قال المصنف ﵀: «وكذلك ذنوب العباد يجب على العبد فيها أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بحسب قدرته، ويجاهد في سبيل الله الكفارَ والمنافقين، ويوالي أولياء الله، ويعادي أعداء الله، ويحب في الله ويبغض في الله، كما قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]، وقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿أفنجعل المسلمين كالمجرمين﴾ [القلم: ٣٥]، وقال: ﴿أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار﴾ [ص: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون﴾ [الجاثية: ٢١]، وقال تعالى: ﴿وما يستوى الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوى الأحياء ولا الأموات﴾ [فاطر: ١٩ - ٢١]، وقال تعالى: ﴿ضرب الله مثلا رجلًا فيه شركاء متشاكسون ورجلًا سلمًا لرجل هل يستويان مثلًا﴾ [الزمر: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا
[ ١٢٢ ]
يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦، ٧٥]، وقال تعالى: ﴿لا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون﴾ [الحشر: ٢٠].
ونظائر ذلك مما يفرِّق الله فيه بين أهل الحق والباطل، وأهل الطاعة وأهل المعصية، وأهل البر وأهل الفجور، وأهل الهدى والضلال، وأهل الغي والرشاد، وأهل الصدق والكذب.
فمن شهد الحقيقة الكونية دون الدينية، سوَّى بين هذه الأجناس المختلفة التي فرَّق الله بينها غاية التفريق، حتى تؤول به هذه التسوية إلى أن يسوِّي بين الله وبين الأصنام، كما قال تعالى عنهم: ﴿تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين﴾ [الشعراء: ٩٨، ٩٧]، بل قد آل الأمر بهؤلاء إلى أن سَوَّوا الله بكل موجود، وجعلوا ما يستحقه من العبادة والطاعة حقًّا لكل موجود؛ إذ جعلوه هو وجودَ المخلوقات، وهذا من أعظم الكفر والإلحاد برب العباد».
تقدم أن المصنف- رحمه الله تعالى- قد عقد مقارنة بين ما عليه حال أهل الحق؛ أهل السنة والجماعة في شأن العبودية، وبين ما عليه أهل الباطل، وبالأخص هنا غلاة الصوفية، وتقدم أن أهل التصوف عطلوا العبودية عن معناها الحق؛ فجعلوا أمر التوحيد مقصورًا على الإيمان بالحقائق الكونية القدرية؛ فلهم انحراف في باب القَدَر، وخلاصته أنهم جبرية.
وكذلك في مقام التوكل أسقطوا الأسباب، ولم يُفَرِّقوا بين مشيئة الله ﷿ الكونية القدرية وبين مشيئته الدينية الشرعية؛ فلم يفرقوا بين ما شاءه الله كونًا وقدرًا، وبين ما أحبَّه دينًا وشرعًا، وجعلوا
[ ١٢٣ ]
الأمرين على حدٍّ سواء؛ فتخبطوا وضَلُّوا في هذا الباب.
وضلال الصوفية لا يقتصر على ذواتهم وإنما يتعداهم إلى عامَّة الناس الذين يفتنون ويخدعون بهم، كما حَذَّر السلف قديمًا من ذلك؛ فقال الشَّعبي ﵀: «أَبْعِدِ الفاجرَ مِنْ العلماء، والجاهلَ مِنْ المتعبِّدين؛ فإنَّهما آفةُ كلِّ مفتون» (^١)، وقال سفيان: «كان يقال: تعوَّذوا بالله مِنْ فتنة العابد الجاهل، وفتنة العالم الفاجر، فإنَّ فتنتهما فتنة كلِّ مفتون» (^٢)؛ فالمتصوفة نشروا فكرهم بين كثير من الناس.
فإذا الضَّالون من المتصوفة في مقام التوكل يسقطون الأسباب، ويرون أن ترك الأسباب هو أعلى مقامات التوكل.
وعطلوا باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله.
وهكذا يسري الأمر عندهم في كثير من مسائل الدين وأمور التوحيد، وبالأخص توحيد العبادة.
فهنا أراد المصنف أن يُبَيِّنْ قيمة هذا الباب (باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وأن يظهر ما له من مكانة ومنزلة في الإسلام، ثم عقب ذلك بقوله: «فمن شهد الحقيقة الكونية دون الحقيقة الدينية سَوَّى بين هذه الأصناف المختلفة، التي فرَّق الله بينها غاية التفريق؛ فلا بد من تعظيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».
وهؤلاء الضالُّون من المتصوفة جعلوا المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا؛ ومن يقرأ سِيَرَهم، ويُطالع طبقاتهم يتعجب مما دَوَّنوه هم بأنفسهم من فضائح ومخازي يستحي الإنسان من ذِكرها؛ ومع ذلك
_________________
(١) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٢/ ٣١٥) برقم (١٧٥٣).
(٢) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٢/ ٣١٤) برقم (١٧٥٢).
[ ١٢٤ ]
دَوَّنوها وأثبتوها في كتبهم، وهي مخازي تتعدى- أحيانًا- ما عليه الإباحية الحديثة التي نسمع عنها في بلاد الغرب، والعياذ بالله.
كل ذلك؛ لأنهم أسقطوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأسقطوا عن أنفسهم التكاليف بالكلية؛ لأنهم زعموا أنهم يشهدون الحقيقة الكونية.
والله قد مدح هذه الأمة بقوله: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾ [آل عمران: ١١٠]، فهذه الأمة لا تنال الخيرية إلا بهذه الشروط: أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله ﷿، والله ﷿ قد قال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، وقال جل وعل: ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة آتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾ [الحج: ٤١]؛ فعَظَّم الله ﷿ هذا الأمر، وهو ما أوجب النبي ﷺ تغييره؛ فقال: «مَنْ رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يَستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (^١).
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب من واجبات الدين، وأمر عظيم من شعائره، لكن هؤلاء القوم أسقطوه، حتى إنهم لا يرون استحسانًا لحسنة، ولا استقباحًا لسيئة، بل إنهم يتبجحون ويتفاخرون بما يرتكبونه من منكرات وقبائح، وكتبهم شاهدة بذلك، ويكفي مثالًا على ذلك «طبقات الشعراني»؛ حيث تجد فيه الكثير من مخازي هؤلاء، وكل ذلك لأنهم أسقطوا شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤٩) من حديث أبي سعيد الخدري؟.
[ ١٢٥ ]
ولذلك نبَّه المصنف على أهمية هذا الباب فقال: «وكذلك ذنوب العباد يجب على العبد فيها أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بحسب قدرته»، ونحن نعلم أن العلماء والأمراء هم مِنْ أعظم مَنْ يجب عليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فالعلماء لأن الله قد أعطاهم الله الفقه في الدين، ولذلك اشترط العلماء في الأمر بالمعروف والناهي عن المنكر أمورًا منها: أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر عالمًا بما يأمر به وبما ينهى عنه، ثم أن يكون حكيمًا في أمره ونهيه، ثم بعد ذلك يصبر على ما يلقاه في سبيل القيام بهذا الواجب، فلابد أن تجتمع فيه هذه الأمور الثلاثة (العلم والحكمة والصبر)؛ قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣].
وكذلك يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الولاة والأمراء؛ لأن بيدهم السلطة وقوة التنفيذ؛ قال الله ﷿: ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾ [الحج: ٤١].
فالولاة قد أعطاهم الله التمكين في الأرض، وبالتالي إذا قام هذا المجتمع على هذه الأسس صلح حاله.
فعلى العبد أولًا: أن يصلح نفسه؛ بأن يأمرها بالمعروف وينهاها عن المنكر؛ لأن النفس أمَّارة بالسوء، وبالتالي لا بد من قَسْرها وحملها على فعل الطاعات واجتناب المحرمات، ثم ينتقل الإنسان من نفسه إلى أهله؛ لقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة﴾ [التحريم: ٦]، ولقول النبي ﷺ: «كلكم
[ ١٢٦ ]
راع وكلكم مسئول عن رعيته، والأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده؛ فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» (^١)؛ فيجب على الإنسان أن يكون آمرًا لأهله بالمعروف وناهيًا لهم عن المنكر، ثم بعد ذلك الأقربين إليه، ثم جيرانه، ثم من حوله من المجتمع؛ لأن هذا المجتمع هو كيان واحد، فإذا أمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر كان ذلك سبب نجاتنا.
وقد قص الله علينا أن سبب هلاك بني إسرائيل أنهم: ﴿كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه﴾ [المائدة: ٧٩].
أمَّا غلاة المتصوفة فتجدهم على الضد من ذلك، بل إنهم يَستهينون بالأوامر، ومن ذلك أن أحد شيوخهم سأل مُريدًا عنده؛ فقال له: إذا أرسلتك في حاجة ومررت بمسجد وقد أُقيمت الصلاة؛ فماذا تفعل؟ هل تمضي في حاجتي أو تصلي مع الناس؟ فقال: لا، بل أمضي في حاجتك».
فانظر كيف عطَّلوا أمر الصلاة، وإقامة الصلاة من أوجب الأمر بالمعروف؛ ومع ذلك يثني الشيخ على هذا المريد؛ لأنه قَدَّم أمره على أمر الله ﷿، وهكذا يُربون أتباعهم على مثل هذه الأحوال، ويرون أنها من أحسن الأحوال وأعظم المقامات.
ومن الشواهد على تعطيلهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعض اجتماعات الصوفية في موالدهم؛ فتجد- والله- من الفضائح والمخازي ما الله به عليم؛ ومن ذلك: أنهم لا يصلون مع الجماعة، وقد لا يصلون بالمرَّة؛ ولا يتناهون عن المنكر؛ فيجتمع الرجال مع النساء، ويتعاطون الخمر والحشيش ونحو ذلك، ويقع من المفاسد
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٢٠٠) ومسلم (١٨٢٩) من حديث عبد الله بن عمر؟.
[ ١٢٧ ]
العظيمة؛ حتى اشتهر أنه كلما وجدت فوضى وزحام؛ فالغالب أنه مولد، فيُعبرون عن الفوضى بكلمة (مولد)؛ لأن بعض هذه الموالد التي يجتمع لها أتباع هؤلاء المتصوفة تُرتكب فيها شتى أنواع الفواحش والمنكرات، وكل ذلك على مرأى ومَسمع منهم.
فبدل أن يُعظموا أوامر الله ﷿؛ فيأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر- عَطَّلوا هذه الشعيرة من شعائر الإسلام.
فعلينا أن ننتبه إلى موطن الخلل الذي يدخل على هذه الأمة، فنحن نرى الأمة وفيها كتاب الله، وفيها سنة نبيه ﷺ، وفيها أحكام الدِّين، ولكن مع ذلك نرى من أحوالها العجب العجاب، فهذا الدَّاء جاء إليها من أمثال هؤلاء الذين عطَّلُوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقال المصنف كذلك: «ويجاهد في سبيل الله الكفار والمنافقين، ويوالي أولياء الله، ويعادي أعداء الله».
فإذا نظرت إلى كلام المتصوفة ترى أنهم هوَّنوا من أمر الجهاد؛ بل إنهم حصروا الجهاد في جهاد النَّفس فقط، وواقع تاريخهم يشهد بذلك؛ فعندما دخل النصارى أهل الصَّليب إلى بيت المقدس في عام ٤٩٢ هـ- لم يُذكر عن أبي حامد الغزالي أنه أنكر هذا الأمر، أو أنه حث الناس على جهاد النصارى؛ قال الشيخ عبد الرحمن الوكيل: «لقد عاش الغزاليُّ بعد ذلك ثلاثةَ عشر عامًا؛ إذ مات سنة ٥٠٥ هـ، فما ذرف دمعةً واحدةً، ولا استنهض همةَ مُسلمٍ؛ ليذوذ عن الكعبةِ الأولى، بينما سواهُ يقولُ:
أحلَّ الكفرُ بالإسلامِ ضيمًا … يطولُ عليه للدينِ النحيبُ
وكم من مسجدٍ جعلوه ديرًا … على محرابهِ نُصب الصليبُ
دمُ الخنزيرِ فيه لهم خلوف … وتحريقُ المصاحفِ فيه طيب
[ ١٢٨ ]
أهزَّ هذا الصريخُ الموجعُ زعامة الغزالي؟
كلا، إذ كان عاكفًا على كتبهِ يُقَرِّرُ فيها أنَّ الجمادات تخاطب الأولياءَ، ويتحدثُ عن الصحو والمحو، دون أن يُقاتلَ، أو يدعو حتى غيره إلى قتالٍ!» (^١).
وَقَالَ الدكتور زكي المبارك: «أتدري لماذا ذكرتُ لك هذه الكلمةَ عن الحروبِ الصليبيةِ؟ لتعرف أنَّه بينما بطرسُ الناسكُ يَقضي ليله ونهاره في إعدادِ الخطبِ وتحبيرِ الرسائلِ لحثِّ أهلِ أوروبا على امتلاكِ أقطارِ المسلمين- كان الغزاليُّ (حجةُ الإسلامِ) غارقًا في خلوتهِ، منكبًّا على أورادهِ، لا يَعرفُ ما يجبُ عليه من الدعوةِ والجهادِ» (^٢).
وقال الدكتور عمر فروخ: «أَلَا يَعجبُ القارئ إذا عَلِم أن حُجَّةَ الإسلامِ أبا حامدٍ الغزالي شهد القدس تسقطُ في أيدي الفرنجةِ الصَّليبين، وعاش اثنتي عشرة سنة بعد ذلك ولم يُشر إلى هذا الحادثِ العظيمِ، ولو أنه أهاب بسكانِ العراقِ وفارس وبلادِ التركِ لنصرةِ إخوانهم في الشامِ لنفر مئاتُ الألوفِ منهم للجهادِ في سبيلِ اللهِ .. وما غفلةُ الغزالي عن ذلك إلا لأنَّه كان في ذلك الحين قد انقلب صوفيًّا، واقتنع على الأقل بأن الصوفيةَ سبيلٌ من سُبُلِ الحياةِ، بل هي أسدى تلك السُّبُلِ وأسعدها.
ويُعَلِّل المتصوفة سكوتهم ورضاهم بما يَنزلُ بقومهم من المصائبِ بأن هذه المصائب عقابٌ من الله للمُذنبين مِنْ خلقهِ، فإذا كان اللهُ قد سَلَّط على قومٍ ظالمًا فليس لأحدٍ أن يُقاومَ إرادةَ اللهِ أو
_________________
(١) «هذه هي الصوفية» (ص ١٧٠، ١٧١).
(٢) «الأخلاق عند الغزالي» (ص ٢٥).
[ ١٢٩ ]
أن يَتأففَ منها» (^١).
وهكذا ابتلي الإسلام بشتى أنواع الأعداء؛ كالتتار والاستعمار، والاستعمار ليس ببعيد، وها هو الاستعمار الفرنسي في بلاد المغرب يشهد لهؤلاء المتصوفة أنهم كانوا أعوانًا له، بل كانوا من أشد أنصار هذا الاستعمار، والتاريخ يشهد كيف أن هؤلاء عطلوا هذه الشعيرة من شعائر هذا الدين؛ لأن في الجهاد رفعة وعزة للإسلام وأهله، وذوذ وحماية لحياض الإسلام، ولكن هؤلاء ألغوا هذا الأمر وعطلوا وحصروه في جهاد النفس على حدِّ زعمهم، ويا ليتهم حتى جاهدوا أنفسهم؛ بل نشروا ما نشروا من الخرافات والأباطيل في أمة الإسلام، بسبب معتقداتهم وأفكارهم.
والمصنف- ﵀ يُنبه على أن هذه الشعائر من شعائر الدين؛ أي: الجهاد في سبيل الله، وموالاة أهل الإيمان ومعاداة أهل الكفر.
أمَّا المتصوفة فتقرأ في كتبهم أن أبا يزيد البسطامي؛ طيفور بن عيسى واجتاز بمقبرة لليهود فقال: «معذورون»، ومَرَّ بمقبرة للمسلمين فقال: «مَغرورون» (^٢)!
فيا سبحان الله! حتى مع الأموات موالاتهم لأهل الكفر، ومعاداتهم لأهل الإيمان، فكتب القوم تَطفح بهذه المواقف المخزية وبهذا الكلام الضال.
ولقد وصل الهوس والجنون بابن الفارض- بناء على عقيدته: أن الله هو عين كل شيء- وصل به الحال إلى أن يَعتقد أنه هو الله حقيقة؛ لأن الله حسب خرافاته هو عين كل شيء، فهو على هذا
_________________
(١) «التصوف في الإسلام» (ص ١٠٩)، بتصرف يسير.
(٢) انظر: «فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام»، لغالب عواجي (٣/ ١٠٢٤).
[ ١٣٠ ]
يُمَثِّل الله؛ تعالى عن قولهم.
وابن عربي من أساطين القائلين بوحدة الوجود والحلول والاتحاد وصحة الأديان كلها، مهما كانت في الكفر؛ إذ المرجع والمآل واحد، ومِن هنا فهو يقول:
عقد الخلائق في الإله عقائدًا … وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه (^١)
فيجعلون أن كل من اعتقد عقيدة فهو عندهم من أهل التوحيد، فلم يُفَرِّقوا- أصلًا- بين أهل الإيمان وأهل الكفر، بل أثنوا على أهل الكفر أكثر من ثنائهم على أهل الإيمان!
فجعلوا التوحيد متعلقًا بالربوبية، وبالتالي فكأن مَنْ أقر بوجود الله ﷿ فهو على التوحيد.
وفي شأن القَدَر هم جبرية.
وفي شأن التوكل أسقطوا الأسباب، وتركوا أسباب الرزق، وحثوا الناس على الكسل والخمول.
مع أن الله حَبَا هذه الأمة بجميع أنواع الخيرات، لكننا نجد أن أرض الإسلام قد امتلأت بملايين البشر الكسالى والعاطلين بسبب ما غرسه فيهم هؤلاء!
وفي باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تجد أن الكثير من هذه الأمة حتى في ذات نفسه وحتى في أهل بيته لا يَأمر بالصلاة؛ فتجد البيت ممتلئ بالأولاد ومع ذلك لا يأمرهم الأَبَوان بالصلاة.
وهكذا فعلوا حتى في الوعد والوعيد، حتى في الجنة والنار، فهذه رابعة العدوية تقول: «ما أعبد الله خوفًا من عذابه ولا رغبة
_________________
(١) انظر: «فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام»، لغالب عواجي (٣/ ٩٩٧).
[ ١٣١ ]
في جَنَّته»!
وقد أجاب عن ذلك تقي الدِّين السبكي ﵀، وبين المعنى الصواب؛ فقال: «والعاملون على أصناف: صنف عبدوه لذاته وكونه مستحقًّا لذلك، فإنه مستحق لذلك لو لم يَخلق جنة ولا نارًا. فهذا معنى قول مَنْ قال: ما عبدناك خوفًا من نارك ولا طمعًا في جنتك. أي: بل عبدناك لاستحقاقك ذلك. ومع هذا فهذا القائل يسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار.
ويظن بعض الجهلة خلاف ذلك، وهو جهل؛ فمن لم يسأل الله الجنة والنجاة من النار، فهو مخالف للسنة؛ فإن من سنة النبي ﷺ ذلك، ولما قال ذلك القائل للنبي ﷺ: إنَّه يسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار، وقال: ما أُحسن دَندنتك ولا دندنة معاذ! قال النبي ﷺ: «حولها نُدَنْدِنُ» (^١).
فهذا سَيِّدُ الأولين والآخرين يقول هذه المقالة؛ فمَن اعتقد خلاف ذلك فهو جاهل خَتَّال.
ومِن آداب أهل السنة أربعة أشياء لا بد لهم منها: الاقتداء برسول الله ﷺ، والافتقار إلى الله تعالى، والاستغاثة بالله، والصبر على ذلك إلى الممات. كذا قال سهل بن عبد الله التستري، وهو كلام حق» (^٢).
ثم هذا أبو حامد الغزالي يقول: «فمن كان حبُّه في الدنيا رجاءه لنعيم الجنة والحور العين والقصور مُكِّن من الجنة؛ ليتبوأ منها
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٧٩٢)، وابن حبان (٨٦٨)، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٧٥٧).
(٢) «فتاوى السبكي» (٢/ ٥٦٠).
[ ١٣٢ ]
حيث يشاء، فيلعب مع الولدان، ويتمتع بالنسوان؛ فهناك تنتهي لذَّتُه في الآخرة … فالأبرار يَرتعون في البساتين، ويتنعمون في الجنان مع الحُور العِين والولدان.
والمقربون ملازمون للحضرة، عاكفون بطرفهم عليها؛ يستحقرون نعيم الجنان بالإضافة إلى ذَرَّة منها؛ فقوم بقضاء شهوة البطن والفرج مَشغولون، وللمجالسة أقوام آخرون» (^١).
وقال الغزالي أيضًا: «وأغلب البواعث باعث الفرج والبطن وموضع قضاء وطرهما الجنة؛ فالعامل لأجل الجنة عاملٌ لبطنه وفرجه كالأجير السوء، ودرجته درجة البله …
وأمَّا عبادة ذوي الألباب فإنَّها لا تجاوز ذِكر الله تعالى والفكر فيه حبًّا لجماله وجلاله …، وهؤلاء أرفع درجة من الالتفات إلى المَنكوح والمطعوم في الجنة، فإنهم لم يقصدوها، بل هم الذين يَدعون ربَّهم بالغَدَاة والعَشي يريدون وجهه …، ويسخرون ممن يَلتفت إلى الحُور العِين» (^٢).
وهؤلاء المتصوفة أيضًا: هونوا حتى من شأن الأنبياء، ومخازيهم وفضائحهم وانحرافاتهم العقدية- للأسف الشديد- أثَّرت على الأمة أشد التأثير؛ لفتنة الناس بمن يعتقدون فيهم العلم، وبمن يعتقدون فيهم الصلاح، ولا يلحظون أنه قد يكون وراء هذا العلم فجور، ووراء هذا الصلاح فجور أو جهل، والعياذ بالله؛ فيترتب على ذلك أن العوام قد يقتدون بأناس ليسوا بأهل لأن يكونوا قدوة.
فها هي المعاني الشرعية قد عطلوها، وأقاموا بدلًا منها معاني
_________________
(١) «إحياء علوم الدين» (٤/ ٣٣٥).
(٢) «إحياء علوم الدين» (١/ ١٠٨).
[ ١٣٣ ]
باطلة، فلم يَعد هناك قيمة ولا وزن للأمر بالمعروف، ولا حب في الله ولا بغض في الله، ولا الجهاد في سبيل الله ﷿، ولا تفرقة بين المسلمين والكافرين، ولا بين الطائعين والعاصين.
فأين هؤلاء من كلام الله ﷿ وكلام رسوله ﷺ؟!
فقد فَرَّق الله به بين أوليائه وبين أعدائه في مثل قوله تعالى: ﴿أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون﴾ [القلم: ٣٥، ٣٦]؟
وقال رسوله ﷺ: «والذي نفس محمد بيده، لا يَسمع بي أحدٌ من هذه الأمة؛ يَهودي ولا نَصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به، إلَّا كان من أصحاب النار» (^١).
وقال أيضًا ﷺ: «كلُّ أُمَّتي يَدخلون الجنَّة إلَّا مَنْ أَبَى». قالوا: يا رسول الله، ومَن يأبى؟ قال: «مَنْ أطاعني دخل الجنة، ومَن عصاني فقد أَبَى» (^٢).
قال المصنف ﵀: «ونظائر ذلك مما يفرق الله بين أهل الحق والباطل، وأهل الطاعة والمعصية، وأهل البر والفجور، وأهل الهدى والضلال، وأهل الغَيِّ والرشاد، وأهل الصدق والكذب».
فيجب التفريق بين أهل الحق وأهل الباطل، وبين أهل الطاعة والمعصية، فلا يستوي مَنْ هو تقي ومَن هو عاص، فهذا والله من أبطل الباطل أن تساوي بين الفريقين، لكن عند هؤلاء يساوون بينهم، وقد امتدحوا من امتدحوا- ممن يزعمون أنهم أولياء- بأنهم ارتكبوا أعظم أنواع الفجور، والعياذ بالله ﷿.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٥٣) من حديث أبي هريرة؟.
(٢) أخرجه البخاري (٧٢٨٠) من حديث أبي هريرة؟.
[ ١٣٤ ]
والله ﷿ فَرَّق بين الإسلام والكفر، وفرق بين المُسيء والمحسن.
وأمَّا هؤلاء فعندهم يستوي الأمران!
فانظر كيف تلاعبوا بشعائر الإسلام وعملوا على نقضها، أو على الأقل تحقيرها والتقليل من شأنها!
والمصنف يُرشدنا إلى وجه الخلل عند هؤلاء، فقال: «مَنْ شهد الحقيقة الكونية دون الحقيقة الدينية سَوَّى بين هذه الأصناف المختلفة التي فَرَّق الله بينها غاية التفريق»؛ لأن عندهم التوحيد أن تشهد أنه موجود، وتشهد أن هذا الكون تحت قدرته وتحت تصرفه، هذا هو غاية توحيدهم (التوحيد الخاص)، إن لم يتعداه إلى ما هو أشد بطلانًا منه، وهو وحدة الوجود.
* * *
[ ١٣٥ ]