قال المصنف ﵀:
«ونَعَتَ صفوةَ خلقه بالعبودية لَهُ؛ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿عينًا يشرب بهَا عباد الله يفجرونها تفجيرا﴾ [الإنسان: ٦]، وقَالَ: ﴿وعباد الرَّحْمَن الَّذين يَمْشُونَ على الأَرْض هونا وإِذا خاطبهم الجاهلون قَالُوا سَلاما …﴾ الآيَات [الفرقان: ٦٣ - ٧٧].
ولما قَالَ الشَّيْطَانُ: ﴿رب بِمَا أغويتني لأزينن لَهُمْ فِي الأَرْض ولأغوينهم أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادك مِنْهُم المخلصين﴾ [الحجر: ٣٩، ٤٠]؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلطَان إِلَّا من اتبعك من الغاوين﴾ [الحجر: ٤٢].
وقَالَ فِي وصف المَلَائِكَة بذلك: ﴿وقَالُوا اتخذ الرَّحْمَن ولدا سُبْحَانَهُ بل عباد مكرمون * لَا يسبقونه بالقَوْل وهم بأَمْره يعْملُونَ * يعلم مَا بَين أَيْديهم ومَا خَلفهم ولَا يشفعون إِلَّا لمن ارتضى وهم من خَشيته مشفقون﴾ [الأَنْبِيَاء: ٢٦ - ٢٨]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿وقَالُوا اتخذ الرَّحْمَن ولدا * لقد جئْتُمْ شَيْئا إدا * تكَاد السَّمَاوات يتفطرن مِنْهُ وتنشق الأَرْض وتخر الجبَال هدا * أَنْ دعوا للرحمن ولدا * ومَا يَنْبَغِي للرحمن أَنْ يتَّخذ ولدا * إِنْ كل من فِي السَّمَاوات والأَرْض إِلَّا آتِي الرَّحْمَن عبدا * لقد أحصاهم وعدهم عدا * وكلهمْ آتيه يَوْم القِيَامَة فَردًا﴾ [مَرْيَم: ٨٨ - ٩٥].
وقَالَ تَعَالَى عَنْ المَسِيح الَّذِي ادُّعيت فِيهِ الإلهية والبنوة: ﴿إِنْ هُو إِلَّا عبد أنعمنا عَلَيْهِ وجعلناه مثلًا لبني إِسْرَائِيل﴾ [الزخرف: ٥٩]، ولِهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح: «لَا تُطْرُوني كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَم؛ فَإِنَّمَا أَنا عبد، فَقولُوا: عبدُ الله ورَسُولُه».
[ ٤٨ ]
وقد نَعته اللهُ بالعبودية فِي أكمل أَحْواله، فَقَالَ فِي الإِسْرَاء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]، وقَالَ فِي الإيحاء: ﴿فَأوحى إِلَى عَبده مَا أوحى﴾ [النَّجْم: ١٠]، وقَالَ فِي الدَّعْوة: ﴿وأَنه لما قَامَ عبد الله يَدعُوهُ كَادُوا يكونُونَ عَلَيْهِ لبدًا﴾ [الجِنّ: ١٩]، وقَالَ فِي التحدي: ﴿وإِن كُنْتُم فِي ريب مِمَّا نزلنَا على عَبدنَا فاتوا بِسُورَة من مثله﴾ [٢٣ البَقَرَة].
أثنى اللهُ ﷾ على الملائكة بأنَّهم لا يَستكبرون عن عبادته، وذَمَّ جل وعلا المُستكبرين حيث قال: ﴿إنَّ الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾ [غافر: ٦٠].
وقد بَيَّن شيخُ الإسلام ﵀ ثناءَ الله ﷾ على عباده الذين أَخْلَصُوا له في عبادتهم له ﷿، وهنا عِدَّةُ وقفات:
الوقفة الأولى: أنواع العبودية لله تعالى:
العبودية على نوعين: عبودية عامَّة. وعبودية خاصَّة.
فالعبودية العامَّة: عبودية أهل السموات والأرض كلهم لله؛ بَرِّهم وفاجرهم، مُؤمنهم وكافرهم. فهذه عبودية القَهر والمُلك؛ قال تعالى: ﴿وقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وتَنشَقُّ الأَرْضُ وتَخِرُّ الجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا ومَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ ولَدًا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاواتِ والأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٣]، فهذا يدخل فيه مؤمنهم وكافرهم.
وقال تعالى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ومَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيل﴾ [الفرقان: ١٧]؛ فسَمَّاهم عِبَادَه مع ضلالهم، ولكنها تسمية مُقَيَّدة بالإشارة، وقال تعالى: ﴿قُلِ
[ ٤٩ ]
اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاواتِ والأَرْضِ عَالِمَ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُون﴾ [الزمر: ٤٦]، وقال: ﴿ومَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلمًا لِّلعِبَاد﴾ [غافر: ٣١]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبَاد﴾ [غافر: ٤٨]؛ فهذا يتناول العبودية الخاصة والعامة.
وأما النوع الثاني: العبودية الخاصة، وهي عبودية الطاعة والمحبة واتباع الأوامر، وقد جاءت تسميتهم مُطلقة.
قال تعالى: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولَا أَنتُمْ تَحْزَنُون﴾ [الزخرف: ٦٨]، وقال: ﴿وعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الزخرف: ٦٨].
وأخرج الطبريُّ عن الربيع في قوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩] إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْركُونَ﴾ [النحل: ١٠٠] يُقال: إنَّ عدوَّ الله إبليس قال: ﴿لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣، ٨٢] فهؤلاء الذين لم يُجعل للشيطان عليهم سبيلٌ، وإنَّما سُلطانه على قومٍ اتَّخذوه وليًّا، وأشركوه في أعمالهم» (^١).
فعباد الله حقًّا هم الذين قال لإبليس عنهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغَاوِين﴾ [الحجر: ٤٢].
قال الإمام ابن كثير ﵀: «وقوله: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ [الحجر: ٤٢] أي: الذين قَدَّرْتُ لهم الهدايةَ؛ فلا سبيلَ لك عليهم، ولا وصولَ لك إليهم، ﴿إلَّا مَنْ اتبعك من الغاوين﴾ [الحجر: ٤٢] استثناء مُنقطع» (^٢).
_________________
(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٧/ ٢٩٥).
(٢) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٥٣٥).
[ ٥٠ ]
والاستثناء المُنقطع معناه: أن المستثنى ليس من جنس المستثنى منه ولا بعضه.
والمعنى هنا: أنَّ هؤلاء الغاوين المتبعين لإبليس ليسوا عبادًا لله حقًّا؛ أي: العبودية الخاصة.
قال الإمامُ ابنُ القَيِّم ﵀: «وإنَّما انقسمت العبوديَّةُ إلى خاصَّة وعامة؛ لأنَّ أصلَ معنى اللفظة [أي: العبودية]: الذُّلُّ والخضوع؛ يُقال: طريق مُعَبَّد إذا كان مُذَلَّلًا بوطء الأقدام، وفلان عَبَّده الحبُّ إذا ذلَّلَه.
لكِنْ أولياؤه خَضعوا له وذَلُّوا طوعًا واختيارًا وانقيادًا لأمره ونهيه، وأعداؤه خَضعوا له قهرًا ورغمًا» (^١).
الوقفة الثانية: وصفُ عبيد ربوبيته بالعبودية لا يأتي إلا على أحد خمسة أوجه:
فالخلق كلهم عبيد ربوبيته، وأمَّا أهل طاعته وولايته: فهم عبيد إلهيته.
ولا يجيء في القرآن إضافة العباد إليه مطلقًا إلا لهؤلاء المُخْلَصِين.
وأمَّا وصف عبيد ربوبيته بالعبودية؛ فلا يأتي إلا على أحد خمسة أوجه:
الأول: إمَّا مُنَكَّرًا؛ كقوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاواتِ والأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣].
والثاني: مُعَرَّفًا بالألف واللام؛ كقوله: ﴿ومَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلمًا
_________________
(١) «مدارج السالكين» (١/ ١٠٦).
[ ٥١ ]
لِّلعِبَاد﴾ [غافر: ٣١]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبَاد﴾ [غافر: ٤٨].
الثالث: مُقَيَّدًا بالإشارة أو نحوها؛ كقوله: ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيل﴾ [الفرقان: ١٧].
الرابع: أن يُذكروا في عموم عباده؛ فيَندرجوا مع أهل طاعته في الذِّكر؛ كقوله: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُون﴾ [الزمر: ٤٦].
الخامس: أن يُذكروا موصوفين بفعلهم، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣].
وقد يقال: إنَّما سَمَّاهم (عباده) إذا لم يَقنطوا من رحمته، وأنابوا إليه، واتَّبعوا أحسن ما أُنزل إليهم من ربهم؛ فيكونون من عبيد الإلهية والطاعة (^١).
الوقفة الثالثة: مدار النِّزاع في هذا الباب:
ومدار النزاع مع المخالف في هذا الباب جاء من عدم فَهمهم للفرق بين العبودية الخاصَّة والعبوديَّة العامَّة؛ فمن اتضح له الفرقُ بين العبودية الخاصة والعبودية العامة- عَرف أين مقام الثناء، وأين مقام الذَّمِّ؟
فمقام الثناء هو لأهل العبودية الخاصة؛ فلذلك نَعَتَهم اللهُ تعالى بجَمْعهم وأفرادهم؛ لأن مقامَ هذه العبوديةَ أشرفُ المقامات، ومرتبتها أعلى المرتبات؛ فبها تشَرَّفت الملائكة؛ قال ﷾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، وقال ﷻ: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ
_________________
(١) انظر: «مدارج السالكين» (١/ ١٠٦).
[ ٥٢ ]
بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦، ٢٧].
والعبودية هي مقام التشريف لأنبياء الله ورسله، وهم أعلى مُكَلَّفين في مراتب العبودية؛ قال ﷿: ﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ المَنْصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧١، ١٧٢]، وقال جل وعلا: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ [ص: ٤٥]، ووصف سبحانه أيوبَ الذي ابتلي طويلًا بقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤]، وأثنى على سليمان الذي وهبه الملك العظيم بقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠]، أمَّا عيسى ﵇ فقد ردَّ سبحانه على مَنْ أَلَّهوه بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩]، ولذلك استشهد هنا شيخ الإسلام بقول النبي ﷺ: «لَا تُطْرُوني كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَم؛ فَإِنَّمَا أَنا عبدُه، فَقولُوا: عبدُ اللهِ ورَسُولُه» (^١).
فهذه العبودية تُطلق في مقام المدح والثناء، إذ هي شرفٌ للعبد؛ لذلك وصف الله ﷿ بها نبيَّه ﷺ في أعلى المقامات: ففي مقام الإسراء قال ﷻ: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ [الإسراء: ١]، وفي مقام الوحي قال سبحانه: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ [النجم: ١٠]، وفي مقام الدعوة قال جل وعلا: ﴿وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدًا﴾ [الجن: ١٩]، وفي مقام التحدي قال ﷿: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا﴾ [البقرة: ٢٣]، فذكره بوصف العبودية.
فعلى العبد أن يسعى جاهدًا في تحقيق العبودية؛ فهي شرفُه
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٤٤٥) من حديث عمر بن الخطاب؟.
[ ٥٣ ]
ودليل إيمانه؛ كما في الحديثِ: «واعلم أنَّ شرفَ المؤمن قيامُه بالليل» (^١).
الوقفة الرابعة: تحقيق العبودية لله: أول الأولويات:
تحقيق العبودية لله أول الأولويات؛ كما في حديث شُعب الإيمان: «الإيمانُ بِضْعٌ وسَبعون- أو بضع وسِتُّون- شُعبة؛ فأفضلُها: قول: لا إله إلا الله. وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياءُ شُعبة من الإيمان» (^٢)، فالإيمان كله عبودية؛ فكل طاعة من الطاعات هي شُعبة من شُعَب الإيمان؛ فالصلاة شعبة من شعب الإيمان، وكذلك الزكاة والصوم وبِر الوالدين وصلة الأرحام والصدقة .. إلى غير ذلك، فكل طاعة من هذه الطاعات فهي شعبة من شُعب الإيمان.
وعليه، مَنْ أراد أن يكون من أهل الإيمان فليُحَقِّق العبودية لله ﷾، وهذا مقام عظيم يَناله مَنْ أسلم لله ظاهرًا وباطنًا، وذلك بمعرفة الله ﷾ المعرفة الحقَّة؛ قال الله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [فاطر: ٢٨]، فالعلماء هم أهل الخشية وأهل التقوى لله ﷾؛ لأنهم بالله أعرف، وكما قال العلماء: «مَنْ كان بالله أعرف كان له أعبد».
ولما كان الأنبياء أشد الناس معرفة بالله ﷿ كانوا أعظم تحقيقًا للعبودية له جل وعلا، وقد ردَّ ﷺ على أولئك النفر الذين سألوا عن عبادته ﷺ؛ فلمَّا أُخبروا كأنهم تقالُّوها؛ فقال: «أَمَا-
_________________
(١) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٤٢٧٨)، والحاكم في «المستدرك» (٧٩٢١) من حديث سهل بن سعد؟، وحسنه الألباني في «الصحيحة» (٨٣١).
(٢) أخرجه مسلم (٣٥) من حديث أبي هريرة؟.
[ ٥٤ ]
واللهِ- إنِّي لأخشاكم لله وأتقاكم له …»، الحديث (^١)، فالنبي ﷺ أخشانا وأتقانا وأكثرنا عبودية لله جَلَّ وعلا.
فطريق تحقيق هذه العبادة هو عن طريق معرفة الله تعالى؛ لأن هذه المعرفة متى ما تَمَكَّنت في نفس- كان الله ﷾ أحبَّ إليه من كل شيء، وأكبرَ من كل شيء، وأعظمَ من كل شيء، وأجلَّ مِنْ كل شيء.
فإذا امتلأتِ النفوس بمحبة الله جل وعلا، عمرتها بالهيبة والإجلال والخشية والانكسار والذل والخضوع له ﷻ، وأكسبتها سرعة الاستجابة لما يحبه الله ويرضاه؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الانتفال: ٢٤]، ونتج عن ذلك تحقيق طاعته ﷾، والبعد عمَّا حرم ﷿؛ فتستحق هذه النفوس أن تكون من أهل هذا الوصف؛ وصف العبودية، وأن يدخلوا فيمن قال الله فيهم: ﴿وعباد الرحمن﴾ [الفرقان: ٦٣]، فهذه العبودية الخاصَّة تُنال عن طريق تحقيق عبادة الله ﷿.
ولا شك أنَّ الناس فيها مقامات؛ فهناك مَنْ هو سابق بالخيرات. وهناك مَنْ هو مقتصد. وهناك مَنْ هو ظالم لنفسه، لكن يَخلص من هذا كله: أنَّ الدين كله داخل في العبادة.
ولذلك لما سُئل النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان والسَّاعة- كما سيأتي في حديث جبريل ﵇ قال ﷺ في آخر ذلك الحديث: «هذا جبريلُ أَتَاكم يُعَلِّمكم دينَكم» (^٢).
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٠٦٣) ومسلم (١٤٠١) من حديث أنس بن مالك؟.
(٢) أخرجه البخاري (٥٠) من حديث أبي هريرة؟، ومسلم (٨) من حديث عمر بن الخطاب؟.
[ ٥٥ ]