قال المصنف ﵀: «وكل المَشَايِخ الَّذين يُقْتَدى بهم فِي الدَّين مُتَّفقون على مَا اتَّفق عَلَيْهِ سلفُ الأمة وأئمتها: مِنْ أَنْ الخَالِق سُبْحَانَهُ مُباين للمخلوقات، ولَيْسَ فِي مخلوقاته شَيْء مِنْ ذَاته، ولَا فِي ذَاته شَيْء من مخلوقاته، وأَنَّه يجب إِفْرَاد القَدِيم عَنْ الحَادِث، وتمييز الخَالِق عَنْ المَخْلُوق، وهَذَا فِي كَلَامهم أَكثر مِنْ أَنْ يُمكن ذِكره هُنَا.
وهم قد تكلمُوا على مَا يَعرض للقلوب من الأَمْرَاض والشُّبهات، فَإِنَّ بعض النَّاس قد يَشْهد وجود المَخْلُوقَات؛ فيَظنه خَالق الأَرْض والسَّمَاوات- لعدم التَّمْيِيز والفُرْقَان فِي قلبه- بِمَنْزِلَة مَنْ رأى شُعَاع الشَّمْس فَظن أَنْ ذَلِك هُو الشَّمْس الَّتِي فِي السَّمَاء.
وهم قد يَتَكَلَّمُونَ فِي الفرق والجمع، ويدخل فِي ذَلِك من العبارَات المُخْتَلفَة نَظِير مَا دخل فِي الفناء.
فَإِنْ العَبْد إِذا شهد التَّفْرِقَة والكَثْرَة فِي المَخْلُوقَات- يبْقى قلبُه مُتَعَلقًا بهَا مشتتًا نَاظرًا إِلَيْهَا، وتعلقه بهَا؛ إِمَّا محبَّة، وإِمَّا خوفًا، وإِمَّا رَجَاء، فَإِذا انْتقل إِلَى الجمع اجْتَمع قلبه على تَوْحِيد الله وعبادته وحده لَا شريكَ لَهُ، فَالتَفت قلبه إِلَى الله بعد التفاته إِلَى المخلوقين؛ فَصَارَت محبته إِلَى ربِّه، وخوفه من ربِّه، ورجاؤه لرَبِّه، واستعانته بربه، وهُو فِي هَذَا الحَال قد لَا يَسع قلبه النَّظر إِلَى المَخْلُوق؛ ليفرق بَين الخَالِق والمخلوق، فقد يكون مجتمعًا على الحقِّ مُعرضًا
[ ٣٤٨ ]
عَنْ الخلق نظرًا وقَصدًا، وهُو نَظِير النَّوْع الثَّانِي من الفناء.
ولَكِن بعد ذَلِك الفرق الثَّانِي، وهُو أَنْ يشْهد أَنْ المَخْلُوقَات قَائِمَة بِاللهِ، مدبرة بأَمْره، ويشْهد كثرتها مَعْدُومَة بوحدانية الله ﷾، وأَنه سُبْحَانَهُ رب المصنوعات وإلهها وخالقها ومالكها؛ فَيكون- مَعَ اجْتِمَاع قلبه على الله إخلاصًا ومحبة وخوفًا ورجاء واستعانة وتوكلًا على الله وموالاة فِيهِ ومعاداة فِيهِ وأمثال ذَلِك- نَاظرًا إِلَى الفرق بَين الخَالِق والمخلوق مُمَيِّزًا بَين هَذَا وهَذَا، يشْهد تفَرُّق المَخْلُوقَات وكَثْرَتهَا، مَعَ شَهَادَته أَنَّ الله رب كل شَيْء ومليكه وخالقه، وأَنه هُو الله لَا إِلَه إِلَّا هُو.
وهَذَا هُو الشُّهُود الصَّحِيح المُسْتَقيم، وذَلِكَ واجِب فِي عِلم القلب وشهادته وذِكره ومعرفته، وفِي حَال القلب وعبادته وقصده وإرادته ومحبته وموالاته وطاعته.
وذَلِكَ تَحْقِيق شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا الله؛ فَإِنَّهَا تَنْفِي عَنْ قلبه ألوهية مَا سوى الحق، وتُثبت فِي قلبه ألوهية الحق.
فَيكون نافيًا لألوهية كلِّ شَيْء من المَخْلُوقَات مثبتًا لألوهية ربِّ العَالمين ورب الأَرْض والسَّمَاوات، وذَلِكَ يتَضَمَّن اجْتِمَاع القلب على الله، وعَلى مُفَارقَة مَا سواهُ؛ فَيكون مفرقًا فِي علمه وقصده، فِي شَهَادَته وإرادته، فِي مَعْرفَته ومحبته: بَين الخَالِق والمخلوق؛ بِحَيْثُ يكون عَالمًا باللهِ تَعَالَى، ذَاكِرًا لَهُ، عَارِفًا بِهِ. وهُو مَعَ ذَلِك عَالم بمباينته لخلقه وانفراده عَنْهُم وتوحده دونهم، ويكون محبًّا لله مُعظمًا لَهُ عابدًا لَهُ راجيًا لَهُ خَائفًا مِنْهُ محبًّا فِيهِ مواليًا فِيهِ معاديًا فِيهِ مستعينًا بِهِ متوكلًا عَلَيْهِ، مُمْتَنعًا عَنْ عبَادَة غَيره والتوكل عَلَيْهِ والاستعانة بِهِ
[ ٣٤٩ ]
والخَوْف مِنْهُ والرجاء لَهُ والموالاة فِيهِ والمعاداة فِيهِ والطَّاعَة لأَمره، وأمثال ذَلِك مِمَّا هُو من خَصَائِص إلهيَّة الله ﷾».
أجمع أهل السنة والجماعة واتفق سلف الأمة وأئمتها، ولا خلاف بين الأمم: أن الله- جل وعلا- بائن من خلقه ﷾، ليس فيه شيء من خلقه، ولا في خلقه شيء منه، إلا مَنْ انحرف عن سبيل الأنبياء والمرسلين من النصارى ومَن شابههم من أهل الحلول والاتحاد الذين جعلوا الله -جل وعلا- يحلُّ في المخلوقات، أو تحل فيه بعض المخلوقات.
وهؤلاء المشايخ قد تكلموا على ما يَعرض للقلوب من الأمراض والشبهات، فإن بعض الناس قد يشهد وجود المخلوقات، فيظنه خالق الأرض والسماوات؛ لعدم التمييز والفرقان في قلبه، بمنزلة من رأى شعاع الشمس فظن أن ذلك هو الشمس التي في السماء، فيشتبه على هؤلاء هذا الكلام، وهم في أصل قولهم أهل فساد، وإلا لما اشتبه عليهم هذا الاشتباه الذي لا يقوله أحد، ولا يُقره عقل، ولا يعتقده قلب سليم، ولا يؤمن به من شَمَّ رائحة العلم الصحيح القائم على الكتاب والسنة، لكن ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥].
وقول المصنف: «فإذا انتقل إلى الجمع اجتمع قلبه على توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، فالتفت قلبه إلى الله بعد التفاته إلى المخلوقين»، المراد بالجمع هنا: أن يجمع قلبه على أن الخير كله في يد الله ﷿، وأنه ما مِنْ فَضل ولا بِر ولا إحسان ولا نعمة ولا رحمة تصل إليه إلا من قِبَل الله ﷾، ويَغيب بهذا عن الأسباب
[ ٣٥٠ ]
التي قدَّرها الله- جل وعلا- توصل إلى المقصود ويحصل بها هذه المقدرات، فيلغي النظر إلى الأسباب، ويجمع نظره فيما عند الله ﷻ، وهذا كما قال المصنف: «نظير النوع الثاني من الفناء»؛ الذي هو نوع نقص. والكمال: أن يعتقد العبد أنه لا مانع لما أعطى ولا مُعطي لما منع، وأن الخير كله في يديه، وأنه جل وعلا قد قدَّر الأشياء بأسبابها، فلا بد من أخذ الأسباب في تحصيل المطالب والمقدَّرات.
ولكن بعد ذلك الفرق الثاني: يشهد تفرق المخلوقات وكثرتها، مع شهادته أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، وأنه هو الله لا إله إلا هو، وهذا هو الشهود الصحيح المستقيم، وذلك واجب في علم القلب وشهادته وذكره ومعرفته، وفي حال القلب وعبادته وقصده وإرادته ومحبته وموالاته وطاعته.
وذلك تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، فإنها تنفي عن قلبه ألوهية ما سوى الحق وتثبت في قلبه ألوهية الحق، فيكون نافيًا لألوهية كل شيء من المخلوقات، ومثبتًا لألوهية رب العالمين رب الأرض والسماوات.
وذلك يتضمن اجتماع القلب على الله وعلى مفارقة ما سواه؛ فيكون مفرِّقًا- في علمه وقصده، في شهادته وإرادته، في معرفته ومحبته- بين الخالق والمخلوق، بحيث يكون عالمًا بالله تعالى ذاكرًا له عارفًا به، وهو مع ذلك عالم بمباينته لخلقه وانفراده عنهم، وتوحده دونهم، ويكون محبًّا لله معظمًا له، عابدًا له …
وفي هذا ردٌّ على المبتدعة من الصوفية الذين جعلوا الغاية والمنتهى: تحقيق توحيد الربوبية، وذلك بأن يشهد العبد أن الله هو
[ ٣٥١ ]
الخالق وأنه هو الصانع،، وهذا النوع من التوحيد لم ينكره مشركو العرب؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ * اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١ - ٦٣].
والحقيقة: أنه لا يَستحق العبودية إلَّا مَنْ كان ربًّا مالكًا خالقًا مدبِّرًا، فالإيمان بأنه لا إله إلا الله- يتضمن الإيمان بأنه- ﷾ خالق كل شيء، والإيمان بربوبيته يقتضي توحيد العبادة؛ فمنتهى الأمر هو تحقيق العبادة لله ﷿، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].
* * *
[ ٣٥٢ ]