قال المصنف ﵀: «ولنْ يَسْتَغْنِي القلب عَنْ جَمِيع المَخْلُوقَات، إِلَّا بِأَنْ يكون الله هُو مَوْلَاهُ الَّذِي لَا يَعبد إِلَّا إِيَّاه ولَا يَسْتَعِين إِلَّا بِهِ، ولَا يتوكل إِلَّا عَلَيْهِ، ولَا يفرح إِلَّا بِمَا يُحِبهُ ويرضاه، ولَا يكره إِلَّا مَا يُبغضه الربُّ ويكرهه، ولَا يوالى إِلَّا مَنْ والَاهُ الله، ولَا يُعادي إِلَّا مَنْ عَادَاهُ الله، ولَا يحب إِلَّا لله، ولَا يبغض شَيْئًا إِلَّا لله، فَكلما قوي إخلاص دينه لله كملت عبوديته لله، واستغناؤه عَنْ المَخْلُوقَات، وبكمال عبوديته لله تكمل تبرئته من الكبر والشِّرك.
والشرك غَالب على النَّصَارَى، والكبر غَالب على اليَهُود؛ قَالَ تَعَالَى فِي النَّصَارَى: ﴿اتَّخذُوا أَحْبَارهم ورُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله والمسيح ابْن مَرْيَم ومَا أمروا إِلَّا ليعبدوا إِلَهًا واحِدًا لَا إِلَه إِلَّا هُو سُبْحَانَهُ عَمَّا يشركُونَ﴾ [التَّوْبَة: ٣١]، وقَالَ فِي اليَهُود: ﴿أفكلما جَاءَكُم رَسُول بِمَا لَا تهوى أَنفسكُم استكبرتم ففريقًا كَذبْتُمْ وفريقًا تقتلون﴾ [البَقَرَة: ٨٧]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿سأصرف عَنْ آياتي الَّذين يتكبرون فِي الأَرْض بِغَيْر الحق وإِن يرَوا كل آيَة لَا يُؤمنُوا بهَا وإِن يرَوا سَبِيل الرشد لَا يتخذوه سَبِيلًا وإِن يرَوا سَبِيل الغي يتخذوه سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٥]».
قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ولن يستغني القلب عن جميع المخلوقات إلا بأن يكون الله هو مولاه الذي لا يَعبد إلا إياه …» فيه: تقرير
[ ٣٠٧ ]
لحقيقة أن عبودية الله ﷾ والتعلق به ينجي من آفتين:
الآفة الأولى: هي آفة اليهود المغضوب عليهم، وهي الكبر؛ لأنهم علموا الحق وأعرضوا عنه كبرًا.
والآفة الثانية: هي آفة النَّصارى الضَّالُّون، وهي الشرك؛ لأنهم ضلوا طريق الحق.
والعبودية لله نوعان:
النوع الأول: عبوديةٌ قسريَّة، تتمثَّل في كونِ اللهِ ربَّنا ومالكَنا، وكونِنا خاضعين قهرًا؛ فالخلقُ عبادُه- بهذا المعنى- شاءوا أم أَبَوْا.
النوع الثاني: عبودية إلهية، وهي الإقرارُ لله وحْدَه بالعبادة والانقياد له بالطاعة.
فالإنسانُ لا ينفكُّ عن وصفِ العبودية؛ فإنْ لم يكن عبدًا لله طوعًا، وهو شرف وعز له- استعبدتْه حاجاتُه وأهواؤه وطواغيتُ الجنِّ والإنس؛ فذاق الذل والخزي في الدنيا، والعذاب المهين في الآخرة.
فسبيلُ تحرُّر العبد في كمال عبوديته لله، ولن يستغنيَ القلبُ عن جميعِ المخلوقات إلاَّ بأنْ يكونَ اللهُ هو مولاه الذي لا يَعبُد إلا إيَّاه، ولا يستعين إلاَّ به، ولا يتوكَّل إلا عليه، ولا يفرَح إلا بما يحبُّه ويرضاه … فكلَّما قوِيَ إخلاصُ دِينه لله كَمُلتْ عبوديتُه لله واستغناؤه عنِ المخلوقات.
* * *
[ ٣٠٨ ]