قال المصنف ﵀: «ومن عِبَادَته وطاعته: الأَمر بِالمَعْرُوفِ والنَّهْي عَنْ المُنكر بِحَسب الإِمْكَان، والجهَاد فِي سَبيله لأهل الكفْر والنفاق؛ فيجتهدون فِي إِقَامَة دينه مُستعينين بِهِ».
هذا وصف أهلِ السُّنَّة ومجتمعِ التوحيد، المجتمع الذي يجب أن يقوم بأمر العبادة، ومن القيام بالعبادة والطاعة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو مِنْ أوجب الأمور على الأمراء وعلى العلماء وعلى طلبة العلم؛ عليهم أن يُبينوا للناس بقدر الطاقة وحسب الإمكان، فكل إنسان مسئول على قدر استطاعته، وما تحمل من مسئوليات.
فالإنسان في بيته يَملك ما لا يملكه في السوق، ويملك مع زوجه ما لا يملكه مع أمه ومع أبيه، ويملك مع ولده ما لا يملكه مع جاره؛ ويملك الامير ما لا يملكه غيره من عوام الناس؛ فكلٌّ بحسب الحال والمقام الذي هو فيه؛ قال ﷺ: «كُلُّكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، والأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده؛ فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» (^١).
وكذلك لا بد من جهاد أهل الكفر والنفاق؛ للدفاع عن حياض
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٢٠٠) ومسلم (١٨٢٩) من حديث عبد الله بن عمر؟.
[ ١٣٦ ]
دين الإسلام، والعمل على نشره والدعوة إليه، وإقامة الحجة على الناس، ولكن لا بد أن يكون بشروطه وضوابطه، التي بيَّنها العلماءُ؛ قال الله ﷻ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣]، وقال جل وعلا: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١].
أمَّا مَنْ يدعو إلى ترك الجهاد بالكلية؛ فهذا إنما يدعو إلى تعطيل شعيرة من شعائر الإسلام، وفيه شبه مِنْ أولئك المُتصوفة.
وأهل السنة يجتهدون في إقامة دينهم وإظهار شعائره في المجتمع، وعلى كل المسلم أن يعتز بدينه، وأن يجاهد نفسه ليكون نموذجًا صالحًا للمسلم الملتزم بدينه؛ ليكون قدوة لغيره؛ لأنه- في الحقيقة- يُمَثِّل هذا الإسلام العظيم.
أما إذا حلق مسلم لحيته، وأسبل آخر ثوبه، واستمر حال الناس على هذا؛ من التجافي عن إقامة شعائر الدين والبُعد عن التمسك بها وإظهارها؛ فيُوشك أن تذهب.
إذًا على أفراد الأمة أن يجتهدوا في إقامة شعائر هذا الدين، وأن لا يتعللوا بحجج واهيةّ
لأنَّ مِنْ علامات أهل التوحيد: أنهم يجتهدون في إقامة دين الله، مُستعينين به سبحانه، متوكلين عليه في ذلك؛ طالبين منه التوفيق والعون؛ وليكن شعار المسلم كما قال شعيب ﵇: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
إذًا لا بد من مقام التوكل، ولا شك أن مقام التوكل مقام عظيم، فالله ﷾ قد أمر بعبادته والتوكل عليه جل وعلا، وقرن
[ ١٣٧ ]
التوكل بالإيمان في كثير من المواطن، ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿فاعبده وتوكل عليه﴾ [هود: ١٢٣]، فلا بد من أخذ بالأسباب مع التوكل عليه جل وعلا.
وفرق كبير بين التوكل والتواكل؛ فالتواكل يكون بترك الأخذ بالأسباب. وهو مذموم. والتوكل المشروع يكون بالأخذ بالأسباب، مع سؤال الله ﷿ العون والتوفيق والهداية والسداد على فعل الطاعات.
فالعقيدة السلفية الصحيحة كما تنفي الاستسلام والخضوع بغير حق، تنفي السلبية والتواكل وهجر الدنيا واعتزال الخلق، ومَن يخالط الناس ويُخالقهم بالأخلاق الحسنة، ويدعوهم بالحسنى؛ فيأمرهم بالمعروف بالرفق واللين، وينهاهم عن المنكر بلا منكر، ويتحمل أذاهم .. هذا خير ممن يهجرهم ويدعهم فيما هم فيه من خير وشر؛ كما قال ﷺ: «المُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، ويصْبِرُ على أَذَاهُم، أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ المُؤْمِنِ الَّذِي لا يُخَالِطُ النَّاسَ، ولا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ» (^١).
* * *
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٥٠٧) وابن ماجه (٤٠٣٢) من حديث ابنِ عمر ﵄، وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٣٢٥٧).
[ ١٣٨ ]