قال المصنف ﵀: «فكما أنَّ طمعه في المخلوق يُوجب عبوديته له، فيَأسه منه يُوجب غنى قلبه عنه، كما قيل: «استغن عمَّن شئت تَكن نظيره، وأفْضِلْ على مَنْ شئت تكن أميره، واحتج إلى مَنْ شئت تكن أسيره» (^١)، فكذلك طمع العبد في ربِّه ورجاؤه له يوجب عبوديته له، وإعراض قلبه عن الطلب من الله والرجاء له- يوجب انصراف قلبه عن العبودية لله، لا سيما مَنْ كان يرجو المخلوق ولا يرجو الخالق؛ بحيث يكون قلبه معتمدًا إمَّا على رئاسته وجنوده وأتباعه ومماليكه، وإمَّا على أهله وأصدقائه، وإمَّا على أمواله وذخائره، وإمَّا على ساداته وكبرائه؛ كمالكه ومَلِكه وشيخه ومخدومه وغيرهم، ممن هو قد مات أو يموت؛ قال تعالى: ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرًا﴾ [الفرقان: ٥٨].
وكل مَنْ علق قلبه بالمخلوقات أن ينصروه أو يرزقوه، أو أن يهدوه- خضع قلبه لهم، وصار فيه من العبودية لهم بقدر ذلك، وإن كان في الظاهر أميرًا لهم مدبِّرًا لأمورهم، متصرفًا بهم.
فالعاقل ينظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر؛ فالرجل إذا تعلق قلبه بامرأة- ولو كانت مُباحة له- يبقى قلبه أسيرًا لها تحكم فيه وتتصرف بما تريد، وهو في الظاهر سيدها؛ لأنه زوجها أو مالكها، ولكنه في الحقيقة هو أسيرُها ومملوكها، ولا سيما إذا علمت بفقره
_________________
(١) أخرجه الدينوري في «المجالسة وجواهر العلم» (٦/ ٢٨٣) برقم (٢٦٤٠) عن بعض الحكماء.
[ ٢٧١ ]
إليها وعشقه لها، وأنه لا يعتاض عنها بغيرها، فإنها حينئذ تتحكم فيه بحكم السيد القاهر الظالم في عبده المقهور؛ الذى لا يستطيع الخلاص منه، بل أعظم؛ فإن أسر القلب أعظم من أسر البدن، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن، فإن من استُعبِد بدنه واستُرق وأُسر لا يبالى إذا كان قلبه مستريحًا من ذلك مطمئنًا، بل يمكنه الاحتيال في الخلاص.
وأمَّا إذا كان القلب- الذي هو مَلِكُ الجسم- رقيقًا مستعبدًا، متيَّمًا لغير الله؛ فهذا هو الذل والأسر المحض والعبودية الذَّليلة لما استعبد القلب.
وعبودية القلب وأسره هي التي يَترتب عليها الثواب والعقاب، فإن المسلم لو أسره كافر أو استرقه فاجر بغير حق لم يضره ذلك، إذا كان قائمًا بما يقدر عليه من الواجبات، ومَن استُعبد بحقٍّ إذا «أدَّى حقَّ الله وحقَّ مَوَاليه فله أجران» (^١)، ولو أُكره على التكلم بالكفر فتكلم به وقلبه مطمئن بالإيمان- لم يضره ذلك. وأمَّا مَنْ استُعبد قلبه صار عبدًا لغير الله، فهذا يضرُّه ذلك، ولو كان في الظاهر مَلكَ النَّاس».
قوله: «أَفْضِل على مَنْ شئت تكن أميره»، هذا كما قيل: الإنسان أسير الإحسان.
وكما قال أبو الفتح البستي:
أَحْسِنْ إلى النَّاسِ تَسْتَعبِدْ قلوبَهمُ … فطالما استعبدَ الإنسانَ إِحسانُ (^٢)
_________________
(١) أخرج مسلم (١٦٦٦) عن أبي هريرة؟، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أدَّى العبدُ حقَّ الله وحَقَّ مَواليه، كان له أجران».
(٢) انظر: «قصائد من عيون الشعر» (ص ٣٦).
[ ٢٧٢ ]
إذا أحسنت إلى الإنسان كأنَّك استعبدته، ولذلك إذا وجدت نفرة من إنسان فأحسن إليه، فسرعان ما تكون كأنك أميرٌ عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٤، ٣٥].
وفي المقابل لو احتجت إلى أحد فستكون كأنك أسيره، أو كأنك خادم له، ولذا ينبغي للإنسان أن يستغني عمَّا في أيدي الناس، وأن يترفع عنها، خاصة في أمور الدنيا؛ لأنها إن كانت مقدرة للعبد فستأتيه لا محالة، وإن كانت غير مُقَدَّرة فلن تأتي؛ مهما استجدى غيره ومهما ذلَّ له.
وعليه فطمع العبد في ربِّه ورجاؤه له يُوجب عبوديته له.
وأمَّا إعراض القلب عن سؤال الله ورجائه له فيوجب انصراف قلبه عن عبودية الله ﷿، وهذه طامَّة كبرى؛ لأن صلاح القلب صلاح للجسد كله، وفساد القلب فساد للجسد كله.
ومن يركن إلى رئاسته وجنوده وأتباعه ومماليكه، أو إلى أهله وأصدقائه، أو إلى أمواله وذخائره، أو إلى سادته وكبرائه- يكون طمعه ورجاؤه فيهم، وليس في الله ﷿، فتستعبده هذه الأشياء، وإن كان رئيسًا أو مَلِكًا في الظاهر إلا أنه لحاجته إليهم فهو مرءوس؛ لأنهم في الحقيقة هم الذين يُسيرون له الأمور ويُوجهونه، وصار يخشاهم، بدل أن يخشوه، وأصبح مُلكه مسخرًا لهم؛ فيحصلون على أموال الناس بالباطل، ويظلمونهم، ونحو ذلك، ولا يستطيع أن يَمنعهم؛ حتى لا ينصرفوا عنه، أو يَمكروا به؛ فهذا في الحقيقة استرقاق واستعباد له وإن كان في الظاهر أنه أميرهم ومُدبر أمورهم.
[ ٢٧٣ ]
ولذلك أمر اللهُ نبيَّه ﷺ بالتوكل عليه وحده؛ فقال: ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت﴾ [الفرقان: ٥٨].
فالعاقل ينظر إلى حقائق الأمور وبواطنها وليس إلى ظواهرها، وقد ضرب المصنف مثلًا برجل تعلق قلبه بزوجته أو بأَمَتِه، وهذا الأمر مباح، وفي الظاهر هو زوجها أو سيدها، وله القوامة عليها، ولكن قلبه في الحقيقة أسير لها تتحكم فيه كيفما شاءت.
لماذا؟ لأن هذا التعلق منه بهذه المرأة يُشعرها كأنه لا يستطيع أن يعيش بدونها، فتَظل هي الآمرة، ولا يستطيع أن يُؤَخِّر لها أمرًا؛ لما في قلبه مِنْ تعلق بها، حتى يصير كالمملوك والأسير عندها، وإن كان في الظاهر هو زوجها وسيدها!
وهذا نجده- أيضًا- عند من يتعلق بالمال، حتى يصير عبدًا له؛ يفعل من أجله الموبقات من القتل والظلم والسرقة، ويُعَرِّض نفسه للتهلكة والسجن ونحو ذلك؛ لأنه استرق نفسه للمال.
* * *
[ ٢٧٤ ]