شرع المصنف ﵀ في ذكر عدد من العوائق تتسبب في نقص إيمان العبد وبُعده عن عبوديته لله ﷿، ومن تلك العوائق: ضعف الإخلاص، كما قال عبد الله بن المبارك: «رُبَّ عملٍ صغير تُعَظِّمُه النِّيَّة، ورُبَّ عملٍ كبيرٍ تُصَغِّرهُ النيَّة» (^١)، يقولُ الفُضَيلُ بنُ عِياضٍ ﵀: «إنَّما يريدُ اللهُ ﷿ مِنْكَ نِيَّتَكَ وإرادتَكَ» (^٢).
فالإنسان لا بد أن يُخلص العبودية لله ﷿، لكن هناك عوارض وموانع وهذه العوارض والموانع في غالب الأمر تأتي من نفس الإنسان، بحكم تعلُّقه بأمر من أمور الدنيا؛ فيقع منه الإخلال بالعبودية، وهذا الإخلال إمَّا أن يقع في الإخلاص، وإما أن يقع في المتابعة.
فَلِكَي يستقيم أمرُ الإخلاص ويستقيم أمر المتابعة لا بد من النظر في هذه العوارض والموانع في ذات النفس ومُعالجتها، وهذا الخَلل قد يكون في طريقة التفكير، أو في استجابة الإرادة، والقلبُ يُراد به كلا الأمرين: أمر الفكر والنَّظر، وأمر الإرادة والعمل.
فإذا كان أمرُ الفِكر والنَّظر متعلقًا بأمور الدنيا وزهرتها
_________________
(١) أورده ابنُ أبي الدُّنيا في «الإخلاص والنِّيَّة» (ص ٧٣)، دار البشائر، الطبعة الأولى.
(٢) أورده ابنُ أبي الدُّنيا في «الإخلاص والنِّيَّة» (ص ٧٤).
[ ٢٣٥ ]
وأحوالها، فهذا مانع قد يحجز العبد عن تحقيق الإخلاص لله ﷾، ومن ثم يدخل الشرك الخفي في النفس؛ فلو كان هناك مطمع في مدح أو ثناء أو جاه أو مال أو رئاسة أو نحو ذلك من مطامع الدنيا، فهذا المطمع قد يحمل العبد على عدم الإخلاص في هذا العمل، وقد يمنعه عن اتباع الشرع.
كذلك الحال في الهوى، أَلَا ترى إلى ذلك الشخص الذي ينشغل بتجارته حتى إنه من انشغاله بتجارته قد لا يُصلي، فلا يُغلق مَحِلَّه، ولا يَستجيب لداعي الله ﷾.
وذاك الشخص الذي يأتي إلى الصلاة وهو مُنشغل بأمر الدنيا، فيصلي ويركع ويسجد ولكن لا يَدري ماذا صَلَّى؟ ولا ماذا سَبَّح؟ ولا ماذا قرأ الإمام؟ كل ذلك لانشغاله بأمر الدنيا.
فهذه الموانع لا بد من استعراضها وبيانها، وقد أشار المصنف هنا إلى ما رواه أَبو موسى الأشعري؟ قَالَ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا هَذَا الشِّرْكَ؛ فَإِنَّهُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ!». فَقَالَ لَهُ مَنْ شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ: وَكَيْفَ نَتَّقِيهِ وَهُوَ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «قُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ نُشْرِكَ بِكَ شَيْئًا نَعْلَمُهُ، وَنَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا نَعْلَمُه» (^١)، وهذا يعني أن العبد لا تستطيع أن يبرئ نفسه من مثل هذا الحال؛ لأنه قد يقع فيها وهو لا يَشعر، فلا بد إذًا من أخذ الحيطة والحذر، ولا بد أن يكون الإنسان على دراية بهذه الموانع التي قد تُفسد عليه أمر دينه وعبادته.
_________________
(١) أخرجه أحمد في «المسند» (١٩٦٢٢)، والطبراني في «الأوسط» (٣٤٧٩)، وحسنه العلامة الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٦).
[ ٢٣٦ ]
ثم معلوم أنَّ للقلب أعمالًا، وهذه الأعمال لا بد من تحقيقها فيما يتعلق بحقِّ الله ﷾، فمتى ما قامت هذه الأعمال في قلبه كانت سببًا لاستكماله لطاعة الله ﷾، واستكماله للدرجات العلى والمنازل الرفيعة التي أعدَّها الله ﷾ للمخلصين من عباده.
* * *
[ ٢٣٧ ]