وسبب ذَلِك: أَنه ضَاقَ نِطاقهم عَنْ كَون العَبْد يُؤمر بِمَا يقدَّر عَلَيْهِ خِلَافه، كَمَا ضَاقَ نطاق المُعْتَزلَة ونَحْوهم من القَدَرِيَّة عَنْ ذَلِك، ثمَّ المُعْتَزلَة أَثْبَتَت الأَمر والنَّهْي الشرعيين دون القَضَاء والقدر، اللَّذَيْن هما إِرَادَة الله العَامَّة وخلقه لأفعال العباد. وهَؤُلَاء أثبتوا القَضَاء والقَدَر، ونَفَوْا الأَمر والنَّهْي فِي حقِّ مَنْ شهد القدر؛ إِذْ لم يُمكنهُم نفي ذَلِك مُطلقًا.
وقَول هَؤُلَاءِ شَرٌّ مِنْ قَول المُعْتَزلَة، ولِهَذَا لم يكن فِي السَّلف مِنْ هَؤُلَاءِ أحد، وهَؤُلَاء يَجْعَلُونَ الأَمر والنَّهْي للمَحجوبين الَّذين لم يَشْهدُوا هَذِه الحَقِيقَة الكونية، ولِهَذَا يجْعَلُونَ مَنْ وصل إِلَى شُهُود هَذِه الحَقِيقَة يَسْقط عَنهُ الأَمر والنَّهْي، ويَقُولُونَ: إِنَّه صَار من الخَاصَّة. ورُبمَا تأولوا على ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿واعبد رَبك حَتَّى يَأْتِيك اليَقِين﴾ [الحجر: ٩٩]؛ فاليقين عِنْدهم هُو معرفَة هَذِه الحَقِيقَة».
عقد المصنف مقارنة بين ما عليه القدرية الذين هم المعتزلة، وبين ما عليه هؤلاء الصوفية الجبرية، والمقارنة في ناحيتين:
١ من ناحية الحقيقة الكونية القدرية.
٢ ومن ناحية الحقيقة الدينية الشرعية.
[ ١٥٠ ]
مع الأخذ في الاعتبار أنَّ المعتزلة عَظَّموا الأمر والنهي، لكن المتصوفة لم يُعَظِّموه.
ففي الجانب الكوني القَدَري:
المعتزلة: لم يعظموا الجانب الكوني القدري؛ لأنهم أنكروا قدرة الله في فعل العبد.
وهؤلاء الصوفية الجبرية: وافقوا المعتزلة في هذا الجانب، وبالتالي ضاق نطاقهم عن كون العبد يُؤمر بما يُقَدَّر عليه خلافه، فهم لم يَفهموا هذه المسألة وهي: كيف أن العبد يؤمر ثم لا يفعل؛ فكيف يُقَدَّر عليه خلاف هذا الأمر؟
فلم يُفَرِّقوا بين ما أراده الله كونًا وما أراده دينًا وشرعًا؛ فقد يأمر الله ﷿ بأمر دينًا وشرعًا، ولكن يُقَدِّر على العبد خلافه، فالله أمر العبد أن يصلي، ولكن العبد قد يَعصي ويترك الصلاة، فهؤلاء ضاقت عقولهم عن التفريق بين ما أراده كونًا وما أحبَّه شرعًا، فليس كلُّ ما أراده أحبَّه، وليس كل ما أحبَّه أراده، فيجب التفريق بين البابين.
فهؤلاء لم يستوعبوا هذه المسألة، كما ضاق في المقابل على المعتزلة ونحوهم من القدرية فَهم ذلك؛ فلم يستوعبوا هذا الأمر في الفرق بين ما أحبَّه وبَيْن ما أراده.
وأمَّا في الجانب الديني الشرعي:
فالمعتزلة: أثبتت الأمر والنهي الشَّرعيين؛ فَعُرف عنهم إثبات الأمر والنهي الشرعيين؛ فعَظَّموا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهم في باب الإيمان ليسوا بمرجئة؛ فظهر منهم تعظيم الأمر والنهي، وإن كانوا قد أخطأوا من وجه آخر، ففي القضاء والقدر هم قَدَرية، إذ أنكروا قدرة الله في فعل العبد، لكنهم عظموا الأمر والنهي
[ ١٥١ ]
الشرعيين، فقالوا: الإيمان: قول واعتقاد وعمل.
وهؤلاء المتصوفة: أثبتوا القضاء والقدر، ولكن نفوا الأمر والنهي في حقِّ مَنْ شَهِد القَدَر.
فعندهم إذا وصل الواحد منهم إلى مرحلة الشهود، فعند ذلك لا أمر ولا نهي عليه.
ولمَّا لم يُمكنهم نفي ذلك مطلقًا، أبقوه للعوام كأمر ونهي، وأسقطوه عن الخواص.
فإذن: قول هؤلاء شر من قول المعتزلة، لأن إسقاط الأوامر والنواهي إسقاط للدِّين، وإذا أسقطت شعائر الدين الظاهرة .. ماذا يبقى من حال الأمة؟!
قال المصنف: «لهذا لم يكن في السلف من هؤلاء أحد»، أي: لم يقل أحد من السلف بقول هؤلاء، الذين يجعلون الأمر والنهي للمَحجوبين عن الكشف والشهود. وهذا فيه احتقار وتقليل للأمر والنهي، وبالتالي أصبحت العبادات في نظرهم دينًا للعوام، ويقولون: أنتم أهل الشريعة، ونحن أهل الحقيقة، وأنتم العوام ونحن الخواص، وأنتم الذين حجبتم، ونحن الذين شهدنا!
وهذا ما يُبررون به باطلهم.
ولذلك ما أصبح للأمر والنهي أي وزن- أو قيمة- في نفوس هؤلاء، وقال عنهم المصنف: «ولهذا يجعلون مَنْ وصل إلى شهود هذه الحقيقة يَسقط عنه الأمر والنهي، ويقولون: إنه صار من الخاصَّة، وربما تأولوا على ذلك قول الله تعالى: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ [الحجر: ٩٩]»، وفسَّروا اليقين بالحقيقة الكونية، فقالوا: إذا وصلت إلى مرحلة الشهود سقطت عنك التكاليف.
* * *
[ ١٥٢ ]