قال المصنف ﵀: «نعم، قد يسْلك المُحب- لضعف عقله وفَسَاد تصَوره- طَرِيقًا لَا يحصل بهَا المَطْلُوب. فَمثل هَذِه الطَّرِيق لَا تُحمد إِذا كَانَتْ المحبَّة صَالِحَة محمودة، فَكيف إِذا كَانَتْ المحبَّة فَاسِدَة والطَّرِيق غير موصل؟! كَمَا يَفْعَله المتهورون فِي طلب المَال الرِّئَاسَة والصور، من حبِّ أُمُور تُوجب لَهُمْ ضَرَرًا، ولَا تحصل لَهُمْ مَطْلُوبًا، وإِنَّمَا المَقْصُود الطّرق الَّتِي يَسلكها العقل السَّلِيم لحُصُول مَطْلُوبه.
إِذا تبين هَذَا، فَكلما ازْدَادَ القلب حبًّا لله ازْدَادَ لَهُ عبودية، وكلما ازْدَادَ لَهُ عبودية ازْدَادَ لَهُ حبًّا وفضَّلَه عَمَّا سواهُ. والقلب فَقير بِالذَّاتِ إِلَى الله مِنْ وَجْهَيْن: من جِهَة العِبَادَة، وهِي العلَّة الغائية، ومن جِهَة الِاسْتِعَانَة والتوكل، وهِي العلَّة الفاعلة. فالقلب لَا يصلح، ولَا يفلح، ولَا ينعم، ولَا يسر، ولَا يلتذ، ولَا يطيب، ولَا يَسكن، ولَا يطمئن إِلَّا بِعبَادة ربه وحبه والإنابة إِلَيْهِ، ولَو حصل لَهُ كل مَا يلتذ بِهِ من المَخْلُوقَات لم يَطمئن ولم يَسكن؛ إِذْ فِيهِ فقر ذاتي إِلَى ربِّه، ومن حَيْثُ هُو معبوده ومحبوبه ومطلوبه، وبِذَلِك يحصل لَهُ الفَرح والسُّرُور واللذة والنِّعْمَة والسكون والطمأنينة».
جمع الله ﷾ بين العبادة والاستعانة في قوله تعالى: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥]، قال ابن كثير في تفسيرها: «أي: لا نَعبد إلا إيَّاك، ولا نَتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة.
[ ٢٩٤ ]
والدِّين يَرجع كله إلى هذين المَعنيين، وهذا كما قال بعض السلف: الفاتحة سِرُّ القرآن، وسِرُّها هذه الكلمة: ﴿إياك نَعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥]؛ فالأول: تَبرؤ من الشرك، والثاني: تَبرؤ من الحول والقوة والتفويض إلى الله ﷿. وهذا المعنى في غير آية من القرآن؛ كما قال تعالى: ﴿فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون﴾ [هود: ١٢٣]، ﴿قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا﴾ [الملك: ٢٩]، ﴿رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلًا﴾ [المزمل: ٩]، وكذلك هذه الآية الكريمة: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥]» (^١).
ويذكر ابنُ القَيِّم أنَّ «سِرَّ الخلق والأمر والكتب والشرائع، والثواب والعقاب؛ انتهى إلى هاتين الكلمتين، وعليهما مدار العبودية والتوحيد؛ فإن الله تعالى أنزل الكتب، ثم جمع معانيها في القرآن الكريم، وأنزل القرآن فجمع معانيه في فاتحة الكتاب، ثم أنزل الفاتحة وجمع معانيها في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾.
وهما الكلمتان المَقسومتان بين الربِّ وبين عبده نَصفين؛ فنصف له سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، ونصف لعبده وهو: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾» (^٢).
وقد تضمنت هذه الآية الكريمة أصول التَّوحيد في نوعين:
النوع الأول: توحيد العبادة المتعلق بحقِّ ألوهيته ﷾؛ قال جل وعلا: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٨٤].
النوع الثاني: توحيد الاستعانة: وهو مُتعلق بحقِّ ربوبيته جل
_________________
(١) «تفسير ابن كثير» (١/ ١٣٤، ١٣٥).
(٢) «مدارج السالكين» (١/ ٩٥).
[ ٢٩٥ ]
جلاله؛ بحيث لا يُستعان ولا يُستغاث إلا به جل وعلا، ولا يُدعى ولا يتوكل إلا عليه وحده؛ لأن الأمر كله بيده، وقد جمعهما الله في مثل قوله تعالى: ﴿وللهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣].
* * *
[ ٢٩٦ ]