قال المصنف ﵀: «رافعين مُزيلين بذلك مَا قدر من السَّيِّئَات، دافعين بذلك مَا قد يُخَاف من آثَار ذَلِك، كَمَا يزِيل الإِنْسَان الجُوع الحَاضِر بِالأَكْلِ، ويدْفَع بِهِ الجُوع المُسْتَقْبل، وكَذَلِكَ إِذا آن أَوان البرد دَفعه باللباس، وكَذَلِكَ كل مَطْلُوب يُدْفع بِهِ مَكْرُوه، كَمَا قَالُوا للنَّبِي ﷺ: يَا رَسُول الله، أَرَأَيْتَ أدوية نتداوى بهَا، ورقى نسترقي بهَا، وتُقى (^١) نتَّقي بهَا؛ هَلْ تَرد مِنْ قَدَر الله شَيْئًا؟ فَقَالَ: «هِيَ مِنْ قدر الله» (^٢)، وفِي الحَدِيث: «إِنَّ الدُّعَاء والبَلَاء ليلتقيان؛ فيعتلجان بَين السَّمَاء والأَرْض» (^٣).
فَهَذَا حَال المُؤمنِينَ بِاللَّه ورَسُوله العابدين لله، وكل ذَلِك من العِبَادَة».
الإنسان محل الخطأ ومحل الزَّلل ومحل التقصير، وعليه أن يجتهد في رفع هذا التقصير، وأن لا يستسلم لهذا الأمر؛ بل عليه الاستغفار، ويجب عليه التوبة والمسارعة في فعل الخيرات.
ويجب أن تغرس هذه المعاني في النفوس، ولا بد من الأخذ
_________________
(١) جمع تقية، وهي ما يدفع به الإنسان ما يخافه ويكرهه عن نفسه وغيره.
(٢) أخرجه أحمد (١٥٥١٠) والترمذي (٢٠٦٥) من حديث أبي خزامة؟، وحسنه الألباني في «تخريج مشكلة الفقر» (١١).
(٣) أخرجه الحاكم (١/ ٦٦٩) والبزار في «كشف الأستار» (٣/ ٣٠) من حديث عائشة ﵂، وحسنه الألباني في «المشكاة» (٢٢٣٤).
[ ١٣٩ ]
بالأسباب، وضرب المصنف هنا- مثلًا- يوضح المقصود؛ حيث قال: «دافعين بذلك ما قد يخالف من آثار ذلك؛ كما يُزيل الإنسان الجوع الحاضر بالأكل»، والمقصود: أن الإنسان إذا كان جائعًا فإنه يدفع عن نفسه الجوع بالأكل.
وهو بهذا يرد على بعض مَنْ غلط من المتصوفة وزعم أن طلب الأكل أو الرزق عند الجوع ينافي التوكل، ويحثون الناس على ترك التكسب والأخذ بالأسباب.
وهذا الزعم ينافي الشرع والعقل؛ فلا بد من الأخذ بالأسباب؛ دنيوية كانت أو شرعية، وهذا الأخذ لا ينافي التوكل والاستعانة بالله ﷿، وضرب المصنف مثالًا آخر؛ فقال: «وكَذَلِكَ إِذا آن أَوانُ البرد، دَفعه باللباس، وكَذَلِكَ كلُّ مَطْلُوب يُدْفع بِهِ مَكْرُوه، كَمَا قَالُوا للنَّبِي ﷺ: يَا رَسُول الله، أَرَأَيْت أدوية نَتداوى بهَا ورُقى نسترقي بهَا وتُقى نتقي بهَا؛ هَلْ تردُّ مِنْ قدر الله شَيْئًا؟ فَقَالَ: «هِيَ مِنْ قَدَر الله»، وفِي الحَدِيث: «إِنْ الدُّعَاء والبَلَاءَ ليلتقيان فيَعتلجان بَين السَّمَاء والأَرْض».
ومعنى: «يعتلجان»، أي: يتصارعان؛ فأيُّهما غَلب أصاب، فهذا الذي ورد في الحديث معناه: أن الدعاء الذي يرفعه العبد إلى الله- ﵎ يلتقي مع القضاء الذي قَدَّره الله ما بين السماء والأرض، ويحدث بينهما هذا اللقاء والتصارع؛ فإذا كان الدعاء مخلصًا رَدَّ الله به قضاءه الذي قَدَّره، هذا والدعاء- أيضًا- من قدر الله؛ لأن الله لو لم يشأ للإنسان أن يدعو لما استطاع، ولما وفَّقَه لذلك؛ فالقدر من الله والدعاء- أيضًا- من الله، وقد أعلمنا النبي ﷺ أن هذا يدفع ذاك.
فالأخذ بالأسباب مِنْ القدر، والله ﷾ هو مسبب الأسباب،
[ ١٤٠ ]
وهو الذي خلق هذه الأسباب وجعلها أسبابًا، فهذا حال المؤمنين بالله ورسوله العابدين لله، وكل ذلك من العبادة، ويَفقه هذه الأمور من وضع نصب عينيه توحيد العبادة؛ فتوحيد العبادة؛ منه التوكل، ومنه الإنابة، ومنه الخشية، ومنه الأمر بالمعروف، ومنه النهي عن المنكر، ومنه الجهاد في سبيل الله.
وكل هذه المعاني والشعائر يجب أن تكون واضحة ظاهرة، وعلينا أن نتمثلها في أنفسنا، وأن نُعَلِّمها لأسرنا ومجتمعاتنا وسائر أُمَّتنا، فلا بد من غرس المعاني الحقة وإبعاد تلك المعاني الفاسدة التي لصقت في أذهان الناس، حتى إنهم أصبحوا لا يعرفون من الدِّين إلا تلك الصورة الباطلة، فأصبح المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والعياذ بالله.
* * *
[ ١٤١ ]