الناس متفاوتون في نظرتهم إلى مفهوم العبادة؛ سواء في فَهم حقيقتها، أو في أدائها، فذكر هنا شيخ الإسلام أن بعض الطوائف قد تترك المستحبات من الأعمال، ويكتفون بفعل الواجبات.
وهذا ملموس مشاهد؛ فترى كثيرًا من الناس يقتصرون في أداء العبادات على ما كان من الواجبات، ثم يتركون النوافل والمستحبات من الأعمال، وهو لا يَعلم ما في هذه النوافل والمستحبات من جبر لما وقع من نقص في عبادته الواجبة؛ فكان من حكمة الله ﷿ ولطفه بعباده: أن جعل مع كل واجب نوعًا من المستحبات والنوافل من جنسه، ولذلك تجد الصلاة لها نوافل؛ منها ما هي سنن مؤكدة، ومنها ما هي مستحبة غير مؤكدة، وهكذا الصيام، والزكاة، والحج، فكل واجب من الواجبات تجد معه جملة من النوافل ليتزود العبد من الخير، وليكون ذلك جبرًا لما وقع من نقص في فريضته.
والناظر إلى أحوال الناس في الصلاة- مثلًا- يرى كيف أن بعض الناس بمجرد أن يُكَبِّر تكبيرة الإحرام- قد يخرج من الصلاة وهو لا يدري ماذا قرأ الإمام؟ ولا ماذا صَلَّى؟ حتى قد يسهو الإمام في صلاة الجماعة ولا يُنبهه أحد؛ لكثرة ما يشغل بال المُصَلِّين،
[ ١٩٣ ]
ولذلك قال رسول الله ﷺ: «إنَّ الرجل ليَنصرف وما كُتِب له إلا عُشر صلاته، تُسْعُها، ثُمُنها، سُبُعها، سُدُسها، خُمُسها، رُبُعها، ثُلُثها، نصفها» (^١).
فالعبد قد لا يُقبل من صلاته إلا القليل، وقد لا يخرج بشيء من صلاته، مع أنه حرص على حسن التطهر وإسباغ الوضوء والخروج إلى الجماعة، ولكن بمجرد نطقه بتكبيرة الإحرام تأتيه وساوس الشيطان، ويصرفه عن صلاه حتى لا يخرج منها إلا بيسير من الأجر.
ولذلك هو في حاجة إلى جبر هذا النقص وسد هذا الخلل، وهذا لا يكون إلا بأداء النوافل، ولذلك قال رسول الله ﷺ: «إنَّ أَوَّل ما يحاسب به العبدُ يوم القيامة مِنْ عمله صلاتُه؛ فإن صَلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فَسَدت فقد خَابَ وخَسِر، فإن انتقص مِنْ فريضته شيءٌ، قال الربُّ ﷿: انظروا هل لعبدي مِنْ تطوع؟ فيُكمل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائرُ عمله على ذلك» (^٢).
فالصلاة أعظم الأعمال بعد الشهادتين، وهي أول ما يحاسب عليها العبد يوم القيامة، ولعظم شأنها كان جزاء مَنْ لا يَستنزه من بوله، ويفرط في أمر طهارته لها: أن يُعَذَّب في قبره؛ لأن الصلاة لا تصح إلا بالطهارة؛ ففي الحديث أن النبي ﷺ وقف على قبرين، وقال: «إنما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة» (^٣)، وكذلك قال
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٧٩٦)، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٧٦١).
(٢) أخرجه أبو داود (٨٦٤) والترمذي (٤١٣) من حديث أبي هريرة؟، وصححه الألباني في «المشكاة» (١٣٣٠).
(٣) أخرجه البخاري (٢١٨) ومسلم (٢٩٢) من حديث ابن عباس ﵄.
[ ١٩٤ ]
النبيُّ ﷺ: «أَوَّلُ ما يُقضى بين النَّاس في الدِّماء» (^١)، والنميمة بين الناس هي التي تُوَلِّد الشحناء، ثم يتولد من هذه الشحناء استباحة الدماء، فلذلك يُعَذَّب النَّمَّام في قبره.
فالعبد يعلم أنه مهما اجتهد في أداء الواجبات فلا بد أن يقع منه تقصير، وهو يعلم كذلك أن جميع عبادته لا تساوي أن تكون ثمنًا لمَّا أعده الله ﷿ من ثواب للعبد المؤمن.
فهؤلاء الذين تركوا المستحبات من الأعمال دون الواجبات- ينقص أجرهم بقدر ما تركوا من هذه المستحبات.
فعلى العبد أن يَلزم هذه المستحبات وهذه النوافل وهذه السُّنن، وهي- بإذن الله- جبر لما نَقص من واجباته، وزيادة في درجاته، ورفعة له وخير وإحسان ونور في ذات نفسه.
وليعلم العبد أن حياة القلوب إنما هي بهذه الأعمال الصالحة؛ فبَقدر ما يعمر أوقاته بتلك الأعمال الصالحة بقدر ما يَعمر الإيمان قلبه ويزداد فيه، وهذا الإيمان نور يتلألأ في قلب المؤمن، كما قال الله ﷿: ﴿الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم﴾ [النور: ٣٥].
فهذا المَثَل ضربه الله لنور الإيمان في قلب المؤمن؛ قال الحكيم الترمذي: «ضربَ الْمثل لنوره فِي قلب الْمُؤمن؛ ليُعلمه قدره ومنزلته، فدَلَّه بالحاضر على مَا أعد لَهُ فِي الآجل … فَكَلَام المؤمن نور، وَعَمله نور، وَظَاهره نور، وباطنه نور، ومدخله فِي الْأَعْمَال
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٨٦٤) ومسلم (١٦٧٨) من حديث عبد الله بن مسعود؟.
[ ١٩٥ ]
نور، ومخرجه مِنْهَا نور، ومَصيره يَوْم الْقِيَامَة إِلَى النُّور» (^١).
فحريٌّ بالمؤمن أن يُدرك هذه الحقيقة، وأن يُنير قلبه بهذه الأعمال الصالحة؛ فيحرص على واجباته ويحافظ عليها ويؤديها، ثم يتزود من النوافل والمستحبات والسنن، فإذا تمكن هذا النور من قلب المؤمن كان هذا عونًا له على مزيد من الطاعات حتى يألفها؛ فيأنس بها ويسعد.
أما من يتكاسل عنها فتثقل عليه، ويشق فعلها على نفسه.
ونحن نرى الرجل المسن المريض يحرص على صيام التطوع بخلاف الشاب الجلد القوي الذي يثقل عليه صوم يوم من الأيام، وكذلك في سائر الأعمال.
فعلى العبد أن يطلب العون والتوفيق من الله، ولذلك قال النبي ﷺ لمعاذ: «يا معاذ، والله إني لأحبك، والله إني لأحبك»، فقال: «أُوصيك يا معاذ: لا تَدَعَنَّ في دُبر كلِّ صلاة تقول: اللهم أَعِنِّي على ذِكرك وشُكرك وحُسن عبادتك» (^٢).
فالله يعين العبد الذي أراد طاعته ورغب فيها ويقبل عمله ويجزيه عليه الأجر الجزيل؛ لم لا وهو القائل سبحانه: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ [الرحمن: ٦٠]، والقائل ﷻ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠].
* * *
_________________
(١) «الأمثال من الكتاب والسُّنَّة» للحكيم الترمذي (ص ٣٦) بتصرف يسير واختصار، دار ابن زيدون- بيروت- دمشق.
(٢) أخرجه أحمد (٢٢١٧٢)، وأبو داود (١٥٢٢)، وصححه الألباني في «المشكاة» (٩٤٩).
[ ١٩٦ ]