قال المصنف ﵀: «فَإِنَّ آخرَ مَرَاتِب الحبّ: هُو التتيم، وأوله: العلاقة؛ لتَعلق القلب بالمحبوب، ثمَّ الصَّبابة؛ لانصباب القلب إِلَيْهِ، ثمَّ الغَرام: وهُو الحبُّ الملازم للقلب، ثمَّ العِشْق، وآخِرهَا: التتيم؛ يُقَال: تَيْمُ اللهِ، أي: عَبْدُ اللهِ؛ فالمتيَّم: المعبَّد لمحبوبه».
يجدر الحديث هنا عن عدة مسائل:
المسألة الأولى: شرح الألفاظ الخمسة:
أمَّا العلاقة؛ فقد قال العلَّامة ابن القيم ﵀: «العلاقة وتسمى العَلَق بوزن الفَلَق؛ فهي من أسمائها، قال الجوهري: والعلق- أيضًا-: الهوى؛ يقال: نظرة من ذي عَلَق؛ قال الشاعر:
ولقد أردت الصَّبر عنك فعَلَقني … عَلَقٌ بقلبي من هواك قديم
وقد عَلِقها بالكسر وعَلق حُبُّها بقلبه، أي: هَوِيها وعَلق بها علوقًا، وسُمِّيت علاقة؛ لتعلق القلب بالمحبوب؛ قال الشاعر:
أعلاقة أم الوليد بعدما … أفنان رأسك كالثغام المخلس (^١)» (^٢)
وأمَّا الصَّبْوة؛ فقال ابن القيم: «الصَّبْوة والصَّبَا فمن أسمائها أيضًا؛ قال في «الصِّحاح»: «والصَّبَا من الشَّوق؛ يقال منه تَصَابَا
_________________
(١) المخلس: اسم فاعل من أخلس النبات، إذا كان بعضُه أخضر وبعضه أبيض، وكذلك يقال: أخلس رأسه: إذا خالط سواده بياضه.
(٢) «روضة المحبين ونزهة المشتاقين» (١/ ٢٢).
[ ٦٢ ]
وصَبَا يَصبو صَبْوة وصَبْوًا، أي: مال إلى الجهل. وأَصْبَتْهُ الجاريةُ وصَبِي صَباء مِثل سَمِع سَماعًا، أي: لعب مع الصبيان.
قلت: أصل الكلمة من الميل؛ يقال: صبا إلى كذا، أي: مال إليه. وسُمِّيت الصبوة بذلك؛ لميل صاحبها إلى المرأة الصبية. والجمع: صبايا؛ مثل: مَطية ومطايا. والتَّصابي: هو تعاطي الصبوة مثل التمايل وبابه. والفرق بين الصبا والصبوة والتصابي:
أن التصابي هي تعاطي الصبا، وأن تفعل فعل ذي الصبوة.
وأمَّا الصبا فهو نفس الميل.
وأما الصبوة فالمرة من ذلك مثل الغَشوة والكبوة، وقد يقال على الصفة اللازمة مثل القسوة، وقد قال يوسف الصديق ﵇: ﴿وإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وأَكُنْ مِنَ الجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣].
وأمَّا الصبابة فقال في «الصِّحاح»: هي رقة الشوق وحرارته؛ يقال: رجل صَبٌّ عاشق مشتاق، وقد صَبِبت يا رجل، بالكسر؛ قال الشاعر:
ولستَ تَصَبُّ إلى الظاعنين … إذا ما صديقك لم يَصْبَب
قلت: والصبابة من المضاعف من صَبَّ يصب والصبا والصبوة من المعتل وهم كثيرًا ما يعاقبون بينهما، فبينهما تناسب لفظي ومعنوي؛ قال الشاعر:
تَشَكَّى المُحِبُّون الصَّبابةَ ليتني … تحمَّلت ما يَلقون مِنْ بينهم وَحْدي
ويقال: رجل صَبٌّ، وامرأة صَبٌّ، كما يقال: رجل عدل وامرأة عدل» (^١).
_________________
(١) «روضة المحبين» (١/ ٢٤، ٢٥).
[ ٦٣ ]
وأما الغرام فيقول ابنُ القيم: «وأمَّا الغرام فهو الحب اللازم، يقال: رجل مُغرم بالحب، أي: قد لَزِمه الحبُّ، وأصل المادة من اللزوم، ومنه قولهم: رجل مُغرم من الغُرم أو الدَّيْن؛ قال في «الصِّحاح»: والغَرام: الولوع، وقد أغرم بالشيء، أي: أولع به. والغريم: الذي عليه الدَّيْنُ، يقال: خذ من غَريم السوء ما سَنح، ويكون الغريم أيضًا: الذي له الدين؛ قال كُثَيِّر عَزَّة:
قضى كُلُّ ذي دَيْن فوفَّى غَرِيمَه … وعَزَّة مَمطولٌ مُعَنّى غَريمها
ومن المادة: قوله تعالى في جهنم: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥]، والغرام: الشَّر الدائم اللازم والعذاب؛ قال بشر:
ويوم النِّسار ويوم الجِفا … رِ كانا عذابًا وكانا غَراما
وقال الأعشى:
إن يعاقب يكن غرامًا وإن يع … طِ جزيلًا فإنه لا يبالي
وقال أبو عبيدة: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥]: كان هلاكًا ولِزامًا لهم.
وللطف المحبة عندهم واستعذابهم لها لم يكادوا يُطلقون عليها لفظ الغرام، وإن لهج به المتأخرون» (^١).
وأمَّا العشق فيقول ابن القيم: «العشق فهو أَمَرُّ هذه الأسماء وأخبَثُها، وقَلَّ ما وَلعت به العربُ، وكأنهم ستروا اسمه، وكَنُّوا عنه بهذه الأسماء؛ فلم يكادوا يفصحوا به، ولا تكاد تجده في شعرهم القديم، وإنَّما أولع به المتأخرون، ولم يقع هذا اللفظ في القرآن ولا في السنة إلَّا في حديث سويد بن سعيد وسنتكلم عليه إن شاء الله
_________________
(١) «روضة المحبين» (١/ ٤٩، ٥٠).
[ ٦٤ ]
تعالى، وبعدُ فقد استعملوه في كلامهم؛ قال الشاعر:
وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا … سوى أن يقولوا: إنني لك عاشق
نعم، صدق الواشون أنت حبيبة … إليَّ وإن لم تصف منك الخلائق
قال في «الصِّحاح»: العشق: فرط الحب، وقد عشقها عشقًا؛ مثل علم علمًا …
ورجل عشيق مثل فَسيق، أي: كثير العشق. والتعشق: تكلف العشق؛ قال الفراء: يقولون: امرأة محب لزوجها وعاشق. وقال ابن سِيدة: العشق: عجب المحب بالمحبوب؛ يكون في عفاف الحب ودَعارته؛ يعني: في العفة والفجور …
وقد اختلف الناسُ: هل يُطلق هذا الاسم في حقِّ الله تعالى؟
فقالت طائفة من الصوفية: لا بأس بإطلاقه، وذكروا فيه أثرًا لا يَثبت، وفيه: «فإذا فعل ذلك عَشقني وعشقتُه».
وقال جمهور الناس: لا يُطلق ذلك في حقِّه ﷾؛ فلا يُقال: إنه يَعشق، ولا يقال: عشقه عبدُه.
ثم اختلفوا في سبب المنع على ثلاثة أقوال:
أحدها: عدم التوقيف بخلاف المحبة.
الثاني: أن العشق إفراط المحبة، ولا يمكن ذلك في حقِّ الرب تعالى؛ فإنَّ الله تعالى لا يُوصف بالإفراط في الشيء، ولا يبلغ عبده ما يستحقه من حبِّه؛ فضلًا أن يقال: أفرط في حبه.
الثالث: أنَّه مأخوذ من التغير؛ لأنه قيل: هو مأخوذ من شجرة يقال لها: عاشقة تخضَّر ثم تدق وتصفَّر، ولا يُطلق ذلك على الله ﷾» (^١).
_________________
(١) «روضة المحبين» (١/ ٢٧ - ٢٩) باختصار.
[ ٦٥ ]
أما التتيُّم؛ فيقول ابن القيم في تعريفه: «وأمَّا التتيم فهو التعبُّد؛ قال في «الصِّحاح»: تيم الله أي: عبد الله. وأصله: مِنْ قولهم: تَيمه الحبُّ: إذا عَبَّدَه وذلَّلَه؛ فهو مُتَيَّم، ويقال: تامته المرأة؛ قال لقيط بن زرارة:
تامت فؤادك، لو يَحزُنْك ما صنعت … إحدى نساء بني ذهل بن شيبانا» (^١)
المسألة الثانية: أسماء المحبة:
وقد ذكر ابنُ القيم في كتابه «روضة المحبين ونزهة المشتاقين»: «أنَّ للحبِّ قريبًا من سِتِّين اسمًا، وهي (المحبة، والعلاقة، والهوى، والصبوة، والصبابة، والشغف، والمِقة، والوجد، والكلف، والتتيم، والعشق، والجوى، والدنف، والشجو، والشوق، والخلابة، والبلابل، والتباريح السدم، والغمرات، والوهل، والشجن، واللاعج، والاكتئاب، والوصب، والحزن، والكمد، واللذع، والحرق، والسهد، والأرق، واللهف، والحنين، والاستكانة، والتبالة، واللوعة، والفتون، والجنون، واللمم، والخبل، والرسيس، والداء المخامر، والود، والخلة، والخِلم، والغرام، والهيام، والتدلية، والوله، والتعبد)، وقد ذكر له أسماء غير هذه، وليست من أسمائه وإنما هي من موجباته وأحكامه؛ فتركنا ذِكرها، وقد شرح ابن القيم معاني هذه الكلمات في كتابه المذكور؛ فمن أراد الاستزادة فليرجع إليه (^٢).
المسألة الثالثة: تعريف المحبة:
نتطرق هنا للمعنى اللغوي والاصطلاحي لكلمة المحبة، وذلك
_________________
(١) «روضة المحبين» (١/ ٢٦، ٢٧).
(٢) انظر: «روضة المحبين ونزهة المشتاقين» (ص ٢٥ - ٥٢).
[ ٦٦ ]
بهدف التعريف بها وبيان مدلولها:
أ- أصل اشتقاق المحبة:
قال ابن منظور: «المحبة: اسم للحب» (^١).
ويرى ابنُ القيم أنَّ مادة كلمة (حب) تدور في اللغة على خمسة أشياء:
أحدها: الصفاء والبياض، ومنه قولهم لصفاء بياض الأسنان ونضارتها: «حَبَبُ الأسنان».
الثاني: العلو والظهور، ومنه «حَبَبُ الماء وحُبَابه»، وهو ما يَعلوه عند المطر الشديد، وحَبَبُ الكأس منه.
الثالث: اللزوم والثبات، ومنه، حَبَّ البعيرُ وأَحَبَّ، إذا بَرك ولم يَقُم.
قال الشاعر:
حُلْتَ عليه بالفَلاةِ ضَرْبا … ضَرْبَ بِعِيرِ السُّوءِ إِذْ أَحَبَّا
الرابع: اللُّبُّ، ومنه: حَبَّة القلب، لِلُبِّه وداخِلِه.
ومنه: الحَبَّةُ لواحدةِ الحُبوب؛ إذ هي أصلُ الشيء ومادَّته وقِوَامه.
الخامس: الحِفظ والإمساك، ومنه: حِبُّ الماء؛ للوِعاء الذي يُحفظ فيه ويُمسكه، وفيه معنى الثبوت أيضًا.
ثم قال ﵀: «ولا ريبَ أنَّ هذه الخمسة من لوازم المحبَّة:
١ - فإنَّها صفاء المودة، وهَيَجان إرادات القلب للمحبوب.
٢ - وعُلوها وظهورها منه؛ لتعلقها بالمحبوب المراد.
_________________
(١) «لسان العرب» (١/ ٢٩٠).
[ ٦٧ ]
٣ - وثبوت إرادة القلب للمحبوب، ولُزومها لزومًا لا تفارقه.
٤ - ولإعطاء المحب محبوبه لُبَّه وأشرف ما عنده، وهو قلبه.
٥ - ولاجتماع عَزَماته وإراداته وهُمومه على محبوبه.
فاجتمعت فيها المعاني الخمسة» (^١).
وزاد ابن القيم على هذه المعاني الخمسة ما يلي:
«وقيل: بل هي مأخوذة من القلق والاضطراب، ومنه سُمِّي القِرط حِبًّا؛ لقلقه في الأذن واضطرابه.
وقيل: بل هي مأخوذة من الحِب الذي هو إناء واسع؛ فيمتلئ به بحيث لا يَسع لغيره، وكذلك قَلب المحب ليس فيه سَعة لغير محبوبه.
وقيل: مأخوذة من الحُبِّ، وهو الخشبات الأربع التي يَستقر عليها ما يُوضع من جَرَّة أو غيرها؛ فسُمِّي الحب بذلك؛ لأنَّ المحب يتحمل لأجل محبوبه الأثقال، كما تتحمل الخشباتُ ثِقل ما يُوضع عليها» (^٢).
ووضعوا لمعناها حرفين مُناسبين للمسمى غاية المناسبة: (الحاء) التي هي من أقصى الحلق. و(الباء) الشفوية التي هي نهايته.
فللحاء الابتداء، وللباء الانتهاء، وهذا شأن المحبة وتعلُّقها بالمحبوب، فإن ابتداءها منه وانتهاءها إليه.
وقالوا في فعلها: حَبَّهُ وأحَبَّهُ.
ثم اقتصروا على اسم الفاعل من (أحب) فقالوا: (مُحِبٌّ)، ولم
_________________
(١) انظر: «مدارج السالكين» (٣/ ١١، ١٢).
(٢) «روضة المحبين» (ص ١٧، ١٨).
[ ٦٨ ]
يقولوا: (حاب)، واقتصروا على اسم المفعول من (حَبَّ) فقالوا: (محبوب)، ولم يقولوا: (مُحَب) إلَّا قليلًا، كما قال الشاعر:
ولقد نزلتِ فلا تَظُنِّي غيرَه … مِنِّي بمنزلة المُحبِّ المُكرم (^١)
يقول: وقد نزلتِ من قلبي منزلة مَنْ يحب ويُكرم؛ فتَيقَّني هذا واعلميه قطعًا ولا تَظُنِّي غيره (^٢).
وأعطوا (الحب) حركة الضَّم التي هي أشدُّ الحركات وأقواها، مطابقة لِشِدَّة حركة مُسَمَّاه وقُوَّتها.
وأعطوا (الحِب) - وهو المحبوب- حركة الكسر؛ لخفتها عن الضمة وخفة المحبوب، وخِفَّة ذِكره على قلوبهم وألسنتهم …
فتأمل هذا اللطف والمُطابقة والمناسبة العجيبة بين الألفاظ والمعاني تُطلعك على قَدر هذه اللغة، وأنَّ لها شأنًا ليس لسائر اللغات (^٣).
ب- الحدُّ الاصطلاحي للمحبة:
قال الحافظ ابنُ حَجَر ﵀: «وحقيقةُ المحبة- عند أهل المعرفة- مِنْ المعلومات التي لا تُحَدُّ، وإنما يعرفها مَنْ قامت به وجدانًا، ولا يمكن التعبير عنها» (^٤).
وقال ابن القيم: «لا تُحَدُّ المحبةُ بحدٍّ أوضح منها؛ فالحدود لا تَزيدها إلا خفاء وجفاء، فحدُّها وجودها. ولا تُوصف المحبة بوصف
_________________
(١) البيت لعنترة بن شداد. انظر: «معلقته».
(٢) «شرح المعلقات السبع» للزوزني (ص ٢٤٧)، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م.
(٣) انظر: «مدارج السالكين» (٣/ ١٢، ١٣).
(٤) «فتح الباري» (١/ ٤٦٣).
[ ٦٩ ]
أظهر من المحبة، وإنما يتكلم الناس في أسبابها، وموجباتها، وعلاماتها، وشواهدها، وثمراتها، وأحكامها؛ فحدودهم ورسومهم دارت على هذه السِّتَّة، وتنوعت بهم العبارات وكثرت الإشارات بحسب إدراك الشخص ومقامه وحاله وملكه للعبارة» (^١).
وهذا الذي ذكره ابن القيم وابن حجر هو الذي تطمئن له النفسُ؛ فالمحبة: أمرٌ شعوريٌّ وجدانيٌّ يُتعرف عليه بواسطة الأمور الستة التي أشار إليها ابن القَيِّم، وذلك لكون هذه الأمور هي العناصر التي يمكن أن يعبر عن المحبة من طريقها.
ولذلك فلا داعي لِذكر تعريفات العلماء لها؛ فحَدُّها وجودها، والحدود لا تَزيدها إلا خفاء وجفاء، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى.
* * *
_________________
(١) «مدارج السالكين» (٣/ ٩).
[ ٧٠ ]