ذكر المصنف معوقًا آخر من معوقات تحقيق العبودية لله، وهو تعلق القلب بأمر من أمور الدنيا لدرجة تُنسيه حقَّ الله عليه، وهو التعلق بالرئاسة.
وحبُّ الرئاسة هي شهوة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بحبِّ الظهور، وهي التي حَذَّر منها رسولُ الله ﷺ بقوله: «إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة؛ فنِعم المرضعةُ وبئست الفاطمةُ» (^١).
وقوله: «نعم المرضعة» وذلك أولها؛ لأنَّ معها المال والجاه والسلطة، وقوله: «بئس الفاطمة» أي: آخرها؛ لأنَّ معه القتل والعزل في الدنيا والحسرة والتبعات يوم القيامة، وقد بيَّن النبيُّ ﷺ عواقب الرئاسة ومراحلها الثلاث في قوله: «إن شئتم أنبأتكم عن الإمارة وما هي: أولها ملامة، وثانيها ندامة، وثالثها عذاب يوم القيامة إلا مَنْ عَدَلَ» (^٢).
بل قال ﷺ لرجلين سَأَلَاه الإمارةَ: «إنَّا لا نولِّي هذا مَنْ سأله، ولا مَنْ حرص عليه» (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧١٤٨) من حديث أبي هريرة؟.
(٢) أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٣٢) من حديث عوف بن مالك؟، وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٥٦٢).
(٣) أخرجه البخاري (٧١٤٩) ومسلم (١٧٣٣) من حديث أبي موسى؟.
[ ٢٤٢ ]
ومدح رسول الله ﷺ صنفًا من الناس وهم الذين لا يَعنيهم ولا يَشغل فكرهم سوى رضا الله ﷾؛ سواء كانوا ظاهرين أم مُستترين، وفي المقدمة أو في المؤخِّرة، وذلك بقوله ﷺ: «طُوبى لعبدٍ آخذٍ بِعِنان فرسه في سبيل الله، أشعثَ رأسُه، مُغْبَرَّة قدماه؛ إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في السَّاقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شَفع لم يُشفَّع» (^١).
وقال النبيُّ ﷺ: «ما ذئبان جائعان أُرْسِلَا في غَنَمٍ بأفسدَ لها مِنْ حرص المرء على المال والشَّرف لدينه» (^٢).
قال ابن رجب: «فأخبر النبيُّ ﷺ أن حرص المرء على المال والشرف إفساده لدينه بأقل من إفساد هذين الذئبين لهذه الغنم، بل إمَّا أن يكون مساويًا وإما أن يكون أزيد، يشير إلى أنه لا يسلم من دين المرء مع حرصه على المال والشرف في الدنيا إلا القليل، كما أنه لا يَسْلَم من الغنم مع إفساد الذئبين المذكورين فيهما إلا القليل، فهذا المَثَل العظيم يتضمن غاية التحذير من شرِّ الحرص على المال والشرف في الدنيا» (^٣).
قال سفيان الثوري ﵀: «ما رأيتُ الزهدَ في شيء أقل منه في الرئاسة، ترى الرجل يزهد في المطعم والمشرب والمال والثياب، فإن نوزع الرئاسة حامى عليها وعادى» (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٨٨٧) من حديث أبي هريرة؟، وقد تقدم أَوَّلُه، وهو قوله ﷺ: «تَعِس عبدُ الدِّينار …».
(٢) أخرجه الترمذي (٢٣٧٦) والدارمي (٢٧٧٢) من حديث كعب بن مالك؟، وصححه الألباني في «المشكاة» (٥١٨١).
(٣) «شرح حديث ما ذئبان جائعان» (ص ٣١).
(٤) «سير أعلام النبلاء» (٧/ ٢٦٢).
[ ٢٤٣ ]
وقال يوسف بن أسباط: «الزهد في الرئاسة أشد من الزهد في الدنيا» (^١).
وكان السلفُ ﵏ يُحَذِّرون مَنْ يحبون منها؛ فقد كتب سفيان إلى صاحبه عبَّاد بن عبَّاد رسالة فيها: «إيَّاك وحب الرئاسة، فإن الرجل تكون الرياسة أحبَّ إليه من الذهب والفضة، وهو بابٌ غامض لا يُبصره إلا البصير من العلماء السماسرة؛ فتَفقَّد نفسك واعمل بنية» (^٢).
وقال أيوب السختياني: «ما صدق عبد قط فأحبَّ الشهرةَ» (^٣).
وقال بشر بن الحارث: «ما اتَّقى اللهَ مَنْ أحبَّ الشهرة» (^٤).
وقال يحيى بن معاذ: «لا يفلح مَنْ شممت رائحة الرياسة منه» (^٥).
وقال شدَّاد بن أوس؟: «يا نعايا للعرب، إنَّ أخوف ما أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفية» (^٦).
قيل لأبي داود السجستاني: ما الشهوة الخفية؟ قال: «حبُّ الرئاسة» (^٧).
قال ابن تيمية مُعَقِّبًا: «فهي خفية، تخفى عن الناس، وكثيرًا ما
_________________
(١) أخرجه الدينوري في «المجالسة وجواهر العلم» (١/ ٣٩٦) برقم (٩٥).
(٢) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٦/ ٣٧٦)، وانظر «تفسير سفيان الثوري» (ص ١٩).
(٣) أخرجه ابن الجعد في «مسنده» (ص ١٩٠)، وانظر: «سير أعلام النبلاء» (٦/ ٢٠).
(٤) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٨/ ٤٧٦)، وانظر: «سير أعلام النبلاء» (١٠/ ٤٧٦).
(٥) «سير أعلام النبلاء» (١٣/ ١٥).
(٦) أخرجه الفسوي في «المعرفة والتاريخ» (١/ ٣٥٦).
(٧) أخرجه الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» (١٠/ ٧٥).
[ ٢٤٤ ]
تخفى على صاحبها» (^١).
فالنفس قد تميل إلى الترأس وإلى التصدر، وإلى أن يكون لها منزلة ومكانة بين الناس، فعلى الإنسان أن يَعلم أن هذا الأمر فيه مَفسدة وشر على نفسه؛ فلا يستشرف إليه ولا يطلبه، وكما جاء في الحديث المنع من هذه الأمور، فإن الإنسان لا يَنبغي أن يسألها، وإن كان العلماء قد فَصَّلوا في هذا، كما كان حال يوسف ﵇؛ حين قال للمَلِك: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥].
لكن في حاصل الأمر: أن الإنسان لا يسأل هذه الرئاسة ولا يَطلبها، وخاصة إذا كان فيه من الضعف ما لا يستطيع معه تحمل أعبائها، ولكن تبقى عنده نوازع إليها في نفسه، فالواجب عليه أن يَكبح جماحها، وأن لا تكون الرئاسة غاية مقصودة لذاتها، وأمَّا إذا ابتلي بها العبد من غير طلب منه- فسَيُعان عليها؛ فعن عبد الرحمن بن سمرة؟، قال: قال لي رسول الله ﷺ: «يا عبدَ الرَّحمن بن سَمُرة، لا تسأل الإمارة؛ فإن أُعطيتها عن مَسألة وُكِلت إليها، وإن أُعطيتها عن غير مسألة أُعِنت عليها» (^٢).
وهذا أمر كوني قدري قد يَبتلي اللهُ ﷿ العبدَ به؛ قال الله تعالى: ﴿قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء﴾ [آل عمران: ٢٦].
واعلم أنَّ غالب هؤلاء الذين هم في الرئاسات يعيشون في كدر؛ حتى تَفنى أعمارُهم، ولا يجدون طعمًا للراحة؛ فالرئاسة جعلتهم في الحقيقة محكومين وليس حاكمين؛ لما يتحملونه من أعباء
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (١٦/ ٣٤٦).
(٢) أخرجه البخاري (٧١٤٧) ومسلم (١٦٥٢).
[ ٢٤٥ ]
ومسئوليات دنيوية، فضلًا عن حسابهم في الآخرة؛ قال رسول الله ﷺ: «كلُّكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» (^١).
فحال الإنسان أنه يسعى إلى ما قد يكون فيه تعاسته وهلاكه وانتكاسته، ويظن أن فيه لذته وسعادته، بينما اللذة الحقيقية هي في القُرب من الله ﷿ بعبادته والأنس بطاعته.
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨٩٣) ومسلم (١٨٢٩) من حديث ابن عمر ﵄.
[ ٢٤٦ ]