قال المصنف ﵀: «ومَن خضع لإِنْسَانٍ مَعَ بغضه لَهُ لَا يكون عابدًا لَهُ، ولَو أحب شَيْئًا ولم يَخضع لَهُ لم يكن عابدًا لَهُ، كَمَا قد يُحب الرجل ولَده وصديقه، ولِهَذَا لَا يَكْفِي أَحدُهمَا فِي عبَادَة الله تَعَالَى، بل يجب أَنْ يكون اللهُ أحبَّ إِلَى العَبْد من كل شَيْء، وأَن يكون اللهُ عِنْدَه أعظمَ من كل شَيْء، بل لَا يسْتَحق المحبَّة والخضوع التَّامَّ إِلَّا اللهُ. وكل مَا أُحِبَّ لغير الله فمحبته فَاسِدَة، ومَا عُظِّم بِغَيْر أَمر الله فتعظيمه بَاطِل؛ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قل إِنْ كَانَ آباؤكم وأبناؤكم وإِخْوانكُمْ وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إِلَيْكُم من الله ورَسُوله وجِهَاد فِي سَبيله فتربصوا حَتَّى يَأْتِي الله بأَمْره﴾ [التوبة: ٢٤]».
يجدر التنبيهُ هنا لعدة مسائل؛ منها:
المسألة الأولى: أقسام المحبة مِنْ حيث العموم:
تنقسم المحبة من حيث العموم إلى قسمين: (المحبة المشتركة والمحبة الخاصة).
القسم الأول: المحبة المشتركة.
وهي ثلاثة أنواع:
أحدها: محبَّة طبيعية؛ كمحبة الجائع للطعام، والظمآن للماء، ونحو ذلك، وهذه لا تَستلزم التعظيم.
الثاني: محبَّة رحمة وإشفاق؛ كمحبَّة الوالد لولده الطفل، وهذه- أيضًا- لا تستلزم التعظيم.
[ ٧١ ]
الثالث: محبة أُنس وإِلْف، وهي محبة المشتركين في صناعة أو عِلم أو مُرافقة أو تجارة أو سفر لبعضهم بعضًا، وكمحبة الإخوة بعضهم بعضًا.
فهذه الأنواع الثلاثة التي تَصلح للخَلْق؛ بعضهم من بعض، ووجودها فيهم لا يكون شِرْكًا في محبة الله، ولهذا كان رسول الله ﷺ يحبُّ الحلواء والعَسل (^١)، وكان يحبُّ نِساءه (^٢)، وعائشة أحبُّهن إليه، وكان يُحِبُّ أصحابَه، وأحبهم إليه الصِّدِّيق؟ (^٣).
القسم الثاني: المحبة الخاصَّة التي لا تَصلح إلا لله.
ومتى أحبَّ العبدُ بها غيرَه، كان شركًا لا يَغفره الله، وهي محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع والتعظيم، وكمال الطاعة، وإيثاره على غيره.
فهذه المحبة لا يجوز تعلقها بغير الله أصلًا (^٤)، بل يجب إفرادُ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٤٣١) ومسلم (١٤٧٤) من حديث عائشة ﵂. وقال القاضي عياض عن هذا الحديث: هذا «حُجَّةٌ فى استعمال مباحات الدنيا، وأكل لذيذ الأطعمة. والحلواء هنا: كل طعام مُستحلى». «إكمال المُعْلِم بفوائد مُسْلِم» (٥/ ٢٨).
(٢) أخرج النسائي (٣٩٣٩) عن أنس؟ قال: قال رسول الله ﷺ: «حُبِّب إليَّ من الدنيا: النِّساء والطِّيب، وجُعل قُرَّة عَيني في الصلاة». وحسنه الألباني في «المشكاة» (٥٢٦١).
(٣) أخرج البخاري (٣٦٦٢) ومسلم (٢٣٨٤) عن عمرو بن العاص؟ أنه قال: أيُّ الناس أحبُّ إليك؟ قال: «عائشة». فقلت: مِنْ الرجال؟ فقال: «أبوها». قلت: ثم مَن؟ قال: «ثم عمر بن الخطاب»، فعَدَّ رجالًا».
(٤) انظر: «تيسير العزيز الحميد» (ص ٤١١).
[ ٧٢ ]
الله بهذه المحبة الخاصة التي هي توحيد الإلهية، بل الخلق والأمر والثواب والعقاب إنما نشأ عن المحبة ولأجلها، فهي الحقُّ الذي خُلقت به السموات والأرض، وهي الحق الذي تضمنه الأمر والنهي، وهي سِرُّ التأله، وتوحيدها: هو شهادة أن لا إله إلا الله.
وليس كما يزعم المنكرون: أن الإله هو الربُّ الخالق؛ فإن المشركين كانوا مُقِرِّين بأنه لا رب إلا الله ولا خالق سواه، ولم يكونوا مُقرين بتوحيد الإلهية الذي هو حقيقة لا إله إلا الله، فإن الإله الذي تألهه القلوب حُبًّا وذُلًّا وخوفًا ورجاء وتعظيمًا وطاعة.
وإله بمعنى مألوه، أي: محبوب معبود، وأصله من التأله، وهو التعبُّد الذي هو آخر مَراتب المحبة، فالمحبة حقيقة العبودية (^١)، وسيأتي مزيد تفصيل لهذا القسم.
المسألة الثانية: أقسام المحبة باعتبار متعلقها ومحبوبها:
تنقسم المحبة باعتبار متعلقها ومحبوبها إلى قسمين: (نافعة محمودة. مذمومة ضارة).
القسم الأول: المحبة النافعة
وهي التي تجلب لصاحبها ما ينفعه وهو السعادة وهي ثلاثة أنواع:
أ- محبة الله.
ب- محبة في الله.
ج- محبةُ ما يُعين على طاعة الله واجتناب معصيته.
_________________
(١) انظر: «مدارج السالكين» (٣/ ٢٠)، و«روضة المحبين» (ص ٥٩)، و«تيسير العزيز الحميد» (ص ٤١٢).
[ ٧٣ ]
فيحبُّ الله تعالى حبًّا لا يُشاركه فيه أحد، ويكون الله ﷿ هو المحبوب المراد الذي لا يُحب لذاته ولا يُراد لذاته إلا هو، وهو المحبوب الأعلى الذي لا صَلاح للعبد ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا بأن يكون هو محبوبه ومراده وغاية مطلوبه. وتكون هذه المحبة مُستلزمة لما يتبعها من عبادته تعالى وخضوعه له، وتعظيمه ﷿.
والمحبة في الله: بأن يحب المؤمنين لا يحبهم إلا لله، ويكون هواه تبعًا لحبِّ الله تعالى ورضاه؛ فلا يُحب إلا ما يحبه اللهُ تعالى.
ومحبةُ ما يُعين على طاعة الله أنواعٌ كثيرة تَندرج فيها جميع العبادات.
القسم الثاني: المحبة الضارَّة:
وهي المحبة المَذمومة التي تَجلب لصاحبها ما يضرُّه، وهو الشقاء.
وهي ثلاثة أنواع أيضًا:
النوع الأول: المحبة مع الله. ومنها: محبة المشركين آلهتهم كحبِّ الله.
النوع الثاني: محبة ما يُبغضه الله. ومنها: محبة الفواحش والمنكرات التي يُبغضها الله.
النوع الثالث: محبة ما تَقطع محبته عن محبة الله تعالى أو تنقصها. ومنها: عِشق النساء الذي يزيد عن حَدِّه حتى يُضيع الأوامر ويُدخل في النواهي، وفي مقدمة ذلك عِشق الفاسقات والعاهرات والوِلْدَان.
فهذه سِتَّةُ أنواع عليها مدارُ محابِّ الخلق.
[ ٧٤ ]
فأصل المَحابِّ المحمودة: محبة الله تعالى، بل وأصل الإيمان والتوحيد والنوعان الآخران تَبَعٌ لها.
كما أنَّ المحبةَ مع الله أصلُ الشرك، والمحاب المذمومة والنوعان الآخران تَبَعٌ لها (^١).
فأصل الشرك الذي لا يَغفره الله هو الشرك في هذه المحبة؛ فإنَّ المشركين لم يزعموا أنَّ آلهتهم وأوثانهم شاركت الربَّ سبحانه في خلق السموات والأرض، وإنَّما كان شِركهم بها من جهة محبتها مع الله؛ فَوَالَوْا عليها وعادوا عليها وتألَّهوها، وقالوا: هذه آلهة صِغار تُقَرِّبنا إلى الإله الأعظم؛ قال تعالى: ﴿ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ والَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّه﴾ [البقرة: ١٦٥]، وهذا منهم كحال عبادتهم لهم؛ قال ﷻ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣].
ففرق بين محبة الله أصلًا، والمحبة له تبعًا، والمحبة معه شركًا، وعليك بتحقيق هذا الموضع فإنه مَفرق الطرق بين أهل التوحيد وأهل الشرك (^٢).
المسألة الثالثة: حقيقة المحبة الشرعية:
المقصود بالمحبة الشرعية: محبة الله ﷾ ومحبة رسوله ﷺ وكل ما يدخل في فَلَكها ويدور مع محورها.
فهذه المحبة مِنْ أعظم واجبات الإيمان وأكبر أصوله، بل ومن أوجب العِبادات المُناطة بقلب المؤمن، ذلك لأنَّه لابد في إيمان القلب من حب الله ورسوله، وأن يكون الله ورسوله ﷺ إليه مما
_________________
(١) راجع: «إغاثة اللهفان» (٢/ ١٤٠، ١٤١)، و«جامع الرسائل» (٢/ ٢٠٢).
(٢) انظر: «روضة المحبين» (ص ٢٩٣).
[ ٧٥ ]
سواهما.
فهي أصلُ كلِّ عمل من أعمال الإيمان والدِّين، كما أن التصديق به أصل كلِّ قول من أقوال الإيمان والدِّين؛ فإنَّ كل حركة في الوجود إنما تَصدر عن محبة؛ إمَّا عن محبة محمودة، أو عن محبة مذمومة.
فجميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تَصدر إلا عن المحبة المحمودة، وأصل المحبة المحمودة: هي محبة الله ﷾؛ إذ العملُ الصادر عن محبة مذمومة لا يكون عملًا صالحًا عند الله، بل جميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تصدر إلا عن محبة الله؛ فإنَّ الله تعالى لا يَقبل مِنْ العمل إلا ما أُريد به وجهه؛ كما ثبت في «الصَّحيح» عن النبي ﷺ فيما يَرويه عن ربِّه أنه قال: «أنا أغنى الشُّركاء عن الشرك؛ مَنْ عَمِل عملًا أَشرك فيه معي غيري تَرَكْتُه وشِرْكَه» (^١).
فإخلاصُ الدِّين لله هو الدِّين الذي لا يَقبل الله سواه، وهو الذي بَعث به الأَوَّلين والآخرين من الرُّسل، وأنزل به جميع الكتب، واتَّفق عليه أهلُ الإيمان.
وهذا هو خلاصةُ الدَّعوة النبوية، وهو قُطب القرآن الذي تدور عليه رَحاه (^٢)، فأصلُ الدِّين وقاعدته يتضمن أن يكون اللهُ هو المعبود الذي تحبه القلوب وتخشاه ولا يكون لها إله سواه، والإله: ما تألهه القلوب بالمحبة والتعظيم والرجاء والخوف والإجلال والإعظام ونحو ذلك.
_________________
(١) أخرجه مسلم في «صحيحه»، كتاب (الزهد)، باب (مَنْ أشرك في عمله غير الله) (٨/ ٢٢٣).
(٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (١٢/ ٤٨، ٤٩).
[ ٧٦ ]
والله سبحانه أرسل الرسل بأنه لا إله إلا هو؛ فتَخلو القلوب عن محبة ما سواه بِمَحَبَّته، وعن رجاء ما سواه برجائه، وعن سؤال ما سواه بسؤاله، وعن العمل لما سواه بالعمل له، وعن الاستعانة بما سواه بالاستعانة به (^١).
فإذا كان أصلُ العمل الديني هو إخلاص الدين لله، وهو إرادة الله وحده فالشيء المراد لنفسه هو المحبوب لذاته، وهذا كمال المحبة، ولكن أكثر ما جاء المطلوب باسم العبادة؛ كقوله تعالى: ﴿ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ والَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، وأمثال هذا.
والعبادة تتضمن كمال الحب ونهايته، وكمال الذل ونهايته، فالمحبوب الذي لا يُعَظَّم ولا يُذَلُّ له لا يكون معبودًا، والمُعَظَّم الذي لا يُحَبُّ لا يكون معبودًا، ولهذا قال تعالى: ﴿ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ والَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].
فبَيَّن- سبحانه- أنَّ المشركين بربهم الذين يتخذون من دون الله أندادًا وإن كانوا يُحبونهم كما يحبون الله، فالذين آمنوا أشدُّ حُبًّا لله منهم لله ولأوثانهم؛ لأنَّ المؤمنين أعلم بالله، والحب يَتبع العِلم، ولأن المؤمنين جعلوا جميع حُبِّهم لله وحده، وأولئك جعلوا بعضَ حُبِّهم لغيره، وأشركوا بينه وبين الأنداد في الحب، ومعلوم أن ذلك أكمل؛ قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩].
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (١١/ ٥٢٣، ٥٢٤).
[ ٧٧ ]
واسم المحبة فيه إطلاق وعموم؛ فإنَّ المؤمن يحب الله ويحب رُسلَه وأنبياءه وعبادَه المؤمنين، وإن كان ذلك من محبة الله، وإن كانت المحبة التي لله لا يستحقُّها غيرُه. ولهذا جاءت محبة الله ﷾ مَقرونة بما يختص به سبحانه من العبادة والإنابة إليه والتبتُّل له، ونحو ذلك. فكل هذه الأسماء تتضمن محبة الله ﷾.
وكما أنَّ محبته هي أصلُ الدِّين، فكذلك كمال الدين يكون بكمالها ونقصه بنقصها (^١).
وكمال هذه المحبة هو بالعبودية والذل والخضوع والطاعة للمحبوب ﷾؛ فالحق الذي خُلِق به ولأجله الخلقُ: هو عبادة الله وحده التي هي كمال محبته والخضوع والذل له، ولوازم عبوديته من الأمر والنهي والثواب والعقاب، ولأجل ذلك أرسل الرسلَ، وأنزل الكتبَ، وخَلَقَ الجَنَّةَ والنارَ (^٢).
وقد بين الله ﷿ أنه قد خلقَ الناس للابتلاء؛ فقال جل وعلا: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَيَاةَ لِيَبْلُوكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧]، وقال سبحانه: ﴿وهُو الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ والأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ لِيَبْلُوكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧].
فأخبر جل وعلا في هذه الآيات أنَّ خلق العالم والموت والحياة وتَزَيُّنَ الأرض بما عليها: أنه للابتلاء والامتحان؛ ليختبر خلقه أيهم أحسن عملًا، فيكون عمله موافقًا لمحابِّ الرب تعالى، فيوافق الغاية التي خُلِق هو لها وخلق لأجلها العالَم، وهي عبوديته
_________________
(١) انظر: «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٥٦، ٥٧).
(٢) انظر: «روضة المحبين» (ص ٥٩).
[ ٧٨ ]
المتضمنة لمحبَّته وطاعته، وهي العمل الأحسن وهو مواقع محبته ورضاه، وقَدَّر سبحانه مقادير تُخالفها بحكمته في تقديرها، وامتحن خلقَه بين أَمْرِه وقَدَرِه؛ ليَبلوهم أيُّهم أحسن عملًا.
فانقسم الخلق في هذا الابتلاء إلى فريقين:
الفريق الأول: داروا مع أوامره ومحابِّه، ووقفوا حيث وَقف بهم الأمر، وتحَرَّكوا حيث حَرَّكهم الأمر، واستعملوا الأمرَ في القَدَر، وركبوا سفينةَ الأمر في بحر القَدَر، وحَكَّموا الأمرَ على القَدَر، ونازعوا القَدَرَ بالقَدَرِ؛ امتثالًا لأمره واتِّباعًا لمرضاته؛ فهؤلاء هم النَّاجون.
والفريق الثاني: عارضوا بين الأمر والقَدَر، وبين ما يُحِبُّه ويَرضاه وبين ما قَدَّره وقَضَاه، فهؤلاء هم المُفَرِّطون (^١).
وحقيقة المحبة: حركة نفس المُحِبِّ إلى محبوبه، فالمحبة حَركة بلا سكون؛ فالحبُّ يُوجب حركة النفس وشِدَّة طلبها، والنَّفس خُلِقت مُتحركة بالطبع كحركة النار، فالحب حركتها الطبيعية، فكلُّ مَنْ أَجَلَّ شيئًا من الأشياء وَجَدَ في حُبِّه لذَّة ورَوْحًا، فإذا خلا عن الحب مطلقًا تعطَّلَت النفس عن حركتها وثَقلت وكَسلت وفارقها خِفَّةُ النَّشاط، ولهذا تجد الكسالى أكثر الناس همًّا وغَمًّا وحُزنًا، ليس لهم فَرح ولا سرور، بخلاف أرباب النَّشاط والجِدِّ في العمل أيِّ عملٍ كان، فإن كان النشاط في عمل هم عالمون بحسن عواقبه وحلاوة غايته كان التذاذهم بحبِّه ونشاطهم فيه أقوى.
وإنَّه ليس للقلب والروح ألذُّ ولا أطيبُ ولا أحلى ولا أنعم من محبة الله والإقبال عليه وعبادته وحده وقُرَّة العَين به، والأنس بِقُربه،
_________________
(١) انظر: «روضة المحبين» (ص ٦٠، ٦١).
[ ٧٩ ]
والشوق إلى لقائه ورؤيته، وإنَّ مِثقال ذَرَّة من هذه اللذة لا يعدل بأمثال الجبال من لَذَّات الدنيا، ولذلك كان مثقال ذرة من إيمان بالله ورسوله يُخَلِّص من الخلود في دار الآلام؛ فكيف بالإيمانِ الذي يَمنع من دخولها؟! (^١).
ولهذا كان أعظم صلاح للعبد: أن يَصرف قُوى حبِّه كلها لله تعالى وحده؛ بحيث يحب اللهَ بكل قلبه ورُوحه وجوارحه، فليس لقلب العبد صلاح ولا نعيم إلَّا بأن يكون اللهُ ورسولُه ﷺ أحبَّ إليه مما سواهما، وأن تَكون محبَّتُه لغير الله تابعةً لمحبة الله، فلا يُحب إلا لله؛ كما في الحديث الصَّحيح: «ثلاث مَنْ كن فيه وَجَد بهن حَلاوة الإيمان: مَنْ كان اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، ومَن كان يحبُّ المرء لا يحبُّه إلا لله، ومَن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يَكره أن يُلقى في النَّارِ» (^٢)، فأخبر أن العبد لا يجد حلاوة الإيمان إلَّا بأن يكون اللهُ أحبَّ إليه مما سواه، ومحبة الرسول هي من محبته، ومحبة المرء- إن كانت لله- فهي من محبة الله، وإن كانت لغير الله فهي مُنقصة لمحبة الله مُضعفة لها، وتَصدق هذه المحبة بأن يكون كراهته لأبغض الأشياء إلى محبوبه- وهو الكفر- بمنزلة كراهته لإلقائه في النار أو أشد.
ولا ريب أنَّ هذا من أعظم المحبة؛ فإنَّ الإنسان لا يُقَدِّم على محبة نفسه وحياته شيئًا، فإذا قَدَّم محبة الإيمان بالله على نفسه بحيث لو خُيِّر بين الكفر وإلقائه في النَّار لاختار أن يُلقى في النار ولا يكفر
_________________
(١) «روضة المحبين» (ص ١٦٥ - ١٦٨) بتصرف واختصار.
(٢) أخرجه البخاري في «صحيحه»، كتاب (الإيمان)، باب (حلاوة الإيمان)، «فتح الباري» (١/ ٦٠) ح ١٦، وأخرجه مسلم في «صحيحه»، كتاب (الإيمان)، باب (بيان خصال مَنْ اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان) (١/ ٤٨).
[ ٨٠ ]
- كان اللهُ أحبَّ إليه من نفسه؛ فالحديثُ دلَّ على أن حلاوة الإيمان تَتْبَع كمالَ محبة العبد لله، وهذه الحلاوة لا تحصل إلا بثلاثة أمور: (تكميل هذه المحبة. تفريعها. دفع ضدها).
١ - «فتكميلها»: أن يكون اللهُ ورسولُه ﷺ أحبَّ إليه مما سواهما، فإن محبة الله ورسوله لا يُكتفى فيها بأصل الحب، بل لابد أن يكون اللهُ ورسولُه ﷺ أحبَّ إليه مما سواهما.
٢ - و«تفريعها»: أن يحب المرءَ لا يحبُّه إلا لله.
٣ - و«دفع ضدها»: أن يكره ضد الإيمان- وهو الكفر- أعظم من كراهته الإلقاء في النار (^١).
وهذه المحبة هي فوق ما يَجِدُه سائرُ العُشَّاق والمحبين من محبة محبوبهم، بل لا نظيرَ لهذه المحبة كما لا مَثِيل لِمَنْ تَعَلَّقت به.
وهي محبة تقتضي تقديم المحبوب فيها على النفس والمال والولد، وتَقتضي كمال الذل والخضوع والتعظيم والإجلال والطاعة والانقياد ظاهرًا وباطنًا، وهذا لا نظير له في محبَّة المخلوق كائنًا مَنْ كان.
ولهذا مَنْ أشرك بين الله وبين غيره في هذه المحبة الخاصة كان مشركًا شركًا لا يَغفره الله؛ كما قال الله تعالى: ﴿ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ والَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، والصحيح أن معنى الآية: والذين آمنوا أشد حبًّا لله مِنْ أهل الأنداد لأندادهم، كما تقدم بيانُه: أن محبة المؤمنين لربهم لا يُماثلها محبة مخلوق أصلًا، كما لا يُماثل محبوبهم غيره، وكل أذى
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٢٠٦).
[ ٨١ ]
في محبَّة غيره فهو نَعيم في محبته، وكل مكروه في محبة غيره فهو قُرَّة عين في محبته (^١).
وكثير مِنْ الناس يَدَّعي محبة الله تعالى من غير تحقيق لموجباتها؛ وروي عن الحسن من طرق؛ قال: «قال أقوامٌ على عهد رسول الله ﷺ: واللهِ يا محمد، إنَّا لَنُحِبُّ ربَّنا! فأنزل اللهُ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]؛ فجعلَ اللهُ اتِّباعَ نبِيِّه محمدٍ ﷺ عَلَمًا لحُبِّه، وعذاب مَنْ خالَفَه» (^٢)، وقال الإمام ابنُ كثير ﵀ في تفسيره لهذه الآية: «أي: يحصل لكم فوق ما طَلبتم من محبَّتكم إيَّاه، وهو محبَّتُه إيَّاكم، وهو أعظمُ من الأول» (^٣).
هذا لأنَّ الرسول هو الذي يدعو إلى ما يحبه الله، وليس شيء يحبه الله إلا والرسول ﷺ يَدعو إليه، وليس شيء يدعو إليه الرسول ﷺ إلَّا والله يحبُّه، فصار محبوبُ الرَّبِّ ومَدْعُو الرَّسول متلازمين، بل هذا هو هذا في ذاته وإن تنوَّعت الصفات.
فكل مَنْ ادعى أنه يحب الله ولم يتبع الرسول ﷺ فقد كَذَب، وليست محبته لله وحده، بل إن كان يحبه فهي محبة شِرك، فإنما يَتَّبع ما يهواه؛ كدعوى اليهود والنصارى محبة الله، فإنهم لو أخلصوا له المحبة لم يُحبوا إلا ما أحب؛ فكانوا يتبعون الرسول ﷺ، فلما أحبوا ما أبغض الله مع دعواهم حبِّه كانت محبتهم من جنس محبة المشركين.
_________________
(١) «روضة المحبين» (ص ١٩٩، ٢٠٠).
(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٦/ ٣٢٢)، وانظر: «مجموع الفتاوى» (١٨/ ٣١٥).
(٣) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٣٢).
[ ٨٢ ]
وهكذا أهلُ البدع؛ فمَن قال: إنَّه من المريدين لله المحبين له، وهو لا يقصد اتباع الرسول ﷺ والعمل بما أمر به، وترك ما نهى عنه، فمحبته فيها شَوْبٌ من محبة المشركين واليهود والنصارى بحسب ما فيه من البدع، فإن البدع ليست مما دعا إليه الرسول ولا يُحبها الله، فإن الرسول ﷺ دعا إلى كلِّ ما يحبه الله، فأمر بكلِّ مَعروف ونهى عن كل منكر (^١).
فمحبة الله ورسوله وعِباده المُتَّقِين تَقتضي فِعل محبوباته وترك مكروهاته، والناس يتفاضلون في هذا تفاضلًا عظيمًا؛ فمَن كان أعظم نصيبًا من ذلك كان أعظم درجة عند الله، ومَن كان أقل نصيبًا كان ذلك سببًا في نزول درجته ومنزلته.
وأمَّا مَنْ كان غير مُتَّبع لسبيل النبي ﷺ، فكيف يكون محبًّا لله ﷾؟! (^٢)، ومعلوم أنه لا يَتم الإيمان والمحبة لله إلا بتصديق الرسول فيما أخبر، وطاعته فيما أمر (^٣).
فلابد لمحبِّ الله مِنْ متابعة الرسول ﷺ، والمجاهدة في سبيل الله، بل هذا لازم لكل مؤمن؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وجَاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥]؛ فهذا حبُّ المؤمن لله.
وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وأَبْنَاؤُكُمْ وإِخْوانُكُمْ وأَزْواجُكُمْ وعَشِيرَتُكُمْ وأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا ومَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ
_________________
(١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٨/ ٣٦٠).
(٢) «مجموع الفتاوى» (١٨/ ٣١٦).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٨/ ٣٦٦).
[ ٨٣ ]
بِأَمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤]؛ فأخبر أنَّ مَنْ كانت محبوباته أحب إليه من الله ورسوله والجهاد في سبيله فهو من أهل الوعيد.
وقال في الذين يُحبهم ويحبونه: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤].
فمن تمام محبة الله ورسوله ﷺ: بُغض مَنْ حَادَّ الله ورسوله ﷺ، والجهاد في سبيله؛ لقوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمَانَ وأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢].
وقال تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَولَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفِي العَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ، ولَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ ومَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٨٠، ٨١]، وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ ومِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وبَدَا بَيْنَنَا وبَيْنَكُمُ العَدَاوةُ والبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤].
فأمر المؤمنين أن يتأسوا بإبراهيم ومَن معه؛ حيث أَبْدَوا العداوة والبغضاء لمن أشرك حتى يُؤمنوا بالله وحده (^١).
وثَبات المحبة إنما يكون بمتابعة الرسول ﷺ في أعماله وأقواله وأخلاقه، فبحسب هذا الاتباع يكون مَنشأ هذه المحبة وثباتها
_________________
(١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٨/ ٣٦١).
[ ٨٤ ]
وقُوَّتها، وبحسب نقصانه يكون نقصانها.
وهذا الاتباع يُوجب المحبة والمحبوبية معًا، ولا يتم الأمر إلا بهما، كما قال بعض الحكماء العلماء: «ليس الشأنُ أن تُحِبَّ، إنَّما الشأنُ أن تُحَبَّ» (^١)، أي: في أن يُحِبَّك الله، ولا يحبك الله إلا إذا اتَّبعت حبيبه ظاهرًا وباطنًا، وصَدَّقتَه خبرًا، وأطعته أمرًا، وأجبتَه دعوة، وآثرته طوعًا، وفَنيت عن حكم غيره بحكمه، وعن محبة غيره من الخلق بمحبته، وعن طاعة غيره بطاعته، وإن لم يكن ذلك فلا تَتَعَنَّ، وارجع مِنْ حيث شئتَ؛ فالتمس نورًا فلستَ على شيء (^٢).
ومحبة الله ورسوله ﷺ على درجتين:
الدرجة الواجبة، وهي درجة المقتصدين.
الدرجة المُستحبة، وهي درجة السَّابقين.
فمحبة المقتصدين (الواجبة): تقتضي أن يكون اللهُ ورسولُه ﷺ أحبَّ إليه مما سواهما، بحيث لا يحبُّ شيئًا يُبغضه؛ كما قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، وذلك يقتضي محبة جميع ما أوجبه الله تعالى، وبُغض ما حَرَّمه الله تعالى، وذلك واجبٌ، فإنَّ إرادة الواجبات إرادة تامة تقتضي وجود ما أوجبه الله، كما تقتضي عدم الأشياء التي نهى الله عنها، وذلك مُستلزم لبُغضها التام.
فيجب على كلِّ مؤمن أن يُحبَّ ما أحبَّه اللهُ، ويُبغض ما أبغضه اللهُ؛ قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ
_________________
(١) انظر: «تفسير ابن كثير» (٢/ ٣٢).
(٢) انظر: «مدارج السالكين» (٣/ ٣٧).
[ ٨٥ ]
إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، وأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿والَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ومِنَ الأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَه﴾ [الرعد: ٣٦].
وأما محبة السَّابقين (المُستحبة): بأن يُحب ما أحبَّه الله من النوافل والفضائل محبَّة تامَّة، وهذه حال المُقَرَّبين الذين قَرَّبهم الله إليه.
فإذا كانت محبة الله ورسوله الواجبة تَقتضي بغضَ ما أبغضه الله ورسوله، كما في سائر أنواع المحبة، فإنها تُوجب بُغض الضد (^١).
* * *
_________________
(١) انظر: «قاعدة في المحبة» لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ٩١، ٩٢).
[ ٨٦ ]