتب أصول الفقه.
[ ١٢ ]
فالعبودية شاملة لجميع البدن؛ ظاهره وباطنه، وكل جارحة من البدن مطالبة بعبودية الله ﷿.
الأمر الثالث: حقيقة العبادة: هي كمال الذُّلِّ مع كمال المحبة لله ﷿، ونهاية الخضوع والانقياد والاستسلام والتواضع والخوف والخشية والإنابة والرجاء والإذعان لله وحده لا شريكَ له في شيءٍ من ذلك البتة، إذ هو المستحقُّ للعبادة وحده دون ما سواه.
قال شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀: «والعبادة تجمع كمال المحبة وكمال الذُّلِّ؛ فالعابد محبٌّ خاضع، بخلاف مَنْ يحب مَنْ لا يخضع له، بل يحبه ليتوسل به إلى محبوب آخر، وبخلاف مَنْ يخضع لمن لا يحبه كما يخضع للظالم؛ فإنَّ كلًّا مِنْ هذين ليس عبادة محضة» (^١).
وقال ابن القيم ﵀: «والعبودية مَدَارها على قاعدتين هما أصلها: حُبٌّ كاملٌ وذُلٌّ تامٌّ، ومنشأ هذين الأصلين … هما مُشاهدة المِنَّة التي تُورث المحبة ومطالعة عيب النَّفس والعمل التي تورث الذل التَّام، وإذا كان العبد قد بَنى سلوكه إلى الله تعالى على هذين الأصلين لم يَظفر عدوه به إلا على غِرَّة وغِيلة، وما أسرع ما يُنعشه الله ﷿ ويجبره ويتداركه برحمته» (^٢).
الأمر الرابع: مفهوم العبادة في الإسلام:
من خلال تعريف شيخ الإسلام للعبادة يظهر أن مفهوم العبادة أعم وأشمل من أن تَنحصر في عبادات ظاهرية فقط، وإن كانت جليلة عظيمة، بل مفهوم العبادة شامل لجميع الأقوال والأفعال التي يقوم بها العبد انطلاقًا من محبته ورجائه وخوفه من الله، وبشرط ان
_________________
(١) «قاعدة في المحبة» لابن تيمية (ص ٩٨).
(٢) «الوابل الصَّيِّب من الكلم الطيب» لابن القيم (ص ٨).
[ ١٣ ]
تكون وفق مراد الله، كما قال- جل وعلا- آمرًا نبيَّه ﷺ أن يُقَرِّر هذا للناس، فقال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي ونُسُكِي ومَحْيَاي: ومَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأَنَا أَولُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣].
بل إنَّ الإسلام قد أسبغ على جميع أعمال الإنسان صفة العبادة إذا قصد بهذه الأعمال وجه الله ومرضاته، وقام بها على الوجه المشروع الموافق للسنة، وكانت في سبيل تحقيق أهدافها المقصودة المشروعة؛ فالمزارع والصانع والتاجر وغيرهم من أصحاب الأعمال تُعتَبر أعمالهم عبادة إذا قَصَدَ بها كلٌّ منهم نفعَ عباد الله والاستغناء عن الحاجة إلى الناس وإعالة العيال؛ تحقيقًا لأمر الله ﷾ (^١).
وعلى هذا فكلُّ ما أُمر به شرعًا؛ سواءً كان من الشعائر أو من سائر أحوال الناس وعاداتهم إذا ابتغى به فاعلُه الأجر من الله ﷿ فهو عبادة؛ سواء رتَّب الشارع عليه جزاءً مُحدَّدًا أو أتى الأمر به مُطلقًا دون تحديد جزاء، وهذا مِنْ فضل الله ورحمته بعباده؛ فمثال ما رُتِّب على فِعله جزاء ويحصل للمسلم هذا الجزاء إذا كان إنَّما فعله لله: ما روى أبو هريرة؟ قال: قال رسول الله ﷺ: «كُلُّ سُلَامَى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تَمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة» (^٢).
فاشتمل الحديثُ على بعض الآداب، وجعل الشَّارع القيام بها عبادة يُثاب عليها المسلم إذا نَوى أنه إنما قام بها من أجل الله ﷿.
_________________
(١) ينظر: «مدخل لدراسة العقيدة الإسلامية» لعثمان ضميرية (ص ٢٨٥).
(٢) أخرجه البخاري (٥/ ٢٢٦) في الصلح، ومسلم رقم (١٠٠٩) في الزكاة.
[ ١٤ ]
كما أن التحلِّي بالأخلاق يُعتبر عبادةً أيضًا؛ فعن أبي ذر؟ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تَحقرنَّ من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طلق» (^١).
ومثل ما أُمر به شرعًا ولم يُحدَّد على فعله جزاءً معينًا، ويعتبر القيام به عبادة إذا نُوي بها القربة لله ويؤجر عليها، إجابة دعوة المسلم، قال ﵊: «إذا دُعي أحدكم فَلْيُجِب، فإن كان صائمًا فَلْيُصَلِّ، وإن كان مُفطرًا فَلْيَطْعَم» (^٢).
فمن كانت نيته في إجابة الدعوة امتثال أمر الرسول ﷺ وإدخال السُّرور على أخيه المسلم كان فِعله عبادة، أمَّا مَنْ لم تكن له نية في إجابتها فلا يكون قد قام بعبادة.
وهذا ينطبق على كلِّ أمرٍ من شئون الحياة؛ من مأكلٍ ومشربٍ ومَنكحٍ، ونومٍ ويقظةٍ، وسَفرٍ وإقامة، وهكذا؛ فمَن نوى بكلِّ هذه وأمثالها وجه الله فهي عبادةٌ مأجورٌ عليها؛ فتتحول هذه العادات والملذات المباحات إلى طاعات وقربات؛ لذا قال ﷺ: «وفي بُضع أحدكم صدقة». قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدُنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر» (^٣).
فباستغناء العبد واستعفافه بالحلال عن الحرام كان له في فعل الحلال المباح أجر؛ ترغيبًا في الحلال، وتنفيرًا من الحرام؛ فلا رهبانية في الإسلام وكذلك لا تفريط بفعل المحرم، وهذه هي
_________________
(١) أخرجه مسلم رقم (٢٦٢٦) في البر والصلة.
(٢) أخرجه مسلم رقم (١١٥٠) في الصيام، وأبو داود (٢٤٦١) في الصوم، والترمذي (٧٨٠) في الصوم.
(٣) أخرجه مسلم (١٠٠٦) من حديث أبي ذر؟.
[ ١٥ ]
وسطية الإسلام؛ فلم يمنع النفس البشرية من غريزتها ولم يترك لها الحبل على الغارب، وإنما أعطاها ما تشتهي في سياج من الطهر والنقاء والعفاف والميثاق الغليظ.
فالعمل المباح يَنقلب إلى طاعة وقُربة إذا صاحبه نِيَّة طيبة؛ لذا قال معاذ بن جبل؟ لأبي موسى الأشعري: كيف تقرأ القرآن؟ قال: قائمًا وقاعدًا وعلى راحلتي، وأتفوقه تفوقًا (^١). قال أبو موسى: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل؛ فأقومُ وقد قضيت جزئي من النَّوم، فأقرأ ما كَتَب الله لي؛ فأَحتسب نَومتي كما أحتسبُ قَوْمَتِي» (^٢)؛ «فكأنَّ معاذَ بن جبل فَضَلَ عليه» (^٣).
فكان؟ يَحتسب الأجر في النوم كما يحتسبه في قيام الليل؛ لأنَّه أراد بالنَّوم التَّقَوِّي على العبادة والإعانة على الطَّاعة.
قال الحافظُ ابنُ حَجَر: «ومعناه: أنَّه يَطلب الثواب في الرَّاحة كما يَطلبه في التعب؛ لأنَّ الراحة إذا قُصد بها الإعانة على العبادة حَصلت الثواب» (^٤).
وكلَّما كانت النية أشمل كان الأجر أعظم؛ لقول الرسول ﷺ: «إنَّما الأعمال بالنيات، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نَوَى …» الحديث (^٥).
قال عبد الله بن المبارك: «رُبَّ عمل صغير تعظمه النية، وربَّ
_________________
(١) أي: أُلازم قراءته ليلًا ونهارًا شيئًا بعد شيء، ولا أقرأ وِردي دفعة واحدة. مأخوذ من فواق الناقة، وهو أن تُحلب ثم تُترك ساعة حتى يجتمع لبنها ثم تُحلب، وهكذا.
(٢) أخرجه البخاري (٤٣٤١) و(٤٣٤٤).
(٣) أخرج هذه الزيادة عبد الرزاق في «مصنفه» (٥٩٥٩).
(٤) «فتح الباري» لابن حجر (٨/ ٦٢).
(٥) أخرج البخاري (١/ ٧) في بدء الوحي، ومسلم رقم (١٩٠٧) في الأمارة، وأبو داود رقم (٢٢٠١) في الطلاق، والترمذي رقم (١٦٤٧) في فضائل الجهاد، والنسائي (١/ ٥٩) في الطهارة.
[ ١٦ ]
عمل كبير تُصغِّره النية» (^١).
أمَّا مَنْ لم ينوِ شيئًا فأعماله عادية لا أجر فيها؛ لذا تَبَايَنَ الناسُ في ذلك تباينًا عظيمًا، فمِن الناس مَنْ كلُّ عاداته وأفعاله عبادة لله؛ لأنه- دائمًا- مُستحضرٌ لِنِيَّتِه، قاصد بعمله وجه الله، بينما بعض الناس قد تكون كلُّ عباداته حتى (الشَّعائر الظَّاهرة) أو بعضها عادات، وذلك لخلوِّ قلبه مِنْ نِيَّة التقرُّب إلى الله ﷿.
الأمر الخامس: أن الأعمال تتفاوت في المرتبة والأفضلية:
فأعمال الطاعة تختلف محبة إلى الله وأجرًا، وكذلك المعاصي تتفاوت بغضًا إلى الله ووزرًا.
فالعبادات أنواع لها مميزات وخصائص تختلف بها عن غيرها؛ لمقاصد عظيمة؛ وحِكَم جليلة، تتجلى فيها عظمة هذه الشريعة، وكرم المُشَرِّع ﷾؛ وكما أنه سبحانه خلق المخلوقات وفَاضَلَ بينها بما يُحقق المصلحة العظيمة؛ قال تعالى: ﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل: ٧١]- كذلك فَاضَلَ بين العبادات، وجعل مراتبها ودرجاتها مختلفة.
وقد وردت أدلة بَيِّنَّة في السنة النبوية تدل على تفاضل العبادات وتمايزها، ومن ذلك:
ما رواه معاذ بن جبل؟ أن النبي ﷺ قال له: «ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جُنَّة، والصَّدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل». قال: ثم تلا ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ [السجدة: ١٦]، حتى بلغ ﴿يعملون﴾ [السجدة: ١٧]. ثم
_________________
(١) أورده عنه الحافظ ابنُ رجب في «جامع العلوم والحكم» (ص ٦٩).
[ ١٧ ]
قال: «ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده، وذروة سنامه»؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد» (^١).
وكما جاء في حديث أبي هريرة؟ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «الإيمان بِضع وسبعون- أو- بِضع وسِتُّون- شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شُعبة من الإيمان» (^٢).
وعن أبي هريرة؟ أن رسول الله ﷺ سئل: أيُّ العمل أفضل؟ فقال: «إيمان بالله ورسوله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «حَجٌّ مَبرور» (^٣).
وعن ابن مسعود؟: أنَّ رجلًا سأل النبي ﷺ: أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: «الصلاة لوقتها، وبر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله» (^٤).
فهذه الأحاديث ونحوها تُدَلِّل على أن هناك تفاضلًا بين العبادات، وأن بعضها أفضل من بعض، ويظهر من خلال التأمل فيها- أنها أجوبة مختلفة لسؤال واحد، وقد أجاب العلماء على هذا الاستشكال بأجوبة، نختار منها قول الحافظ ابن حَجَر في «شرحه للجامع الصَّحيح» حيث قال: «ومحصل ما أجاب به العلماء عن هذا الحديث وغيره مما اختلفت فيه الأجوبة بأنه أفضل الأعمال.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٢٠١٦)، والترمذي (٢٦١٦) وابن ماجه (٣٩٧٣)، وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٣٢٠٩).
(٢) أخرجه مسلم (٣٥).
(٣) أخرجه البخاري (٢٦) ومسلم (٨٣).
(٤) أخرجه البخاري (٧٥٣٤) ومسلم (٨٥).
[ ١٨ ]
١ - أنَّ الجواب اختلف لاختلاف أحوال السائلين؛ بأنَّه أَعْلَم كلَّ قوم بما يحتاجون إليه، أو بما لهم فيه رغبة، أو بما هو لائق بهم.
٢ - أو كان الاختلاف باختلاف الأوقات؛ بأن يكون العمل في ذلك الوقت أفضل منه في غيره، فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال؛ لأنَّه الوسيلة إلى القيام بها، والتَّمَكُّن من أدائها، وقد تضافرت النصوص على أنَّ الصلاة أفضل من الصدقة، ومع ذلك ففي وقت مُواساة المضطر تكون الصدقة أفضل.
٣ - أو أنَّ (أفضل) ليست على بابها، بل المراد بها الفضل المُطلق.
٤ - أو المراد (مِنْ أفضل الأعمال)؛ فحُذفت «مِنْ»، وهي مرادة» (^١).
وقد ظهر هنا من أجوبة الحافظ ابن حجر بعض أوجه التفاضل بين العبادات؛ ومن ذلك:
١ - التفاضل بين العبادات وحصرها من حيث العبادة ومن حيث العابد:
فمن خلال ما تقدم تبين أن وجوه التفاضل بين العبادات يمكن حصرها في مسألتين أساسيتين، وهما:
المسألة الأولى: العبادة ذاتها.
والمسألة الثانية: العابد.
وتفصيل ذلك: أنَّ تفاضل العبادات ذاتها يكون من خلال وجوه
_________________
(١) «فتح الباري» لابن حجر (٢/ ٩).
[ ١٩ ]
عدة:
أولًا: تفاضل العبادة من حيث الوجوب والاستحباب، كما في الحديث القدسي: «ما تَقَرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ مما افترضته عليه» (^١).
والحديث فيه دلالة واضحة على أن الفرائض أفضل الأعمال؛ لكونها أحب إلى الله، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في «شرحه للصَّحيح» نقولًا للعلماء تبيّن فيها وجوه فضل الفرائض على النَّوافل، وخلاصته: أن الفرائض أمرها محتوم، أما النوافل فهي على سبيل الترغيب والاستحباب (^٢).
ثانيًا: التفاضل من حيث التحديد الزماني، كما في الحديث: «إنَّ عُمرة في رمضان تَعدل حَجَّة معي» (^٣)، قال الحافظ ابن حجر ﵀: «فالحاصل أنَّه أعلمها أن العمرة في رمضان تَعدل الحَجَّة في الثواب، لا أنَّها تقوم مقامها في إسقاط الفرض؛ للإجماع على أن الاعتمار لا يُجزئ عن حج الفرض» (^٤)، والحديث دليل على التفضيل في زمن خاص.
ومن ذلك تفاضل الصدقات، كما في الحديث: «أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أيُّ الصدقة أعظم أجرًا؟ قال: «أن تَصَدَّق وأنت صحيح شحيحٌ تَخشى الفقر وتأمُل الغِنى، ولا تُمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة؟.
(٢) «فتح الباري» لابن حجر (١١/ ٣٤٣).
(٣) أخرجه البخاري (١٨٦٣) ومسلم (١٢٥٦) من حديث ابن عباس ﵄.
(٤) «فتح الباري» (٣/ ٦٠٤).
[ ٢٠ ]
كان لفلان» (^١).
ثالثًا: تفاضلها من حيث التحديد المكاني، كما في الحديث: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» (^٢).
ففي الحديث تصريح من النبي ﷺ أنَّ الصلاة في هذين المكانين أفضل من الصلاة في غيرهما من المساجد، إلى غيرها من وجوه التفاضل في العبادات الأخرى.
ومن ذلك تفاضل الصَّلاة بحسب الاجتماع والانفراد، كما في الحديث: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذِّ بسبع وعشرين درجة» (^٣).
ومن ذلك التفاضل بحسب التفاوت في مقدار الخُطى إلى المساجد، كما في الحديث: «إنَّ أعظم الناس أجرًا أبعدهم إليها ممْشَى فأبعدهم» (^٤).
والمسألة الثانية: التفاضل بين العبادات من حيث العابد:
من عظيم حكمة الله أن جعل أبواب الرزق متنوعة ومتعددة؛ لتكتمل للناس أمور معاشهم، إذ حاجات الناس متنوعة ومتعددة تتكامل بها دورة حياتهم، والنَّاس بين مَنْ يجيد مهنة أو عددًا من المهن تُدر عليه دخلًا يعيش من ورائه ويدخر منه بحسب ما يدر عليه من مال، وهذه الأمور يعرفها كل الناس، وهي من البديهيات لديهم. ولكن الذي قد لا يعرفه بعض الناس: أن هناك صورة مشابهة لهذه
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٤١٩) ومسلم (١٠٣٢) من حديث أبي هريرة؟.
(٢) أخرجه البخاري (١١٩٠) ومسلم (١٣٩٤) واللفظ له، من حديث أبي هريرة؟.
(٣) أخرجه البخاري (٦٤٥) ومسلم (٦٥٠) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
(٤) أخرجه مسلم (٦٦٢) من حديث أبي هريرة؟.
[ ٢١ ]
الصورة ولكن في أبواب الطاعات، ولعل قصة الإمام مالك مع العُمَري العابد تَصلح كمدخل يُقَرِّب تلك الصورة، فقد كتب عبد الله بن عبد العزيز العُمَري العابد إلى الإمام مالك يحضُّه على الانفراد والعمل، ويَرغب به عن الاجتماع إليه في العِلم؛ فكتب إليه مالك: «إنَّ الله ﷿ قَسم الأعمال كما قسم الأرزاق؛ فَرُبَّ رجل فُتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فُتح له في الصدقة ولم يُفتح له في الصيام، وآخر فتح له في الجهاد ولم يفتح له في الصلاة. ونَشر العلم وتعليمه من أفضل أعمال البر وقد رضيتُ بما فَتح الله لي فيه من ذلك، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كِلانا على خير، ويجب على كلِّ واحدٍ مِنَّا أن يَرضى بما قُسِم له، والسَّلام» (^١).
فهذا الرد على اختصاره إلا أنه أشار إلى مسألة مهمة يجب على المسلم استيعابها، وهي أن العِباد في نوافل الطاعات يتفاوتون فيما يَفتح الله عليهم من تلك النوافل؛ فمِن الناس مَنْ تراه يُكثر من صيام التطوع في مقابل أن غيره لا يزيد على صوم الفريضة ولو صام يومًا تطوعًا لوجد مشقة كبيرة في ذلك، ومن الناس مَنْ يُكثر من نوافل الصلوات والأذكار، لكنه في باب الصدقة لا يزيد على أداء فريضة الزكاة، وهناك مَنْ تجده في الأخلاق لا يُجاريه أحد، لكنه في غير ذلك من النوافل لا يُرى له مزيد عمل، ومصداق ذلك في قول النبي ﷺ: «اعملوا فكل مُيَسَّر لما خُلِق له» (^٢)، وقد يفتح لبعض الناس أكثر من باب، وهناك مَنْ تتعدد عنده الأبواب المتنوعة
_________________
(١) «التمهيد» لابن عبد البر (٧/ ١٨٥)، ونقلها عنه الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (٨/ ١١٤).
(٢) أخرجه البخاري (٤٩٤٩) ومسلم (٢٦٤٧) من حديث علي بن أبي طالب؟.
[ ٢٢ ]
من الطاعات، ولو استعرضنا ما ورد في السُّنَّة النبوية في هذا الجانب لوجدنا أمثلة كثيرة تشير لذلك ومنها ما وقع لأبي بكر؟ لما جاء من حديث أبي هريرة؟ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خيرٌ؛ فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الرَّيَّان، ومَن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة». فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما على من دُعي من تلك الأبواب من ضرورة؛ فهل يُدعى أحدٌ من تلك الأبواب كلها؟! قال: «نعم! وأرجو أن تكون منهم» (^١).
وكما أنَّ الناس في أبواب الرزق على ثلاثة أقسام؛ فمنهم مَنْ هو مرتفع الدَّخل، ومنهم مَنْ هو متوسط الدخل، ومنهم مَنْ هو منخفض الدخل- فكذلك الشأن في الطاعات، فالله ﷿ يقول: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ومِنْهُمْ سَابِقٌ بِالخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢].
ويجب على كلِّ إنسان أن ينظر في نفسه؛ ليعرف ما فُتح له من أبواب الطَّاعة؛ فيلزمه ويحافظ عليه ويزداد منه، وعليه ألَّا يشق على نفسه في ميادين ليست متوائمة مع ما خَصَّه الله به من خصال الخير، كما يجب عليه أن ينظر للغير بنظرةٍ من جنس نظرة الإمام مالك للعمري العابد؛ حيث قال له: «وأرجو أن يكون كِلانا على خير»، فالنظرة الإيجابية للناس مطلوبة باعتبار أن ما وُفِّقُوا له من الخير هو بابٌ فُتِح لهم من الله، يُرجى أن يكون سببًا لدخولهم الجَنَّة.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٨٩٧) ومسلم (١٠٢٧) من حديث أبي هريرة؟.
[ ٢٣ ]
ووجود بعض جوانب التقصير في بعض النَّاس لا يَعني انعدام الخير لديهم بالكلية؛ فقد يكون لديهم جوانب خفية من الخير؛ ومن الشواهد على ذلك: ما جاء عن عمر بن الخطاب؟ «أن رجلًا كان على عهد النبي ﷺ، وكان اسمه عبد الله، وكان يُلَقَّب حمارًا، وكان يُضحك رسول الله ﷺ، وكان النبي ﷺ قد جلده في الشَّرَاب، فأتي به يومًا فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم الْعَنْهُ، ما أكثرَ ما يُؤتى به! فقال النبي ﷺ: «لا تلعنوه، فوالله ما علمتُ إنَّه يحب الله ورسوله» (^١).
فهذه القصة يُستفاد منها أن المتعين علينا أن لا نُقَيِّم الناس من منظور واحد، فكم نقع في مجالسنا في أعراض أناس وننتقص من تدينهم ونذمهم، وقد يكون لهم من الأعمال التي تُقَرِّبهم إلى الله ونحن لا نعلم، فواجب على الناس أن يكون لديهم فقه في هذه الجوانب؛ لأنَّها توجد لديهم بعض التوازن في نظرتهم ومعاملتهم لمن حولهم، فالنصوص الشرعية تؤكد على أن لكل شخص ما يناسبه من الطاعات، كما أنَّ لكل وقت ما يُناسبه من الطاعات، وهم في ذلك بين ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات، وما علينا إلا أن نذكر لكل شخص ما يُحمد له من خصال الخير، وأن ندعو لمن نرى عليه تقصيرًا بالصَّلاح والفلاح والتوفيق لما يحبه الله ويرضاه.
وفي مقابل تفاضل الطاعات جاءت أحاديث عديدة في السُّنَّة بَيَّنت أنَّ الذنوب- كذلك- أنواع ومراتب، فعن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ: «أَلَا أُنبئكم بأكبر الكبائر؟». قلنا: بلى يا رسول الله. قال- ثلاثًا-: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين»، وكان متكئًا
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٧٨٠) من حديث عمر بن الخطاب؟.
[ ٢٤ ]
فجلس، فقال: «أَلَا وقَول الزُّور وشهادة الزور، ألا وقول الزور وشهادة الزور» (^١)، وعن عبد الله بن مسعود؟ قال: قلت يا رسول الله: أيُّ الذَّنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًّا وهو خَلَقَكَ!». قلت: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك». قال: ثم أي؟ قال: «أن تُزاني حليلةَ جارك»، وأنزل الله تصديق قول النبي ﷺ: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر﴾ [الفرقان: ٦٨] الآية» (^٢).
تفاوت أفهام الناس في أفضل العبادات وأنفعها، وأحقها بالإيثار والتخصص:
انقسم الناس في ذلك إلى أربعة أصناف:
الصنف الأول: يرون أنَّ أنفع العبادات وأفضلها هي أشقها على النفوس وأصعبها. وهؤلاء: هم أهل المجاهَدات والجَوْر على النفوس. قالوا: لأنه أبعد الأشياء عن هواها، وهذا هو حقيقة التعبد.
قالوا: والأجر على قدر المشقة، ورووا حديثًا لا أصل له: «أفضل الأعمال أحمزها» (^٣)، أي: أصعبها وأشقها، وقالوا: وإنما تستقيم النفوس بذلك، إذ طبعها الكسل والمهانة، والإخلاد إلى الأرض، فلا تستقيم إلا بركوب الأهوال وتحمل المشاق.
الصنف الثاني: قالوا: أفضل العبادات التجرد والزهد في الدنيا، والتقلُّل منها غاية الإمكان، واطراح الاهتمام بها، وعدم الاكتراث بكلِّ ما هو منها.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٩٧٦) ومسلم (٨٧).
(٢) أخرجه البخاري (٦٠٠١) ومسلم (٨٦).
(٣) قال السخاوي في «المقاصد الحسنة» (ص ١٣٠): «قال المزي: هو من غرائب الأحاديث، ولم يُرو في شيء من الكتب الستة».
[ ٢٥ ]
ثم هؤلاء قسمان:
فعوامُّهم ظنُّوا أن هذا غاية، فشَمَّروا إليه وعملوا عليه، ودعوا الناس إليه، وقالوا: هو أفضل من درجة العِلم والعبادة، فرأوا الزهد في الدنيا غاية كل عبادة ورأسها.
وخواصُّهم رأوا هذا مقصودًا لغيره، وأن المقصود به عُكُوف القلب على الله، وجمع الهِمَّة عليه، وتفريغ القلب لِمَحَبَّته، والإنابة إليه، والتوكل عليه، والاشتغال بمرضاته، فرأوا أنَّ أفضل العبادات في الجمعيَّة على الله، ودَوَام ذِكره بالقلب واللسان، والاشتغال بمراقبته، دون كل ما فيه تفريق للقلب وتشتيت له.
ثم هؤلاء قسمان:
فالعارفون المُتَّبعون منهم إذا جاء الأمرُ والنهيُ بادروا إليه ولو فَرَّقهم وأذهب جَمعيتهم.
والمُنحرفون منهم يقولون: المقصود من العبادة جمعية القلب على الله، فإذا جاء ما يُفَرِّقه عن الله لم يُلتفت إليه، وربما يقول قائلهم:
يُطالَبُ بالأورادِ مَنْ كان غافلًا … فكيف بقلبٍ كلُّ أوقاته وِرد
ثم هؤلاء- أيضًا- قسمان:
منهم مَنْ يترك الواجبات والفرائض لجمعيته.
ومنهم مَنْ يقوم بها، ويَترك السُّننَ والنوافلَ وتَعَلُّمَ العلم النافع لجمعيته.
الصنف الثالث: رأوا أن أنفع العبادات وأفضلها: ما كان فيه نَفع مُتَعَدٍّ، فرأوه أفضل مِنْ ذي النفع القاصر، فرأوا خِدمة الفقراء، والاشتغال بمصالح الناس وقضاء حوائجهم، ومساعدتهم بالمال والجاه والنَّفع أفضل؛ فتَصدوا له وعملوا عليه.
[ ٢٦ ]
واحتجوا بقول النبي ﷺ «الخلقُ كلهم عِيالُ الله، وأحبهم إليه أنفعهم لعياله» (^١).
واحتجوا بأنَّ عملَ العابد قاصرٌ على نفسه، وعمل النَّفَّاع مُتَعَدٍّ إلى الغير، وأين أحدهما من الآخر؟
قالوا: ولهذا كان فَضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب.
قالوا: وقد قال رسولُ الله ﷺ لعليِّ بن أبي طالب؟: «لِأَنْ يَهدي اللهُ بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حُمر النَّعَم» (^٢).
وهذا التفضيلُ إنَّما هو للنفع المُتعدِّي، واحتجوا بقوله ﷺ «مَنْ دعا إلى هدى كان له مِنْ الأجر مثل أُجور من تَبِعه، لا يَنقص ذلك من أجورهم شيئًا» (^٣)، واحتجوا بقوله ﷺ: «إنَّ الله وملائكته وأهلَ السَّمَوات والأرضين- حتَّى النَّملة في جُحرها وحتى الحوت- لِيُصلون على مُعَلِّم الناسِ الخيرَ» (^٤).
وبقوله ﷺ: «إنَّ العالم ليستغفر له من في السماوات ومَن في الأرض، حتى الحيتان في البحر، والنَّملة في جحرها» (^٥).
واحتجوا بأنَّ صاحب العبادة إذا مات انقطع عمله، وصاحب
_________________
(١) أخرجه أبو يعلى (٣٣٧٠)، والطبرانيُّ في «مكارم الأخلاق» (٢١٠)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٢/ ١٠٢)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٧٠٤٦) من حديث أنسٍ؟، وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٣٥٩٠).
(٢) أخرجه البخاري (٢٩٤٢) ومسلم (٢٤٠٦) من حديث سهل بن سعد؟.
(٣) أخرجه مسلم (٢٦٧٤) من حديث أبي هريرة؟.
(٤) أخرجه الترمذي (٢٦٨٥) من حديث أبي أمامة؟، وحسنه الألباني في «المشكاة» (٢١٣).
(٥) أخرجه أبو داود (٣٦٤١) والترمذي (٢٦٨٢) من حديث أبي الدرداء؟، وحسنه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (٧٠).
[ ٢٧ ]
النفع لا ينقطع عمله، ما دام نفعُه الذي نُسب إليه.
واحتجوا بأنَّ الأنبياء إنَّما بُعثوا بالإحسان إلى الخَلْق وهدايتهم، ونفعهم في معاشهم ومعادهم- لم يُبعثوا بالخَلَوات والانقطاع عن الناس والترَهُّب، ولهذا أنكر النبي ﷺ على أولئك النَّفر الذين هَمُّوا بالانقطاع للتعبد، وتَرك مخالطة الناس (^١)، ورأى هؤلاء التفرق في أمر الله، ونفع عباده، والإحسان إليهم، أفضل من الجمعية عليه بدون ذلك.
الصنف الرابع، قالوا: إن أفضل العبادة العمل على مرضاة الرب في كل وقت بما هو مُقتضى ذلك الوقت ووظيفته؛ فأفضلُ العبادات في وقت الجهادِ: الجهادُ، وإن آلَ إلى ترك الأوراد؛ مِنْ صلاة الليل وصيام النَّهار، بل ومِن ترك إتمام صلاة الفرض، كما في حالة الأمن.
والأفضل في وقت حضور الضيف- مثلًا-: القيام بحقِّه، والاشتغال به عن الوِرد المُستحب، وكذلك في أداء حقِّ الزوجة والأهل.
والأفضل في أوقات السَّحر: الاشتغال بالصَّلاة والقرآن والدُّعاء والذِّكر والاستغفار.
والأفضل في وقت استرشاد الطالب وتعليم الجاهل: الإقبال على تعليمه والاشتغال به.
_________________
(١) أخرج مسلم (١٤٠١) عن أنس؟ «أنَّ نفرًا من أصحاب النبي ﷺ سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السِّرِّ؟ فقال بعضهم: لا أتزوج النِّساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فِراش، فحمد الله وأثنى عليه. فقال: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني».
[ ٢٨ ]
والأفضل في أوقات الأذان: تَرك ما هو فيه مِنْ وِرده، والاشتغال بإجابة المُؤَذِّن.
والأفضل في أوقات الصلوات الخَمس: الجِد والنُّصح في إيقاعها على أكمل الوجوه، والمبادرة إليها في أول الوقت، والخروج إلى الجامع، وإن بَعُد كان أفضل.
والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج إلى المساعدة بالجاه، أو البدن، أو المال: الاشتغال بمساعدته، وإغاثة لَهْفَته، وإيثار ذلك على أورادك وخلوتك.
والأفضل في وقت قراءة القرآن: جمعيَّة القلب والهِمَّة على تدبره وتفهمه، حتى كأنَّ الله تعالى يخاطبك به، فتجمع قلبك على فهمه وتدبره، والعزم على تنفيذ أوامره أعظم من جمعية قلب مَنْ جاءه كتابٌ من السُّلطان على ذلك.
والأفضل في وقت الوقوف بعرفة: الاجتهاد في التَّضَرُّع والدُّعاء والذِّكر دون الصَّوم المُضعف عن ذلك.
والأفضل في أيام عَشر ذي الحِجَّة: الإكثار مِنْ التَّعبد، لا سِيَّما التكبير والتهليل والتحميد، فهو أفضل من الجهاد غير المُتعين.
والأفضل في العشر الأخير من رمضان: لُزوم المسجد فيه والخلوة والاعتكاف دون التصدي لمخالطة الناس والاشتغال بهم، حتى إنَّه أفضل من الإقبال على تعليمهم العِلم، وإقرائهم القرآن، عند كثيرٍ من العلماء.
والأفضل في وقت مرض أخيك المسلم- أو موته-: عِيادته، وحضور جنازته وتشييعه، وتقديم ذلك على خلوتك وجمعيتك.
والأفضل في وقت نُزول النَّوازل وأذى الناس لك: أداء واجب
[ ٢٩ ]
الصَّبر مع خُلطتك بهم، دون الهرب منهم، فإنَّ المؤمن الذي يُخالط الناس؛ ليصبر على أذاهم أفضل مِنْ الذي لا يخالطهم ولا يُؤذونه.
والأفضل خُلطتهم في الخير؛ فهي خير مِنْ اعتزالهم فيه، واعتزالهم في الشر، فهو أفضل مِنْ خلطتهم فيه، فإن علم أنه إذا خالطهم أزاله أو قَلَّلَه فخُلطتهم- حينئذٍ- أفضل من اعتزالهم.
فالأفضلُ في كل وقتٍ وحالٍ: إيثارُ مَرضاة الله في ذلك الوقت والحال، والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومُقتضاه.
وهؤلاء هم أهل التعبُّد المُطلق، والأصناف قَبلهم أهل التعبد المُقَيَّد، فمتى خرج أحدهم عن النوع الذي تعلَّقَ به من العبادة وفارقه يَرى نفسه كأنه قد نقص وترك عبادته، فهو يَعبد الله على وجهٍ واحدٍ، وصاحب التعبد المطلق ليس له غرض في تعبدٍ بعينِه يُؤثره على غيره، بل غرضه تَتَبُّع مرضاة الله تعالى أين كانت؛ فمَدار تعبُّده عليها، فهو لا يزال متنقلًا في منازل العبودية، كلما رُفعت له مَنزلةٌ عَمِل على سيره إليها، واشتغل بها حتى تَلوح له منزلة أخرى، فهذا دأبُه في السير حتى ينتهي سيره، فإن رأيتَ العلماءَ رأيتَه معهم، وإن رأيتَ العُبَّاد رأيتَه معهم، وإن رأيتَ المجاهدين رأيتَه معهم، وإن رأيتَ الذَّاكرين رأيتَه معهم، وإن رأيتَ المُتَصَدِّقين المُحسنين رأيتَه معهم، وإن رأيتَ أربابَ الجمعيَّة وعُكُوف القلب على الله رأيتَه معهم، فهذا هو العبد المُطلق، الذي لم تَمْلكه الحدود، ولم تُقَيِّده القيود، ولم يَكن عملُه على مراد نفسِه وما فيه لِذَّتُها ورَاحتها من العبادات، بل هو على مرادِ ربِّه، ولو كانت راحة نفسه ولَذَّتها في سواه (^١).
_________________
(١) انظر: «مدارج السالكين» لابن القيم (١/ ١٠٦ - ١١١).
[ ٣٠ ]
وأمَّا قول المصنف ﵀: «مِنْ الأقوال والأعمال» - فكما تقدم من أنَّ العبادات متنوعة؛ منها عبادات بالقول وعبادات بالعمل، والقول إمَّا:
١ قول القلب.
٢ وإمَّا قول اللِّسان.
فقول القلب مِنْ معانيه: العِلم، فإذا قال السلف مثلًا: «الإيمانُ قولٌ وعملٌ»، فهذا القول يشمل قولَ القلب الذي هو العِلم الذي هو التصديق.
فإذًا هذا العِلم بالنسبة للقلب قولٌ تعبُّديٌّ، فالله قد تعبَّدَنا به، فكلُّ ما نعلمه مِنْ أمور العلم النافع نحن نتعبد الله ﷿ به، فهذه عبودية وطاعة لله ﷾ نقوم بها.
وقول اللِّسان: يُراد به النُّطق بالشَّهادتين عند العلماء، ويَخصونه بذلك.
والعمل إمَّا:
١ عمل القلب.
٢ أو عمل اللسان.
٣ أو عمل الجوارح.
أمَّا عمل اللِّسان فسائر الأذكار؛ مِنْ قراءة القرآن وغير ذلك مِنْ الأذكار الواردة في العبادات والأحوال والأزمنة المختلفة، ثم الأعمال.
وقول المصنف: «الأعمال الظَّاهرة والباطنة» - يشمل القول ويشمل العمل، فَمِنْ القول ما هو في الباطن، ومِن العمل ما هو
[ ٣١ ]
في الباطن، وهكذا من القول ما هو في الظاهر، ومن العمل ما هو في الظاهر.
فالأعمال منها قلبيٌّ، ومن أعمال القلوب: الحُبُّ والخوف والرجاء والتوكل والإنابة والإخلاص، وهذه كلها أعمال قلبية باطنة، أي: في باطن الإنسان، والنبيُّ ﷺ قد أشار بيده إلى صدره ثلاثًا، وقال: «التقوى هاهنا» (^١)، فهي إذًا عمل قلبي.
ثم أعمال الجوارح تنطبق على الحواس الخمس، وتنطبق- كذلك- على سائر أعضاء الإنسان.
فعلى الإنسان أن يَنتبه لهذه الأمور؛ فالصلاة- مثلًا- عبادة، وتتعلق بها أمور قلبية- أي: أمور باطنة- وأمور ظاهرة، ولأن الصلاة عمل فلا بد لها من نية، لأن النبي ﷺ قال: «إنَّما الأعمال بالنيات» (^٢)، والزكاة تفتقر إلى النية؛ فقد يُزكي الإنسان بنية خالصة، وقد يفعل ذلك رياء أو سُمعة أو غير ذلك، وكذلك الصيام والحج وصِدق الحديث، وأداء الأمانة وبِر الوالدين وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار والمنافقين، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل، والمملوك من الآدميين والبهائم، وكذلك الدُّعاء والذِّكر والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة.
ثم أشار المصنف إلى ما هو قَلبي مِنْ حُبِّ الله ورسوله ﷺ، وخشية الله والإنابة إليه، وإخلاص الدِّين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرِّضا بِقَدَرِه والتوكل عليه، والرجاء لرحمته،
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٥٦٤).
(٢) أخرجه البخاري (١) وفي مواضع، ومسلم (١٩٠٧).
[ ٣٢ ]
والخوف من عذابه، وأمثال ذلك من العبادات.
ونحن نعلم أن من العبادات ما هي فرائض، ومنها ما هي نوافل، فقد تصلي فريضة وقد تصلي نافلة، وكذلك قد تُزَكِّي وقد تتصدق، وكذلك الصيام منه ما هو فريضة ومنه ما هو نافلة، والنوافل أمرها عظيم، إذ هي من جهة مُكَمِّلة للفرائض، ومِن جهة هي سبب في رفع درجات العبد.
* * *
[ ٣٣ ]