إذا تبين ذلك، فمعلوم أنَّ هذا الباب يتفاضلون فيه تفاضلًا عظيمًا، وهو تفاضلهم في حقيقة الإيمان، وهم ينقسمون فيه إلى عام وخاص، ولهذا كانت إلهيَّةُ الربِّ فيها عموم وخصوص».
بعد أن بَيَّن المصنفُ- ﵀ مفهوم العبادة ومعناها، وبَيَّن مواقف الطوائف منها، وذكر ما يتعلق بها من حيث أصلها واجتماع شروطها، شرع في هذا الفصل في بيان التفاضل في الإيمان؛ فالناس في أمر العبودية ليسوا على حدٍّ سواء، فهم يتفاضلون فيما بينهم بحسب ما حَقَّقه كلُّ واحد منهم في هذا الأمر، ولذلك مَنْ كان همته عالية وعنده رغبة فيما عند الله ﷾ من الفضل والأجر العظيم- فلا بد له أن يستحضر في قلبه عددًا من المعاني، إذا امتثلها وتعلق بها رفع ذلك من مقام عبوديته لله ﷿، وخَلَّصه من أنواعٍ من عبوديات في الدنيا.
لذلك كان لا بد لمن كان له مثل هذه الهمة أن يعلم هذه المعاني وأن يستحضرها ثم يتحقق بها.
ولمَّا كانت العبادة هي الغاية التي خُلِق من أجلها الجنُّ والإنسُ، تفاضل الناس فيها تفاضلًا عظيمًا، وهو تفاضلهم في حقيقة
[ ٢٣٣ ]
الإيمان، والإيمان والعبادة هنا بمعنى واحد، فالإيمان- كما هو معلوم- قول وعمل، وهكذا العبادة قول وعمل؛ فهناك قول، وهو قول القلب وقول اللسان، وعمل، وهو عمل القلب وعمل اللسان وعمل الجوارح؛ فكل هذه أنواع من العبادة على العبد أن يقوم بها وأن يحققها.
والناس ينقسمون في أمر العبودية إلى عام وخاص، ولهذا كانت ربوبية الله لهم فيها عموم وخصوص؛ فهناك عبودية عامَّة، وهي عبودية القهر والذل، كما جاء في قوله تعالى: ﴿إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا﴾ [مريم: ٩٣]، فكل الخلق مَقهورون مَربوبون لله ﷿، تحت حكمه وتحت إرادته، وتحت تدبيره؛ فهذه تسمى عبودية عامَّة.
والعبودية الخاصة هي التي تكون لأهل الإيمان وحدهم؛ ممن استجاب لله ولرسوله ﷺ، واستقام على شرع الله ﷿، وقد سبق بيانها.
* * *
[ ٢٣٤ ]